ما زال قلبا العُجيلي والرقة ينبضان… فلنكف عن النحيب

حجم الخط
0

ما زال قلبا العُجيلي والرقة ينبضان… فلنكف عن النحيب

في أربعين الأديب الراحل عبد السلام العُجيلي:ما زال قلبا العُجيلي والرقة ينبضان… فلنكف عن النحيبالرقة ـ القدس العربي ـ من أنور بدر كعادتها عندما تتراجع وزارة الثقافة في التزاماتها تجاه المثقفين الأحياء منهم والأموات، تقدمت مديرية ثقافة الرقة لإحياء ذكري أربعين الراحل الأديب عبد السلام العًُجيلي، وقد كان الاحتفال كبيراً رغم بساطته، كبيراً بمحبة الجمهور الذي عرف العُجيلي وأحبه، وكبيراً بدلالاته التكريمية، كوفاء ولو بعد الغياب، وكبيرا بالمشاركين الذين قدموا من الرقة وسواها ليقولوا فيضاً من مشاعرهم النبيلة بهذه المناسبة. وعندما يجري الحديث عن المشاعر، فلن تكون أهمية القول بمقاله قدر ما هي أهمية الدلالة في السياق، لأن ما كتب من دراسات وأطروحات أكاديمية وكتب في أدب العُجيلي وسيرته، يفوق ما يمكن طرحه أو استيعابه في هذه المناسبة، التي استقطبتنا إلي الفرات نسأله عن الضفة التي رحلت فلا نسمع إلا أنينه. ونسأل الحيّ عن السامر فلا نحار جواباً. بدأ الحفل بتلاوة من الذكر الحكيم، ثم تحدث محافظ الرقة أحمد شحادة خليل عن حالنا وقد فقدنا فقيدنا الكبير الدكتور عبد السلام العُجيلي، وهو الذي دافع عن كرامة الوطن وحدوده وشرفه ومقدساته فتيً علي أرض فلسطين ويتابع الحديث عن علمه وأدبه وسلوكه في الحياة، وكلها مآثر تسجل للعُجيلي بعد أن غُيبت لأسباب أيديولوجية، ولكنه في النهاية لا يصح إلا الصحيح. الدكتور محمد قجة رئيس جمعية العاديات ذكر طرفاً من علاقته بالراحل وهو يتحدث باسم أصدقاء الفقيد، كما تحدث الدكتور حسين جمعة رئيس اتحاد الكتاب العرب بهذه المناسبة، مشيداً بمناقب الفقيد ووطنيته. إلا أنه استوقفتنا ملاحظتان، الأولي في حديث الدكتور الناقد نضال الصالح، حيث عقب ضمن معترضتين أن الراحل لم يكن عضواً في اتحاد الكتاب العرب، والثانية أوردها الأستاذ المهندس عبد العظيم العُجيلي وهو يتحدث باسم آل الفقيد مشيراً أنهم يؤبنون العُجيلي وفي ذلك مخالفة لوصيته أن لا يقام له تأبين رسمي، ولا تلقي الكلمات والخطب . وهذه الملاحظات تشي بموقف الأديب المثقف الوطني الذي ارتجل الفعل السياسي حين كان نائباً عن بلدته بعد أن تخرج طبيباً، وارتجل الفعل الوطني حين تطوع في جيش الإنقاذ عام 1948، بعد أن كان نائباً. لكن الحقبة الأيديولوجية التي لم ينتظم في إطارها أبعدته إلي الرقة أديباً وإلي أهلها طبيباً، فتألق فيما كتب كما تألق في مسيرته بين الناس، وهو ما أشارت إليه الشهادات التي قدمها الروائي نبيل سليمان ومدير ثقافة الرقة حمود الموسي والتي حاول الأستاذ الشاعر بسام بليبل أن ينظمها شعراً كلاسيكياً، فتحدثت تلك الشهادات عن أهمية العُجيلي في عالم الأدب والإبداع ومسيرته في عالم السياسة والرحلات، كما أشار بعضها إلي أخلاقه السمحة الكريمة وتواضعه الجم. توقف الروائي نبيل سليمان بعجالة مع روايات وقصص العُجيلي فقال: في الطريق إليك يا أبي ومعلمي رمتني (بنت الساحرة) بسحرها،فشُبّه لي أن الكواكب تصير نساءً: مارغوت تنشب من قصة (فتاة من زيورخ)، سالي ترفل بالغواية في قصتها، مارليت تلوب علي سرّ في قصة (الليل في كل مكان)، وفي قصة (الحب والأبعاد) تلألأت هندية بالعشق وغمغمت: هذا الفتي المدني الذي قالوا عنه إنه ذو ثروة ومكانة وأسفار طوال فحسبت أنها تعنيك، وإذا بباسمة تشرق بدموعها وتلوّح بروايتها، وندي تائهة بين المغمورين في روايتها، وشاهناز لائبة علي أرض السيّاد، بينما راحت نهاد وصفية تجدلان من شعرهما قلوباً علي الأسلاك. وأطاشتني الحيرة في أجملهنّ التي غمغمت مُدلة: أنا رواية عبد السلام العُجيلي الأخيرة . وفجأة شعّت بينهن نجمة تزغرد، كأنها تكتب قصة (كفن حمود)، فدوّم الفضاء بالزغاريد، وهتف هاتف: هذا عرس عبد السلام. أما الشاعر الدكتور أحمد الحافظ، فنثر بشعره مشاعر جميلة نقتطف منها: أيها الأصدقاء: وذات هزيع أخير… أعلن الفرات الرحيل… وامتطي العُجيلي غمامة الكلمة… أشرع الشراع وأبحر دون وداع، ودون وعدٍ بلقاء… كنا حوله… وكان الثراء والطرافة والحكمة كما كان العِبر. كان ذاكرةً للوطن… وكان ذاكرةً وطنيةً، عاش في الخضم ولم يعش علي الضفاف. كان يداعبنا مستعيناً بغُررِ الشعر العربي… الذي عشق وحفظ واستلهم… ليقدم لنا حكماً من درر. جاب الأصقاع شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً وجعل الرقة عاصمته ورفعها لتتبؤا مكانها حاضرة من حواضر الثقافة العربية بما مثله كواحدٍ من أهم البنائين لصرح الأدب الحكائي في الثقافة العربية… ومن ترحاله ترك لنا في أدب الرحلات ما يُغني حالة المثاقفة الحضارية مع تأكيد علي وعي الذات بقيمتها الثابتة. أيها الأصدقاء: إن كل عطايا الأرض إلي فناء إلا عطاء الموهبة فإلي بقاء… وإرث العُجيلي ماثل أمامنا. أيها الأصدقاء: أنصتوا… إن قلبيّ العُجيلي والرقة ما زالا ينبضان علي وقع موسيقي تمايل الزَلِ الفراتي ؟ وهو يداورُ الموج والريح. فلنكف عن النحيب واللوم والثناء. 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية