الخيال العلمي ومحاولة قراءة الراهن في رواية مجرد حلم
فانتازيا للراهن العربي انطلاقا من مشكلة السلطة وما يرتبط بها من خرق للديمقراطية وحقوق الإنسانالحاكم العربي يتمتع بنفس الخصائص في أي زمان ومكان ليغدو أسطورة متجاوزة للزمان والمكانالخيال العلمي ومحاولة قراءة الراهن في رواية مجرد حلم بوشعيب الساوري قلّما اعتدنا أن نقرأ في أدبنا العربي الحديث والمعاصر بصفة عامة، والمغربي بصفة خاصة، رواية من نوع الخيال العلمي Science Fiction ، ويمكن القول إن رواية مجرد حلمہہہ من النصوص القليلة في هذا الاتجاه الروائي المزدهر في الغرب.أردت أن أشير إلي هذا الأمر لأُشيد بانفتاح الكاتب المغربي عبد الرحيم بهير علي هذا النوع من الكتابة الروائية النادرة في أدبنا المغربي.وقبل أن أدخل إلي الرواية لا بأس من تقديم تصور عام عن روايـــة الخيال العلمي، سأجعله مدخلا لقراءة هذه الرواية.1 ـ خصائص رواية الخيال العلمي يمكننا أن نعرِّف الخيال العلمي بأنه الانتقال عبر آفاق الزمن، علي أجنحة الحلم المشبعة بالمكتسبات والتطورات العلمية، فهو ذلك الفرع من الأدب الروائي الذي يعالج بطريقة خيالية تفاعل الإنسان مع كل تقدم في العلوم والتكنولوجيا. ويُعد نوعاً من قصص المغامرات، إلا أن أحداثه تدور عادة في المستقبل البعيد أو علي كواكب غير كوكب الأرض، وفيه تجسيد لتأملات الإنسان في احتمالات وجود حياة أخري في الأجرام السماوية، كما يصوِّر ما يمكن أن يُتوقع من أساليب حياة علي وجه كوكبنا هذا، بعد تقدُّم بالغ في مستوي العلوم والتكنولوجيا. ولهذا النوع من الأدب القدرة علي أن يكون قناعاً للهجاء السياسي من ناحية، وللتأمل في أسرار الحياة والإلهيات من ناحية أخري. ليس من الضروري أن تدور أحداثه علي كواكب غير الأرض، بل يمكن أن تدور علي الأرض نفسها. كما أن قدرته ليست مقصورة علي أن تكون قناعاً للهجاء السياسي وللتأمُّل في أسرار الحياة والإلهيات فحسب، بل يمكن أن توظف لأغراض أخري كالتأمل في المجتمع ومشاكله ورصد مفارقاته، كما هي حال الرواية التي نحن بصددها. وقد يتنبَّأ بأحداث أو مواقــــف أو مجتمعات محتملة في الحاضر أو المستـــقبل، في الأرض براً وبحراً وجوّاً، وفي الفضاء الخارجي، انطلاقاً من حقائق معروفة في الحاضر. فحــــين يبقي الخيال في حدود الممكن عقلياً لا تخرج القصة عن الواقعية، لأن وظـــيفة الخـــيال بالدرجة المتوسطة هي النظر إلي الحاضر المجهول والمستقبل القريب والبعيد من أجل توسيع الإدراك الحالي للقارئ.4 ولا يتعلق الأمر باستيهامات فانطازية حالمة.كما تندرج روايات الخيال العلمي في حقل الأدب لأن غايتها الأولي هي الإمتاع وليست علماً غايته المعرفة، ذلك أن كاتب هذه القصص لا يُقدِّم لمتلقيه كتاباً علمياً أو يوضح له نظريات علمية بغية تنمية معارفه، بل يقدم له رواية بقصد إمتاعه، ومن خلال هذا الإمتاع يُزودّه بمعارف علمية ونظرية بسيطة لا تغرق في التفاصيل العلمية التي قد تؤدي إلي ملل القارئ.أما اللغة المستعملة في السرد والحوار فتـتسم في قصص الخيال العلمي خاصة بالسمة العلمية، سواء أكان المراد هنا الألفاظ أم التراكيب أم المصطلحات. وهذه اللـــغة تكاد تتـــصف بالتشابه والتكرار من أجل ذلك.5 وقد تتصف بالغرابة إنْ لم يكن القارئ يملك زاداً معرفيا منها، أو لم يكن المؤلِّف قادراً علي توضيحها من خلال السياق. التنبؤ بالمستقبل: غالبا ما يَطرُق كُتّاب روايات الخيال العلمي أبواب المستقبل بتنبؤاتهم دون زمن محدد فهو نظرة واسعة علي العالم، يتداخل فيها خيال الكاتب مع الحقائق والنظريات العلمية الموجودة والمحتملة. ترسم أحداثا تقع في المستقبل، أو في الماضي، تثير وتذهل القارئ. وذلك انطلاقاً من بعض التنبؤات التي يفترض العلماء حدوثها في المستقبل. فالتنبــــؤ مثلا بما سيصير إليه الطقس العام لكوكب الأرض لأيام قادمـــة ليس رجماً بالغيب، بل ينبع من علوم لها أصولها وتطبيقاتها وحساباتها ومعادلاتها.6 لا يتعلق الأمر إلا باحتمالات، لكن بواسطتها يغدو التخييلي مرئيا. الرحلة الخيالية: مهما يكن الأمر فإن قصص الخيال العلمي حريصة دائماً علي الرحلة الخيالية، سواء أكان الحاضر زمناً لهذه الرحلة إلي العوالم المجهولة في الأرض والفضاء، أم كان المستقبل القريب أم البعيد زمناً لها. وهذا الحرص علي الرحلة الخيالية يُعلي دائماً من شأن المكان في قصص الخيال العلمي، ويكاد يجعله بطلاً متمتِّعاً بالغرابة والبعد عن المألوف.2 ـ اشتغال الخيال العلمي في رواية مجرد حلم يميز فرويد في الأحلام بين نوعين؛ نوع مرتبط باللاشعور ويتجسد في تلك الأحلام المبهمة التي تحقق رغبة مكبوتة، تعود إلي تجربة ماضية مرتبطة بالطفولة، ونوع له علاقة مباشرة بمشاغل اليومي. تندرج أحلام هذه الرواية ضمن النوع الثاني، إذ تم دمج المشاغل اليومية للسارد في الخيال العلمي، وتم اتخاذ الحلم مطية انتقل عبرها السارد من كوابيس واقعه إلي واقع معادل له في الماضي والمستقبل. فاضطلع الحلم بوظيفة الربط بين واقع السارد المليء بالخيبات وآخر افتراضي بمثابة مرآة عاكسة له.بفعل انشغال السارد بالشأن العربي الراهن وما راكمه من خيبات بدأت تتسلل إلي أحلامه مجموعة من الكوابيس، تقول إحدي الشخصيات مخاطبة السارد: دماغك حاول استرجاع التاريخ كما قرأته في محاولة لتبرير وضعية اندمجت فيها، ربما تعاني منها لأنها أصبحت شغلك ومهمتك… (ص109 ) والأحلام الثلاثة التي تؤسس الرواية صورة من تلك الكوابيس التي يعيشها السارد، تقول زوجته مخاطبة إياه: حفظت تفاصيل أحلامك المملة عن السياسة. (ص 156) في أحد هذه الكوابيس يري السارد أنه أصبح قبطانا في سفينة فضائية موجهة من الكوكب الأخضر (الذي اكتشفه الإنسان بعد أن دمر الأرض وأصبحت فيها الحياة مستحيلة وانتقل إليه سنة 2492م وتخلي عن شروره وأصبح يعيش في أمن وسلام) نحو الأرض بعد أن تكونت لدي الإنسان إرادة إعادة الحياة إلي الأرض وإنقاذها وتنقيتها من التلوث (ص133) وإعادة إعمارها، فكان السارد ضمن الوفد المبعوث إلي الأرض سنة 3230 من أجل تحقيق ذلك الهدف. ولقد بقي حاكم وحيد علي الأرض متمسكا بها لقرون رافضا إصلاح ما تم تخريبه، عرف بجبروته وبطشه، يحاول السارد ومن معه من الوفد التفاوض مع ذلك المستبد فيجد السارد نفسه أمام مجتمع تسوده العبودية لرجل واحد (ص 148)، فينزاح السارد عن المهمة التي كانت موكولة إليه ويحاول دفع الناس إلي الثورة ضد ذلك الرئيس المستبد (ص .143ـ 146 )، لكنه فشل إلا مع التلاميذ الذين استجابوا لدعوته (ص 152)، وبذلك خرق المحذور فأدانه الرئيس وأمر بقتله، لكن السارد كان يحمل معه قنبلة علي شكل قلم ستدمر كل شيء بما في ذلك نفسه(ص154) يزاوج السارد، في هذا الحلم، بين المشاهد الحوارية والوصفية من خلال هذه الرحلة التي تتم من الكوكب الجديد إلي الأرض. ويؤدي الوصف هنا وظيفتين: يرصد التباين بين الكوكب الجديد والأرض، ويصف المتغيرات التي يمكن أن تحدث في هذا الكوكب في ارتباط بطريقة الحكم، وكذلك بلامبالاة الإنسان وأنانيته.والسارد وهو متوجه إلي الأرض في رحلته تلك وفي غفوة يري حُلمين: الأول، يعود به إلي الوراء يقول ملخصا ذلك الحلم: ولكن الغريب أنني حلُمت في البداية بأنني أرعي إبلا في الصحراء، ثم أصبحت أميرا علي واحة كبيرة… النساء والجمال والسلطة إلخ…في العصور الأولي أي حوالي القرن السابع أو الثامن أو التاسع… لست أدري وربما قرونا طويلة حيث رأيتني أحصل علي محلول سحري أطال عمري أنا وسيافي أو حارسي الشخصي. (ص 159) يتم السرد بضمير المتكلم والذي يجسد ثقة زائدة في الذات وتضخم الأنا يتجلي ذلك في سلطة السارد، وسلطة الخليفة وتجبره وتلذذه بالحكم، كما تتخلله مشاهد وصفية للأجواء المحيطة بالحكم من قصر وحريم وبروتوكولات.الثاني؛ يري نفسه صحافيا يجري حوارا تلفزيونيا مع حاكم عربي يقول: فلقد رأيتني في تلك (المنامة) أو الكابوس… أتحول إلي صحفي يجري حوارا تلفزيا في نهاية القرن العشرين. (ص109). هيمن علي هـــذا الحلم الحوار والأسلوب الحجاجي إذ عمل السارد علي إرباك الرئيس المحاوَر وإحراجه، علي شكل أسئلة مسنودة إلي أدلة دامغة وحجج، وسعي الرئيس إلي إبطالها، في صيغة حوار سقراطي قوامه التهكم والسخرية. إشارات عامةاعتمدت رواية مجرد حلم لغة شفافة بعيدة عن التلوينات البلاغية، لغة تحاول التقريب بين انشغالات السارد اليومية، والخيال العلمي، الذي اتخذته إطارا لمناقشتها، لكنها لا تغرق في التفاصيل والجزئيات العلمية الدقيقة، وإنما تكتفي بتقديم إشارات عامة خادمة للرؤيا الموجهة للكتابة، مثلا:ـ الزمن: تنطلق كوابيس وأحلام السارد من سنة 3230، يقول السارد: إننا نعيش في سنة 3230 ميلادية (ص112) وتعود بنا إلي الوراء إلي العهود الإسلامية الأولي ابتداء من زمن الردة، يقول السارد: ماتت أمي من فرط ألم ولادتي. لم أذق طعم حليبها الطاهر. أما أبي فقد هَلَكَ في حرب الردة التي لم أستوعب سِرَّها إلي اليوم. (ص6) ثم تقودنا إلي نهاية القرن العشرين.ـ خلود الحاكم العربي نتيجة الجمع بين مجموعة من الجينات لعدد من المستبدين الذين اجمعوا علي تكوين خلية واحدة مشتقة من خلية لكل واحد منهم، أي أن كل واحد ساهم بجينات محددة منه لإنتاج إنسان متكامل في نظرهم، وبوسائل علمية وبمساعدة باحثين أوجدوا نسخة آدمية أعطوها لسفيان، وزعموا أن أرواحهم الشريرة ستنتقل إلي جسده. (ص126) ـ تخريب الأرض، التحولات التي يمكن أن تحدث للعالم في المستقبل، كتدمير الأرض، يقول: انظر كيف تحولت إلي خراب. أنظر إلي آثار مدن هائلة والتي شغلت مساحات شاسعة. المحيطات تحولت إلي ركام من الملح، الغابات وما احتوته من أشجار وشجيرات ونباتات وأزهار تحولت إلي رماد. (ص126 )ـ الانتقال إلي كوكب جديد، يقول السارد: ما معني خروج الإنسان سليما من كوكب بعد أن دمره وقضي عليه بحروبه النووية؟ كيف تضافرت الأسباب والعوامل لينجو الإنسان من الهلاك؟ ثُم يهاجر إلي كوكب آخر؟ ما معني كل هذا؟ (ص 127)ـ الرحلة الخيالية، ففي الحلم الثاني هناك رحلة بدون قصد عبر الصحراء ستقود السارد إلي الحكم ومجد الكرسي ثم إلي الموت، وفي الحلم الثالث هناك رحلة من واحة عربية إلي أخري من أجل إجراء حوار تلفزيوني مع قائد واحة عربية في القرن العشرين، أما في الحلم الأول فهناك رحلة من كوكب جنة عدن إلي الأرض، بدأت الرحلة متعبة ولكنها رائعة لأننا كنا نطل عبر اللامتناهي، كنا نقطع مسافة خيالية. كل هذا بفضل ركوب الأشعة ما فوق الحمراء ، (ص.117ـ 118) تبعا للرؤيا الناظمة للرواية وهي تشخيص الراهن العربي، من خلال رصد مفارقاته انطلاقا من مشكلة الحكم، يتحرك السرد عبر رحلة خيالية إلي الوراء ثم إلي الأمام، معرجا علي الراهن العربي، فالحلم الثاني يعود بنا علي الماضي العربي، والحلم الثالث يركز علي الراهن العربي، والحلم الأول يستشرف المستقبل، محاولا الإجابة عن الأسئلة التالية: كيف كانت السلطة عندنا؟ وكيف هي الآن؟ وكيف ستكون في المستقبل؟ـ تمديد عمر الإنسان إلي عدة قرون بدون علامات الشيخوخة: من كان يتخيل أن البشر سيصير مثلي ومثلك؟ شبابا دائما بلا تجاعيد، ولا شيب أبيض ولا ضعف ولا أمراض وراثية، ولا غير وراثية… بل حياة تتعدي ثلاثة قرون بالحساب الأرضي العتيق مع نهاية سعيدة، وموت رائع ورحيم، لأنه مبرمج سلفا ومعروف تاريخه. (ص.112ـ 113).ـ القدرة علي متابعة ما يجري في ذهن الإنسان، يقول السارد علي لسان الربان جاد: عرفت انك تعاني من كابــــوس. أنبأني الجهاز فأضأت الشاشة لأتفرج علي بعض مشــــاهد من دماغك… (ص108)مما أبعد الرواية نسبياً عن الملل الذي قد يحدث نتيجة الإغراق في التفاصيل العلمية ومنحها جاذبية للقراءة.كما يتسم الخيال العلمي في الرواية بالتدرج، مع مراعاة الفترة التاريخية المتحدث عنها، فإذا كان في الحلم الثاني قد أشار إلي ترياق يطيل العمر وهو عبارة عن محلول أعشاب، فإنه في الحلم الثالث المرتبط بنهاية القرن العشرين، يتحدث عن الاستنساخ البشري، أما في الحلم الأول فهناك حضور مذهل للخيال العلمي، بتقديم بعض الاكتشافات العلمية التي تدخل في حدود الممكن، أهمها انتقال الناس إلي كوكب آخر بعد أن دمروا الأرض، يقول السارد: خرج المكتشفون يبحثون عن كوكب شبيه بالأرض، خارج النظام الشمسي إلي أن تم اكتشاف كوكب جنة عدن، حيث يعيش اليوم سعيدا وبعيدا عن الاستبداد والحكم الفردي والحروب العقائدية أو الحضارية… (ص .120ـ 121). نلاحظ أن عبد الرحيم بهير اتخذ الخيال العلمي دعامة خادمة للرؤيا الإبداعية البانية لروايته، وهي نقد الذات الجماعية وتشخيص الراهن العربي بخيباته وهزائمه المتواصلة. وبذلك تندرج روايته في مجال الهجاء السياسي الذي يُعد من أهم مقومات أدب الخيال العلمي، انطلاقا من مشكلة الحكم، تلك المشكلة التي لم يستطع العرب الحسم فيها طيلة أربعة عشر قرنا. كما كان هذا التأطير الاستشرافي للمستقبل فرصة لمناقشة بعض القضايا الراهنة كالحروب العقائدية، الإسلام السياسي، الحداثة، الديمقراطية، تلوث البيئة، وإثارة بعض الأسئلة المحرجة: هذه أزمتنا ومصيبتنا هل نرفض الحضارة الحديثة لمركب نقص فينا؟ أم لأننا لم نستطع مسايرة عصر التكنولوجيا؟ لماذا لا نبني بدل أن ندمر؟ لماذا لا نتطور كباقي خلق الله؟ ولماذا ولماذا؟ (ص 102).أدوار الخيال العلمييضطلع الخيال العلمي بعدة أدوار في الرواية:ـ أرضية لمناقشة بعض قضايا الراهن العربي، انطلاقا من الهزائم المتوالية للإنسان العربي، من خلال مشكلة السلطة والديمقراطية وحقوق الإنسان.ـ يقدم قراءة تشخيصية للحاضر بخيباته ومساوئه الواقعية والمحتملة بالعودة إلي الماضي واستشراف المستقبل. ـ تقديم نظرة حول شكل السلطة في الوطن العربي في المستقبل.ـ كما يسهم في بناء شخصية نمطية للحاكم العربي تتسم بالخلود والأبدية لا تتغير ولا تتبدل رغم تغير الزمان والمكان، ليغدو أسطورة.3 ـ من نقد الواقع إلي أسطورة الكرسيتدخل هذه الرواية ضمن تيار نقد الذات والسخرية منها، انطلاقاً من مشكلة السلطة وحساباتها وغوايتها والتمسك بها، ونقد بعض القيم التي تصاحبها والأقنعة التي تتلبس بها، يقول السارد في الحلم الثاني: رسمت فوق جبهتي أثر السجود وصبغت لحيتي بطلاء عجيب. فعلت كما أفعل في المناسبات الدينية عندما أتوجه للصلاة في المسجد. (ص41) وغياب حرية التعبير والتمسك بالسلطة في نبرة ساخرة يقول السارد: السياسة حرم خليفة المسلمين. فرددوا معي أكثر من مرة ثم أقسموا اليمين علي الالتزام بأوامري واحترامها وإشاعتها والدعاية لها لدي عامة المسلمين في كل مكان وفي أي زمان إلي أن يرث الأرض ومن عليها، لتظل السياسة محرمة علي عامة المسلمين (ص47) إنها نظرة ساخرة للتاريخ العربي بكل مساوئه السياسية وما شابه من صراع حول السلطة، تاريخ الاغتيالات، قراءة في التاريخ العربي قديمه ومعاصره بتقديم نماذج من التاريخ العربي كملوك الطوائف، هارون الرشيد. والإشارة إلي بعض التناقضات التي يعيشها الإنسان العربي، يقول الحاكم العربي المستبد المحاوَر في الحلم الثالث من الرواية: الثورة من صلب الشعب، كل أفراد الشعب. لذا يجب أن نجد مصطلحا يفيد بأن الحكم هو للشعب. أي الشعب سيد نفسه (ص76) ويقول كذلك: لا أريد هذه اللغة الأعجمية وهي لا تفيدنا بشيء ونحن شعب لا يؤمن بهذه الديمقراطية الغربية . (ص76) ويقول مرة أخري معبرا عن موقفه من الديمقراطية: كيف نؤمن بالديمقراطية؟ إنها مصطلح غربي كافر ولا يقبله الإسلام وهو أجوف لا معني له (ص6) تحاول الرواية، إذن، رصد مفارقات السلطة وتبعاتها في التاريخ العربي، وبعض المواقف المتحجرة من الديمقراطية وغيرها.إنها صور فانتازيا للراهن العربي انطلاقا من مشكلة السلطة وما يرتبط بها من خرق للديمقراطية وحقوق الإنسان.تحاول الرواية تأكيد أمر مهم وهو أن مشكلة السلطة وطريقة الحكم لن تتغير لدي العرب وستظل علي حالها في المستقبل علي الرغم من كل التحولات التي يمكن أن تحدث في العالم. وكأن الأمر يتعلق بقصة واحدة تتكرر عبر الزمن في الماضي والحاضر والمستقبل. وتتجلي صور ذلك في التمسك بالكرسي رغم كل الظروف، يقول السارد في الحلم الأول:”لأنه خائف من ثورة ضده وأكثر من هذا وذاك أنه يعتبر نفسه غير عادي، ويجب أن يظل الوضع علي حاله، الناس هائمون، تائهون، صم، بكم لا يقشعون…واجبهم الطاعة والعبادة ويمكث هو علي كرسي الحكم والاستبداد إلي ما لا نهاية . (ص 125) ليغدو الأمر بمثابة أسطورة.يُسهم الحلم في تداخل الخيال والواقع فيعكسه، ويغدو الأول صورة ممكنة للثاني تُقدم أزماته وصيرورته الدرامية المعقدة، في قالب افتراضي، توجهه نزعة تشاؤمية من الراهن العربي، علي شكل تنبؤ بالصورة التي سيكون عليها الحكم في العالم العربي. ويحضر الواقع بقوة من خلال القضايا المطروحة للنقاش في الحلمي والواقع الافتراضي الذي يخلقه الخيال العلمي. يقول السارد بعد استيقاظه من كوابيسه:”ضغطت علي زر التحكم عن بعد. أضاءت شاشة التلفزيون فلاحت ـ ربما بالصدفة ـ صورة رئيس جمهورية عربية وهو يلقي خطابه علي جوقة من البؤساء كما حصل في أحلامي الغريبة) . (ص 156)نلمس نوعا من التداخل بين سفيان في الحلم الثاني والرئيس الذي ذهب الصحافي إلي محاورته في الحلم الثالث وكذلك القائد الذي سيتفاوض معه السارد المبعوث ضمن وفد من الفضاء بشأن إنقاذ الأرض في الحلم الأول. فهم يحملون نفس الاسم، سفيان بن سفيان، ويتمتعون بنفس الخصائص. يقول السارد في الحلم الثالث: أخذت الصورة تتراءي لي من بعيد… كل ما في هذا القصر شاهدته وعشت فيه… ومسرور هو حارسي الشخصي وسيافي… هنا عشت قرونا طويلة… (ص 106). يوحي هذا التطابق في الأسماء سفيان بن سفيان بالتماهي بين الشخصيات وبأن الحاكم العربي يتمتع بنفس الخصائص في أي زمان ومكان. يظهر ذلك التماهي المرآوي من خلال ما يلي:ـ تماهي الرئيس والخليفة في الأحلام الثلاثة والتمتع بنفس الخصائص، مما يكرس خصائص أبدية للحكم في الوطن العربي. ـ تكرار نفس التعاملات والبرتوكولات التي تحيط بالرئيس والخليفة، في الماضي والحاضر والمستقبل.ـ الأجواء المحيطة بالحاكم تظل علي حالها: القصر، الأثاث، الجواري، الحرس، الحارس مسرور: هذا الرجل أعرفه… (ص130) كل ذلك يؤكد الاستمرارية والثبات، ثبات طريقة الحكم عند العرب علي الرغم من مرور قرون عديدة. يتعلق الأمر بأسطورة الحاكم العربي الكل يتغير حوله وهو لا يتغير يتمسك بكرسيه وبطقوسه في الماضي والحاضر والمستقبل.تبعا لهذه الرؤيا الحاكمة للرواية يبدو لي أن الخيال العلمي في رواية مجرد حلم هو إطار يقدم فيه الكاتب وجهة نظره من مشكلة الحكم والديمقرطية في عالمنا العربي.أسطورة الكرسيتبعا للرؤيا الناظمة للرواية يمكن أن نشير إلي أن الأمر يتجاوز النقد والانتقاد والرفض إلي خلق أسطورة وهي أسطورة الكرسي، انطلاقاً من العلاقة الحميمية التي تربط الحاكم العربي بالكرسي وتمسكه الجنوني به، ورفض التخلي عنه، في الأحلام الثلاثة، يقول الحاكم العربي: أنا هو الكرسي وهو أنا لا ولن نفترق أبدا…منه أستمد قوتي وجبروتي وشبابي وحيويتي، في هذا الكرسي كل سحري وجنوني، أنا سفيان بن قحطان الولهان بالكرسي، العاشق للسلطة، أنا قيس الكرسي… (ص 153) مما يكرس الثبات والخلود والأبدية، تقول إحدي جواري الحاكم سفيان بن سفيان: أنا لم أمت ولن أموت أبدا… أنا جارية مولاي الحاكم العربي، شربت علي يديه محلول إكسير الحياة…أنا مؤنسة مولاي، وصاحبته وحبيبته وجاريته ومطربته الخالدة… ( ص 146) كما أن المكان يظل كما هو بكل طقوسه وبروتوكولاته، يقول السارد: هذا المكان أعرفه. أرضيته من مرمر، أبوابه من ذهب، وفضة، أعمدة من ذهب سقوف من ذهب أحمر… (ص 130) فعلي الرغم من التحولات الكبيرة التي عرفها كوكب الأرض، وهجرة سكانه إلا أن الوضع في العالم العربي الذي يستعير له الكاتب اسم الواحة يظل علي حاله، يقول السارد علي لسان الحاكم العربي: اقرأ تاريخنا لن تجد حاكما عربيا تنازل عن الكرسي أبدا وأتحداك… (ص 135 ) علي الرغم من تغير نظام الحكـــــم في الكوكب الجديد، يقول: القانون هكذا عندنا… المجلس مكون من عدد من المسؤولين انتخبوا بطرق ديمقراطية ويعملون بلا مقابل. هدفهم المصلحة العامة للوطن (ص 132 ) فإن القائد ظل متمسكا بتقاليد الحكم المتوارثة. يؤكد ذلك تماهي الخليفة في الحلم الثاني مع الرئيس في نهاية القــرن العشرين ومع حاكم الواحة في القرن الميلادي الثالث والثلاثين. يوحي ذلك بأن الحاكم العربي يتمتع بنفس الخصائص في أي زمان ومكان، ليغدو أسطورة متجاوزة للزمان والمكان.تركيبتحقق رواية مجرد حلم مطلبين:أولهما؛ إمتاع القارئ عبر ثلاثة أحلام تُجاوِر بين الحاضر والماضي والمستقبل، وثانيهما، محاولة قراءة الراهن العربي انطلاقا من مشكلة التمسك بالسلطة والديمقراطية وحقوق الإنسان والتعايش بين الشعوب والحضارات وغيرها، بنبرة لا تخلو من سخرية. وبهذين المطلبين تنسجم الرواية مع روح رواية الخيال العلمي التي تراهن علي إمتاع القارئ وتشويقه مع اتخاذ موقف من بعض القضايا السياسية والظواهر الاجتماعية.ہ ألقيت هذه الورقة بندوة الخيال العلميفي الأدب العربي التي نظمها مختبر السرديات بكلية الآداب ابن مسيك الدار البيضاء،وذلك يوم 25 نيسان (ابريل) 2006.ہہ كاتب من المغربہہہ عبد الرحيم بهير، مجرد حلم، دار الثقافة، الدار البيضاء، 20047