فضائيات الطوائف تنشر الفوضي في العراق
يحيي اليحياويفضائيات الطوائف تنشر الفوضي في العراقلم يمض زمن طويل علي احتلال العراق حتي تفرخت الأحزاب والجمعيات والنوادي كالفطير وانتشرت الجرائد والمجلات كالنار بالهشيم، وأضحي من النادر حقا العثور علي جهة أو حزب أو تنظيم لا يتوفر علي منبر مكتوب يمرر عبره لأفكاره ، ويروج من خلاله لمشروعه ومشروعيته ، ينشر به ما يبدو له صالحا للبلاد والعباد ويضع عبره بالفضاء العام تصوره لحاضر العراق ومستقبله. ولم يمض علي ذات الاحتلال زمن طويل أيضا حتي بدأت الفضائيات تنتشر من بين ظهراني هذه الجهة كما من بين أحضان تلك مستوظفة جل ما وفرته تكنولوجيا والفضائيات الاتصالات من سبل في الارسال والتغطية والبث.يبدو الأمر، في الحالتين معا، كما لو ان المنابر تلك والفضائيات هاته كانت جاهزة وبرامجها معدة ولم تكن تنتظر إلا ساعة الصفر (ساعة سقوط البلاد تحت الاحتلال أعني) لتطلق العنان لما تفتق عن مخيلة أصحابها ممولين وأطقم اعلامية ومحللين ومراسلين وما سواهم.ولئن كانت تسميات بعضها تشي بجهة الهوية (كما هو حال العراقية أو البغدادية أو الفرات أو السومرية أو غيرها)، فإن بعضها الآخر يحيل علي فضاء الانتماء (كحال الشرقية و الفيحاء و الديار وغيرها) في حين يعلن البعض الآخر علنا وجهارة الخاصية القومية الثاوية خلفه كما هو حال فضائيات كردستان ( صلاح الدين و كوردسات أو زاكروس وغيرها).وعلي هذا الأساس، فلو كان ثمة من سبيل لتمييز فضائيات العراق الجديد لميزناها علي خلفية جهة الانتماء والصفة الهوياتية التي تطبعها وتطبع أداءها بالجملة والتفصيل:محطات تعمل بالاشارة فالطائفتان الكبيرتان بالعراق (المحكومتان بمرجعيتهما الدينية والسياسية) تديران الفضائيات الكبري ( العراقية و الشرقية و البغدادية وغيرها) مباشرة أو بالإيحاء لئلا تبدو الفضائيات إياها ولكأنها ناطق باسم هذه الجهة أو تلك.ـ وحزبا كردستان العراق خلقا لنفسيهما (من قبل الاحتلال ومن بعده) فضائيات تدور في فلكهما تمويلا وتصورا وأفكارا و مشاريع مستقبل …إذ للديمقراطي الكردستاني قناتان تبثان من صلاح الدين وللوطني الكردستاني ثلاث محطات تبث من السليمانية… كليا أو جزئيا باللغة الكردية. ـ في حين أنشأت باقي الأقليات (المسيحية من كلدان وسريان وآشوريين) فضائية خاصة بها (فضائية عشتار ) تبث لذات الطائفة، من عينكاوة بضاحية صلاح الدين، برامج ونشرات بالعربية والكردية والسريانية مع تغليب هذه اللغة أو تلك حسب المقام وكلما استدعي الأمر ذلك.قد لا يكون من الانصاف حقا المزايدة علي هذه الجهة أو تلك حقها في إنشاء محطات فضائية تبرز من خلالها تميزها واختلافها وتطلعها للتواصل بلغتها دونما قسر أو إكراه.وقد يكون من الضيم حقيقة التجاوز علي حقها في التواصل مع أبناء طينتها بعدما كان ذلك، من ذي قبل، متعذرا أو صعب المنال أو ممنوعا لهذا الاعتبار أو ذاك.لكن الذي يثير الحسرة حقا ويدفع للقلق فضلا عن ذلك وللتقزز فوق كل هذا وذاك، إنما الخلفية الطائفية الصارخة الثاوية خلف انشاء هذه الفضائية أو تلك أو المضمرة لها ببرامجها أو المبطنة لها عبر هذا الخبر أو ذاك التعليق.والواقع ان الطبيعة الطائفية التي تكون الخيط الناظم لجل فضائيات العراق الجديد فضلا عن كونها تشي بتنوع العراق (مذاهب وأعراق وثقافات وتيارات فكرية وغيرها)، فهي تشي أيضا (وان كان ما سبق عامل قوة وتعايش قويين) بهشاشة المنظومة وتعذر ضمان وحدتها ما دامت الطائفية هنا هي مكمن تمايز عوض ان تكون عنصر تميز.قد لا يكون المحك هنا نطق هذه الفضائية أو تلك بهذه اللغة أو اللهجة أو ما سواها، لكن المحك إنما يتراءي لنا في دفع كل منها بتمايز هذه الطائفة عن تلك لدرجة التحامل والرشق والتقديح والدفع بشتي سبل الممانعة و استحالة العيش المشترك .تجذير الطائفية والواقع أيضا ان الفضائيات إياها لم تأت تعبيرا عن حاجة اعلامية ضاغطة من هذه الطائفة أو تلك، بقدر ما أتت لاستنبات نعرة الطائفية بين أبناء العراق وجعلها عنصر ممانعة من بين ظهراني الوطن الواحد في أفق ما تؤسس له نخب العراق الجديد من تقسيم للعراق وتقزيم له وخلق دويلات طائفية من بين أضلعه علي خلفية من اعتبارات قساوة الماضي أو نزولا عند رغبات أجنبي يبين الحق في حين أنه يبطن الباطل والنخب إياها مسايرة له. لم يكن للشك ان ينتابنا في نظرتنا لهذه المحطات لو كانت تنشد (وينشد القائمون خلفها) التميز داخل الوحدة والتوحد بصلب الاختلاف والتباين من بين ظهراني التنوع… لم يكن لتنتابنا ذرة منه، لكن القائم بالمقابل حقيقة، إنما الدفع بذات المحطات لتكريس واقع (واقع التقسيم) هو في ذهن النخب الجديدة أمر بينها وبين إدراكه بعض من الوقت وتحين للظروف ليس إلا. قد لا يقتصر الأمر في ذلك علي التطلع، بقدر ما يطاول أيضا تعامل المحطات إياها مع واقع الحال القائم: ـ فهي لا تتعامل مع التواجد الأنكلو ـ أمريكي علي كونه احتلالا، بقدر ما تنظر إليه كعنصر تحرير أفسح لأبناء العراق سبل الخلاص من الاستبداد وفتح لهم في الآفاق في التعبير والتفكير وتقرير المصير. ـ وهي لا تتعامل مع المقاومة العراقية في كونها مقاومة تتغيأ تخليص البلد من الاحتلال، بل في كونها مجموعة ارهابيين ومتمردين ولصوص وما سوي ذلك. ـ وهي لا تتعامل مع العراق ككينونة تاريخية من الواجب صون حاضرها ومستقبلها، بقدر ما تتراءي لها ذات الكينونة عنصر تمنع بجهة تكريس تصوراتها وتصورات المحتل من بين ظهرانيها. هي محطات لا تعكس الاصطفاف الطائفي السائد بالعراق الجديد وتنشده فحسب، بل تذهب لدرجة تأجيجه والدفع به إلي أقصي مدي ممكن. وعلي هذا الأساس، فإذا كان من المسلم به اليوم ان ذات المحطات إنما هي نموذج الفلتان الاعلامي الذي يطاول العراق منذ التاسع من نيسان/أبريل 2003 (هل خضعت محطة ما لدفتر تحملات مثلا؟) ، فإنه من المسلم به أيضا انها لا تخرج عن كونها عبارة عن دكاكين اعلامية سرعان ما ستندثر تباعا عندما تنتصر المقاومة وتضطر المحطات إياها للهرب للخارج تماما كالذين جاؤوا بها أو ثووا خلفها. باحث واكاديمي من المغرب