دور الاسلام الراديكالي في اسقاط مشروع بوش الامبراطوري

حجم الخط
0

دور الاسلام الراديكالي في اسقاط مشروع بوش الامبراطوري

د. عصام نعماندور الاسلام الراديكالي في اسقاط مشروع بوش الامبراطورييختلف العرب والمسلمون من جهة والرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش من جهة أخري علي توصيف سياسة كلٍ منهما للآخر. العرب والمسلمون عموما، لاسيما القوي الراديكالية في صفوفهم، يُطلقون علي سياسة ادارة بوش، من حربها علي الارهاب الي مشروع الشرق الأوسط الكبير، مصطلح المشروع الامبراطوري. بوش يُطلق علي مقاومة العرب والمسلمين، شعوباً ومنظماتٍ وقوي حية معادية لسياسته وسلوكيته، مصطلح الاسلام الراديكالي. المصطلحان غير دقيقين، لكن مدلولهما صريح وواضح. انه العداء السافر المتحوّل صِداماً مكشوفاً ومتصاعدا بينهما علي مدي العالم كله.في الصراع المحموم الدائر بين الطرفين، هل من سبيل الي وقف حرب أمريكا وحليفتها اسرائيل علي العرب والمسلمين في فلسطين والعراق وأفغانستان، وتفادي حربها المحتملة ضد ايران؟ثمة سياسيون وباحثون ومراقبون في أمريكا والعالم يعتقدون بأن لا مناص من استمرار الحرب حيث هي مستعرة، ومن اندلاعها ضد ايران وغيرها في المستقبل المنظور لأسباب اقتصادية وايديولوجية وأمنية وسياسية ضاغطة. في المقابل، ثمة سياسيون وباحثون ومراقبون في الداخل الأمريكي كما في خارجه يستبعدون استمرار الحرب الراهنة وتصاعدها لأسباب اقتصادية وسياسية ضاغطة أيضا. يشير هؤلاء الي حرب فيتنام قبل أكثر من خمسين عاماً التي تعاقب ثلاثةُ رؤساء أمريكيين علي تعهدها وادارتها، ومع ذلك اضطرت أمريكا أخيراً الي انهائها من دون أن تتمكن من تحقيق أغراضها.الحقيقة ان قدرات الشعوب وقواها الحية علي هزيمة المشروع الامبراطوري الأمريكي متوافرة، والاستفادة من تجارب الماضي القريب والبعيد ممكنة ومتاحة.من مراجعة هذه التجارب يستبين للسياسي والباحث والمراقب الحصيف ان احباط مخطط أو سياسة أو مشروع أمريكي معين يصبح ممكنا بعدما تنتقل آثاره وأعباؤه السلبية الي الداخل الأمريكي، فتحفّز قوي الداخل علي مساءلة الادارة الأمريكية ومحاسبتها ومن ثم مناهضتها في حال عدم تجاوبها مع مطالبها الملّحة. أليس هذا ما حدث بالفعل خلال مسار حرب أمريكا في فيتنام، وأدي تاليا الي انسحابها الاضطراري منها؟ما القضايا والتحديات، القائمة والمحتملة، التي من شأن تأجيج وقعها وفعاليتها انتقال آثارها وأعبائها الي الداخل الأمريكي، والاسهام في تفعيل مناهضته لادارة بوش؟ثمة اجماع أو ما يقارب الاجماع في صفوف الباحثين والمراقبين علي أن قضيتين راهنتين ساخنتين وثالثة متزايدة التأثير تسهم بقوة في زعزعة ثقة الرأي العام الأمريكي بادارة بوش وقد تفضي الي نزع ثقة الناخبين الأمريكيين من مرشحي الحزب الجمهوري الحاكم في الانتخابات النصفية مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل.أولي القضايا الساخنة تعثّر حرب أمريكا في العراق وتماديها وبهاظة تكلفتها البشرية والمادية وانسداد أفقها. يقول دانيال ينكلوفيتش، رئيس مجلس ادارة مؤسسة بابليك أجندة للأبحاث والاستطلاع في مقالته المنشورة في مجلة فورن افيرز الأمريكية النافذة (عدد اذار/مارس ـ حزيران/يونيو 2006) ان الرأي العام الأمريكي بات، وفق آخر استطلاع للرأي أجرته مؤسسته خلال شهر كانون الثاني (يناير) الماضي، اقل ثقة بقدرة واشنطن علي انجاز أهدافها في العراق وأفغانستان، والقبض علي الارهابيين، وحماية حدود الولايات المتحدة، والمحافظة علي وظائف الأمريكيين، وأن تسعاً وخمسين في المئة من أولئك الذين جري استطلاع رأيهم قالوا انهم يعتقدون بأن علاقات الولايات المتحدة مع بقية دول العالم هي علي المسار الخطأ. اما توماس فريدمان، المعلّق المعروف في صحيفة نيويورك تايمز (عدد 2006/5/18) فقد أكدّ ان آخر استطلاعات الرأي كشفت أن نسبة مؤيدي بوش بين الأمريكيين هبطت الي 29 في المئة فقط. ولعل سخط الأمريكيين علي بوش مردّه الي اخفاقه المدوّي في العراق حيث اقترب عدد الجنود النظاميين القتلي من عتبة الـ 300 قتيل. وقد وفّر العالم الاقتصادي المعروف الفائز بجائزة نوبل جوزف ستيغلتز أرقاما مزعجة لعدد الجرحي والمتقاعدين المحتاجين الي معالجة طبية، وأخري مذهلة لحجم خسائر الاقتصاد الأمريكي بسبب الحرب. ففي مقابلة معه ظهرت في شبيغل اون لاين بتاريخ 2006/4/5 أكد ستيغليتز ان عدد الجرحي المصابين بجروح بالغة بعضها في الرأس والدماغ تجاوز الـ 17000 جريح، وان عدد الجرحي المصابين بجروح اقل خطورة انما تستوجب المعالجة بلغت، باعتراف ادارة بوش ذاتها في شهر حزيران/ يونيو من العام الماضي نحو 103000 جريح، وان تكلفة الرعاية الطبية لكل منهم تقارب الأربعة ملايين دولار ما يرفع التكلفة الاجمالية للرعاية الطبية المتوجبة لهذه المجموعة الكبيرة الي نحو 35 مليار دولار. أما التكلفة الاجمالية للحرب بكل أفرعتها البشرية والمالية والاقتصادية وما يتعلق منها بصيانة المعدات العسكرية أو تجديدها فانها تقارب في تقديره 2 تريليون ( ألف مليار) دولار!ثانية القضايا الساخنة تصاعدُ أسعار النفط الي عتبة الـ 70 دولاراً للبرميل وانعكاس ذلك علي معيشة الأمريكيين وقلقهم المتزايد من أخطار اعتماد الولايات المتحدة علي استيراد النفط من الخارج. ويقول ينكلوفيتش في مقالته المشار اليها آنفا ان تسعة من اصل كل عشرة أمريكيين جري استطلاع رأيهم أعربوا عن قلقهم من هذه المشكلة ووضعوها في رأس قائمة من 18 قضية يعتبرونها الأكثر مدعاة للقلق في البلاد، وان 90 في المئة من الأمريكيين يعتقدون بان افتقار بلادهم الي الاستقلال النفطي يعرّض أمنها للخطر.ثالثة القضايا الساخنة علاقات الولايات المتحدة مع بقية العالم، خصوصا مع البلـدان الاسلامية، حيث تسود حال من العداء والحقد والعنف. فالولايات المتحدة منخرطة في حرب ضروس مع منظمات الاسلام الراديكالي، بشتي تلاوينها، في العراق وأفغانستان. وهي ضالعة بلا تردد في دعم اسرائيل بالمال والسلاح ضد الشعب الفلسطيني ومنظماته المقاومة. وهي متهمة بأنها محرضة لحكومات قمعية في عدة دول اسلامية ضد شعوبها الأمر الذي تسبّب في اندلاع حروب أهلية في أفغانستان والصومال والعراق وباكستان واندونيسيا والفلبين والسودان والتشاد والجزائر وغيرها. ويقول ينكلوفيتش في مقالته أن نسبة الأمريكيين الذين يشعرون بقلـق شديد جراء الحقد علي الولايات المتحدة في البلدان الاسلامية قد بلغت في استطلاع شهر حزيران/يونيو من العام الماضي 40 في المئة، وان هذه النسبة انخفضت الي 34 في المئة في الاستطلاع المُجري خلال شهر كانون الثاني/ يناير الماضي، ربما بسبب انحسار أخبار تعذيب المساجين العراقيين وامتهانهم في سجن أبو غريب التي بلغت ذروتها في العام الماضي. ومع ذلك، فان ما من شيء، في رأي ينكلوفيتش، يضمن استمرار انخفاض نسبة العداء لأمريكا في العالم الاسلامي حيث حمّل الأمريكيون نسبة عالية (64 في المئة) حكومتهم مسؤولية الاخفاق في اقامة علاقات طيبة مع الشعوب الاسلامية، علماً أن نسبة ملحوظة (33 في المئة) قالوا ان الأفعال والتصرفات الأمريكية مسؤولة عن صعود التطرف الاسلامي في شتي أنحاء العالم.هذه القضايا الساخنة وغيرها ستترك أثراً سلبياً في نفوس الأمريكيين تجاه ادارة بوش والحزب الجمهوري الحاكم. واللافت أن ينكلوفيتش رصد في استطلاعه الأخير صعود نسبة الساخطين علي ادارة بوش في صفوف المتدينين والمواظبين علي حضور المناسبات الدينية. ففي الاستطلاع الذي أجراه في حزيران/يونيو من العام الماضي أبدي 45 في المئة من المتدينين قلقلهم من تزايد القتلي الأمريكيين في العراق. أما في الاستطلاع الأخير (يناير 2006) فقد ارتفعت نسبة هؤلاء الي 56 في المئة. والجدير بالذكر ان بوش كان حظي بنسبة مئوية عالية من أصوات المتدينين ضمنت له الفوز بولاية رئاسية ثانية. لهذه الأسباب ولغيرها يبدو ان الحزب الديمقراطي يتجه الي الفوز في الانتخابات النصفية مطلع شهر تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل. علماً انه لا يلزمه الاّ انتزاع 15 مقعداً ليكفل سيطرته علي مجلس النواب.ان فوز الديمقراطيين في الانتخابات لا يضمن بالضرورة عزوف واشنطن عن سلوك طريق العنف ضد الاسلام الراديكالي او صرف النظر عن ضرب منشآت ايران النووية. انه يعني، بالدرجة الأولي، شعور الشعب الأمريكي ببهاظة تكلفة الحرب، وبلا جدوي سياسات بوش في مجالات عدة، وعدم استعداده لتحمل المزيد من الخسائر البشرية والمادية في الحاضر والمستقبل. ولا شك في ان بوش وفريقه سيفهمون مغزي هذه الرسالة، والأرجح أنهم سيبنون بموجبها علي الشيء مقتضاه.بقي أن نشير الي ان التغيّر المتوقع في ادراك الشعب الأمريكي للمخاطر الناشئة عن القضايا الثلاث الساخنة وسلوكيته المغايرة تجاهها يتوقفان علي أداء الاسلام الراديكالي في الأشهر الخمسة القادمة. أليس هو الموجّه والمحرّك والعامل الرئيسي في كلٍ من الساحات الثلاث: المقاومة، والنفط، والعداء المتعاظم لأمريكا في العالم؟9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية