الكاتب التّونسي مبروك المنّاعي في مساءلة: إنشائيّة الشّعر وغواية القراءة
نزار شقرونالكاتب التّونسي مبروك المنّاعي في مساءلة: إنشائيّة الشّعر وغواية القراءةيعدّ البحث في المسألة الإنشائيّة من الضّرورات النّقديّة في عصر تفاقمت فيه المناهج وانتصبت معاولها محدثة أسئلة كثيرة حول بناء النّصّ الأدبي قديمه وحديثه . وينخرط الأستاذ مبروك المنّاعي في هذا السّياق من خلال كتابه الأخير ” في إنشائيّة الشّعر العربي ” الصّادر عن دار محمّد علي للنّشر (2006)،فهو منتم إلي هذا المبحث الذي يستنطق النّص الأدبي قصد انكشاف مساربه وإبانة توهّجه الشّعري . ويأتي هذا الكتاب إثر تآليف عديدة مثل : ” المتنبّي : قلق الشّعر ونشيد الدّهر ” ، ” الشّعر والمال ” و” الشّعر والسّحر ” التي عبّر من خلالها المؤلّف عن ولعه بالنّصّ الشّعري القديم ومعاشرته لأسئلته الإبداعيّة والوجوديّة أيضا إذ كانت الحياة في الأدب جزءا من المبحث النّقدي عامّة بمثل ما كانت الإنشائيّة وقوفا علي بواطن النّصّ الأدبي وشروط تكوّنه وطبيعة إبداعه في لحظة انتسابه إلي مبدعه. لقد عمد المنّاعي إلي توخّي خطّة كتابة سلسة قامت علي التنظير من ناحية وعلي البعد الإجرائي التّطبيقي من ناحية ثانية وقد دلّ هذا التّوزّع علي توق إلي إقامة برنامج نقدي ، ليس الكتاب غير وضع اختباري لسيرورته واكتناز بخبريّة المعرفة في الشّأن النّقدي دون إثقال الكتاب ببيان المرجعيّة في المنهج ، إذ كفي تشرّب الكاتب للمناهج سوءة الانصياع لإجرائيّة أكاديميّة جافّة ، قد تقتل النّصّ وهي تشيع علنا نيّة إحيائه . ولعلّ هذا الضّرب النّقدي المتوخّي في الكتاب يعلي من شأن القراءة الإنشائيّة التي لا تعلن البحث في إنشائيّة النّصّ فحسب وإنّما تنفعل به فتكون هي ذاتها إنشائيّة في خطابها وذلك نوع من أنواع التّشاكل بين النّصّ الشّعري والنصّ النّقدي لا يقوي عليه إلاّ من كانت له صلة مخصوصة بالشّعر إلي حدّ التّتوؤم. يحتوي الكتاب علي ثمانية فصول محكمة النّسج رغم أنّها قائمة علي نواة أساسيّة ولا يعني ذلك أنّ الفصل ينسخ الفصل أو أنّ قراءة الواحد تكفي عناء قراءة اللاّحق وإنّما الفصول تتفرّع عن بعضها تفرّع حركة اللّولب عن أصل بدايته التي كانت عبارة عن مدخل نظري يغوي بالقراءة لما فيه من اختصار شديد واقتضاب هو إلي إنشائيّة الشّعر أقرب منه إلي ثرثرة الخطاب النّقدي أحيانا كثيرة . وعماد الفصول أنّها تتّصف بالاستقلاليّة بعضها عن بعض في الظّاهر لكنّها متورّطة في نواة أساسيّة فبإمكان القارئ أن يزهد في قراءة كلّ الفصول إلاّ أنّ هذا الزّهد سرعان ما ينبخّر فهو من قوام لعبة النّاقد يعلن اكتفاءه بالوصل القليل ووصله يستحكم بلبّ ووجدان القارئ إذا ما تورّط هذا الأخير في تملّي سطور الخطاب فإذا به يقف علي نوع من الخطاب النّقدي الذي يتّخذ من الماء دفقه فهل من سبيل إلي ردّ انسيابيّة النّقد والامتناع عن مراودته ؟ إنّ أوّل ما يبديه المنّاعي في كتابه فصل ” أوّليّة الشّعر في الإبداع العربي ” فيبيّنه بجلاء هو أصل اصطلاح الإبداع وخصائصه في التّصوّر العربي و لا يهدف بذلك إلي إعادة ما هو متداول أو التّذكير به وإنّما الغاية منه الوقوف علي محرّك الفعاليّة الإبداعيّة فجعل الإبداع قرينا للماء أي للحياة فاستوي لدي الشّاعر العربي مع فعل إغداق الحياة علي اللّفظ وباللّفظ ومنه اعتبار الإبداع قريبا من معني البدعة والاختراع وبالتّالي متماه مع الخلق . ويدقّق المنّاعي قيام الإبداع العربي علي خصيصتين أساسيّتين أولاهما أنّه إبداع لفظي قوامه المادّة الصّوتيّة وثانيهما ” شعريّة المشافهة ” ، علي أنّ هذين الثّابتين استحكما بالشّعر فجعلاه في مقام المسيطر والمركز قياسا إلي هامشيّة النّثر ومحدوديّة سيطرته . لكنّ المنّاعي لا يقف عند هذا الحدّ بل قام بعرض موجز لجينيالوجيا الإبداع العربي مقسّما إيّاها إلي ثلاثة منعرجات كبري معياره في ذلك ليس الكمّ وإنّما إجادة النّصّ في كلّ مرحلة أي تبيّن الجيّد من الرّديء بعبارة القدامي وبيان إنشائيّة النّصّ بلغة المحدثين . وتركّزت المرحلة الأولي علي التّأسيس والازدهار حيث عدّ الإبداع العربي متّشحا بالبداوة ، منشغلا بإيقاع القوّة التي تؤثّر في نفوس السّامعين من الأمّيين ، علي أنّ شعر الطّور الأخير من الجاهليّة افتقر إلي هذه القوّة الإيقاعيّة واهتمّ بجماليّة القصيد فكانت المعلّقات سمة بارزة فيه تثمّن هذا التّجاوب الجمالي فتغني الإبداع وصاحبه علي السّواء وقد شهدت هذه المدوّنة الشّعريّة صداما مع النّصّ القرآني لما كان للشّعر من سلطة علي النّاس ولاعتباره معرفة حدسيّة وسلطة عالمة تغري بالحياة وتسهم في تفسيرها علي حدّ عبارة المنّاعي وإذا ما شهد الشّعر فترة تراخ أشّرت عليها أشعار الخوارج والشّيعة فإنّ فعل التّجديد في الشّعر العربي مع بشّار وأبي نوّاس وأبي العتاهيّة ، بيّن مدي نضارة الشّعر وانفتاح الذّائقة الشّعريّة والثقّافيّة عامّة علي الطّابع المديني وتواصلت هذه الحركيّة الإبداعيّة مع شعر المتنبّي لقدرته الفائقة في تمثيل البعد العروبي في زمن بداية تخلخل الأمّة فهو شاعر القوّة العربيّة وهو “قوّة الشّعر إزاء ضعف القوّة ” ويعتبره المنّاعي في منزلة ابن خلدون وهو لا يخفي بذلك تشيّعه لإبداعيّته وانتصاره لمشروعه الشّعري ، في حين يعتبر شعر أبي فراس الحمداني بكاء علي الحضارة العربيّة ويصنّف أبي العلاء المعرّي آخر مبدعي هذه الموجة التّحديثيّة في الكلاسيكيّة الجديدة وما الشّاعر في كلّ هذه الحركيّة غير محافظ علي الخطاطة القديمة فهو “يكتب علي الكتابة “. ولم يكن من نصيب الدّور الأندلسي غير الموشّح فيما بين القرنين العاشر والثّاني عشر الميلادي . وإذا كان حظّ الشّعر في هذه المرحلة وافرا فإنّ النّثر العربي غلبت عليه نظرة لا تميّز بين ” النّفعي ” و”الجمالي ” فيه وهو أثر سلبي من آثار توجيه النّصّ القرآني لمشروع النّثر العربي وللمنّاعي في هذا الصّدد موقف موجز إلاّ أنّه جدير بالتّفريع والمساءلة إذ اعتبر أنّ النّصّ القرآني حرم الكتّاب ذاتيّتهم فلم يكن الإبداع الجمالي مطلوبا لذاته قدر ما كان مجالا للدّرس اللّغوي والبلاغي . ولم يعرف الإبداع النّثري قوّته إلاّ مع ابن المقفّع وسهل ابن هارون والجاحظ وابن قتيبة ويشير إبداع الجاحظ الرّفيع إلي غياب البعد الذّاتي في القول أي أنّ هذا النّثر يفتقر إلي شرط أساسيّ من شروط الإنشائيّة ولئن ازدهر هذا الفنّ في الفترة العبّاسيّة فإنّه بتواصله مع التّوحيدي وأبي العلاء المعرّي لم يجنح إلي الذّاتيّة فلم بنتج العرب أيّامها ، إذن ، نثرا ذاتيّا . وأمّا المنعرج الثّاني فسمته التّراجع والصّنعة ، فومضات الإبداع خلالها قليلة وشحيحة إذ باستثناء محيي الدّين ابن عربي في الشّعر الصّوفي وحازم القرطاجنّي في البلاغة وابن جبير وابن بطوطة في أدب الرّحلة وابن خلدون فإنّ العالم العربي استسلم بعدها إلي السّبات الرّهيب وكان ذلك إيذانا بأفول أو تراخي الثقّافة العالمة في مواجهة ممارسة إبداعيّة ناشئة ومزدهرة وهي الأدب الشّعبي . لقد انحطّ العرب علي جميع الأصعدة ووقع تصنيم القديم علي امتداد خمسة قرون كاملة انتهت بخضوع المنطقة العر بيّة لهيمنة الاستعمار الغربي وأصبح مبدا قياس الحاضر علي الغائب هو المسيطر . وبيّن المنّاعي أنّ المنعرج الثّالث ” النّهضة الحديثة ” عبّر عن استفاقة العرب قياسا بالتّاريخ الأدبي فهي نهضة علي المنوال الغربي وفي ضوء مشروطيّة الاصطلاح الأدبي الغربي لذلك انبنت الكلاسيكيّة الجديدة الثّانية في صورة التّيّار المحافظ الذي مثّلته مدرسة البعث الشّعري بينما عبّر التّيّار المجدّد عن حضوره الفعلي من خلال استقدام النّموذج الغربي وكان أبرز روافده الإبداع الرّومانسي ولقد شكّل التيّاران معا ” وهما إبداعيّا فالأوّل مستلب في الزّمن العربي القديم والثّاني مستلب في المكان وحدّ المنّاعي هذين الاستلابين بـ “الاعتراب والاغتراب ” في حين جعل من القصيدة الحديثة أفقا ممكنا لفعل إبداعي مرتقب لأنّه تجاوز نهائيّا نمطيّة الإبداع القديمة ، علي أنّ أزمته الرّاهنة مأتاها القراءة وارتهان الذّائقة العامّة في النّصّ التّراثي . وقياسا بالأفق الممكن الذي ابتنه القصيدة العربيّة الحديثة فإنّ المنّاعي لا يستحسن ما بلغه النّثر العربي الحديث إذ يعتبره دون إسهام الشّعر .لكأنّ الشّعر قديما وحديثا أعمق دلالة علي أيّ إبداعيّة من غيره من فنون القول الأدبي . في ضوء هذه الأفكار الأساسيّة تنبني رؤية المنّاعي إلي النّصّ الإبداعي وقد توخّي في بقيّة الفصول إحكام صلة الشّاعر بكتابته وبوجوده في تعرّضه لـ ” خطط الخطاب وصور المعني ” و ” التّكسّب ورعاية الشّعر في التّراث العربي ” حيث تتبّع مسارات المدح والتّكسّب عبر العصور العربيّة منبّها إلي أثر المال في حدوث الشّعر وتنوّعه فاحتراف الشّعر قد يدفع الشّاعر إلي صهر ذاتيّته والإجادة في القول وشحذ الأدوات الفنّيّة . كما تعرّض ، في سبيل إثارة قضايا الإنشائيّة إلي نماذج من شعر القدامي مثل الشّنفري وعنترة والمتنبّي ، مؤكّدا علي منابع الشّعريّة في شعرهم ومعرّفا بالوصف ووظائفه في الشّعر العربي ومنتهيا إلي إثارة ” شعريّة السّواد في كافوريّات المتنبّي ” وهي مقاربة طريفة وقف فيها علي سرّ من أسرار الصّناعة لدي المتنبّي الذي وظّف اللّون الأسود في عناصر قصيدته إلي درجة اعتباره ثابتا بنائيّا في جماليّتها . وانتهت قراءات المنّاعي إلي نتائج هامّة من أبرزها خضوع الشّعر العربي إلي سمة ” التّمثيل المائي ” فهي أصل الإبداع ومتأصّلة في المخيال العربي ثمّ إنّه يدحض القول بتكراريّة الظّواهر التّصويريّة أو الجماليّة في الشّعر العربي فما اختلاف الصّور علي المعني الشّعري الواحد إلاّ بيان عن شواغل الشّاعر الذّاتيّة وانفتاحه علي هواجس معاصريه . كما أنّ سنّة المكافأة في الشّعر العربي كانت لها أفضال كبيرة علي الشّعر العربي.إنّ كتاب المنّاعي بقدر ما يعلن عن التّوجّه الإنشائي فإنّه يتخيّر استدعاء كلّ الأبعاد البنيويّة والتركيبيّة والتّتغيميّة والدّلاليّة التي من شأنها أن تكشف جماليّة الشّعر العربي القديم فتنير بعضا من خباياه وتعلن في الآن نفسه عن إمكانات قراءات أخري تتولّي بدورها فعل الكشف والإثراء . كاتب من تونس0