مصر: تراجع المشترك الثقافي وتآكل معني الوطن

حجم الخط
0

مصر: تراجع المشترك الثقافي وتآكل معني الوطن

د. أحمد ثابتمصر: تراجع المشترك الثقافي وتآكل معني الوطنهناك جوانب كثيرة يمكن النظر من خلالها إلي ما يحدث من عنف طائفي وتوتر مستمر علي أساس من هوية الدين أو المعتقد في مصر لا يمكن التقليل من شأن حوادثه الأليمة التي تزيد الاحتقان والعزلة بين أبناء الوطن الواحد مسلمين وأقباطا بحيث صار وعاء الانتماء أو الرابط هو المسجد أو الكنيسة. ولا يمكن أن نتنكر ولا نضع رؤوسنا في الرمال لما يحدث منذ عام 1971 حيث حوادث منطقة الخانكة وحتي الآن أي حوادث الاعتداء الإجرامي علي كنائس أربع بالإسكندرية، ومظهر ما يحدث وجوهر ما يحدث أساسا هو تراجع بل تقزم بل ضيق متزايد لمعني الوطن الذي يضم الجميع مسلمين وأقباطا علي أسس ثقافية مشتركة بالأساس وأهمها مبدأ المواطنة. وهنا يلاحظ حدوث تآكل متواصل فيما يجمع عنصري الوطن من مشتركات حياتية وثقافية ومن ذلك وحتي علي مستوي الرموز الكبري التاريخية مثل الأعياد الوطنية مثل يوم الجهاد في 13 تشرين الثاني (نوفمبر) 1919 بمناسبة ثورة 1919 وثورة 1919 نفسها متجسدة في قيم المساواة والتسامح وتآخي عنصري الوطن في مواجهة محاولات التفرقة الطائفية التي حرض عليها اللورد كرومر وغيره من المندوبين الساميين البريطانيين، ثم عيد ثورة تموز (يوليو) 1952. ومن أسباب تراجع أهمية هذه الأعياد كرموز وطنية مهما كان الخلاف حول تقييمها أن السياسة الرسمية وتصرفات الحكومة قد قللت من القيمة الرمزية لهذه الأعياد كمشترك وطني، ولا تخفي هنا خطورة دلالات بعض القرارات مثل زيارة الرئيس مبارك للندن عاصمة الدولة المحتلة السابقة لمصر بعد سنوات قليلة من توليه الحكم في نفس يوم 23 يوليو. ويلاحظ أن ذكري هذه الأعياد الوطنية وغيرها مثل عيد الجلاء ووفاء النيل تحولت بفعل سياسة الدولة والحكم الفردي الذي ما يزال يحمل رمزية الفرعون ليس من ناحية منجزاته كملك محارب وكمهندس وإنما فقط من ناحية كونه يملك سلطات وصلاحيات فردية مطلقة من أية محاسبة أو شفافية، وتحولت بفعل تآكل معني ورمزية الانتماء لوطن واحد إلي مجرد يوم إجازة للراحة من عناء العمل ومناسبة لزيارة الأقارب والأصدقاء!! إن الوطن كوعاء ثقافي جمعي مجرد يعلو علي الولاءات والانتماءات الأولية التقليدية مثل الدين والأسرة والعائلة هو بالأساس حصيلة تفاعل تراكمي لمشتركات تقاليد حياة مشتركة وأنماط تفكير وسلوك مشتركة حتي لو كانت سلبية أو معيبة، وهذه المشتركات تقوم أساسا علي انشغالات ثقافية حياتية تصهر الجميع لا تظهر في مصر إلا نادرا ومنذ عشرات السنين مثل البطولات العربية والإفريقية لكرة القدم أو مسابقات الدخول لكأس العالم التي تشترك فيها مصر أو بمناسبة تقدم مصر لاستضافة كأس العالم لعام 2010! ومع الغياب التام لأي مشروع وطني للنهضة أو التنمية أو التحول الديمقراطي بل مع تراجع الحكومة حتي عن خطط التنـــمية الخمسية التي توقفت عمليا عند عام 1965 وتمثلت شكلا في خطة 1982 ـ 1986 وانتهت كما تناست الحــــكومة مشروعاً سماه الرئيس مبارك مشروع ألف يـــوم لإصلاح الاقتصاد المصري أطلقه في بداية التسعينات، كان يمكن لمشروع علي نطاق أصغر مثل تحديث التعليم وتطوير البحث العلمي أو مشروع لمعاودة الريادة الثقافية لمصر في وطنها العربي أن يكون مشتــــركا ثقافيا يجمع عنصري الأمة.والواقع أن ما صار يجمع هذين العنصرين عمليا هو المعاناة المشتركة من الفساد الإداري والمالي والاقتصادي والسياسي وغلاء الأسعار ولهيب التضخم والمعاناة المشتركة من كوارث عامة مثل حريق مسرح بني سويف وكارثة غرق العبارة السلام 98 وكارثة إنفلونزا الطيور والحمي القلاعية وتسمم تلاميذ المدارس من التغذية والأمراض الناجمة عن المبيدات والهرمونات المسرطنة وتوابع تزوير استفتاء تعديل المادة 76 من الدستور وتزوير الانتخابات الرئاسية والتشريعية وتغول السلطة التنفيذية علي السلطة القضائية وتحويل قضاة شرفاء للتأديب لكشفهم هذا التزوير. ومن الواضح أن الحلول أو المبادرات المقدمة هنا من قبل حركات سياسية وأحزاب ومنظمات المجتمع المدني تكاد تسيطر عليها حالة تسييس عالية وشحن وانفعال وتوتر واحتقان مسيس بعيدا عن أي عمق ثقافي أو فني.من جانب آخر، نلاحظ أن الغالبية الساحقة من المعالجات والمبادرات التي تتم بغرض محاولة تطويق العنف الطائفي تتميز بأنها مؤقتة وموسمية تعتمد علي أسلوب تقليدي عفا عليه الزمن وهو مهرجانات الوحدة الوطنية أو موائد الوحـــدة الوطنية بمناسبة رمضان أو زيارات تطييب خاطر وكذلك لكسب نقطة من طرف علي حساب طرف آخر يشارك فيها الجميع حكومة ومعارضة حزب حاكم وأحزاب وجماعات سياسية معارضة. وبعضها يتم بقصد تسجيل مواقف أو إبراء الذمة. وفي الأغلب الأعم نلاحظ أن ما يلقي من كلمات في هذه الزيارات والمناسبات يعتمد علي ذكر مآثر الماضي العظيم المجيد وشعارات الوحدة الوطنية واتهام قوي خارجية باللعب في الفتنة دون أن تدرك الغالبية العظمي منا أن ما ينبغي أن يجمع المواطنين في زمن العولمة والتقدم المعلوماتي الهائل مشتركات معاصرة حديثة وحداثية وليست تاريخية ولا ماضوية. فما يجمع الناس بغض النظر عن الدين أو اللغة أو العرق أو الطائفة هو الانجاز الاقتصادي أو التقدم في مجالات وميادين التنمية البشرية في التعليم والصحة والدخول ومتوسط العمر والمشاركة السياسية والأمان الاجتماعي وهي أسس حديثة للمواطنة. هذه المؤشرات تسجل فيها مصر تراجعا مروعا مخيفا منذ بداية التسعينات من القرن الماضي حتي تفوقت عليها دول مثل الفلبين والأردن ولبنان.ہ كاتب من مصر8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية