هل يتراجع السودان عن موقفه الرافض لمجيء القوات الدولية؟

حجم الخط
0

هل يتراجع السودان عن موقفه الرافض لمجيء القوات الدولية؟

د. يوسف نور عوضهل يتراجع السودان عن موقفه الرافض لمجيء القوات الدولية؟قبل عدة أشهر خطب الرئيس السوداني في حشد من الجماهير السودانية متوعدا القوات الأممية التي تعتزم المجيء إلي إقليم دارفور بان الإقليم سيكون مقبرة للغزاة، وقد أكد وزير داخليته المعني نفسه في خطاب آخر. ولكن هذه التهديدات لم تحدث اثرها، فقد قال يان برونك مندوب الأمين العام للامم المتحدة في كلمة ألقاها في مجلس الامن إن الحكومة السودانية سترضخ في آخر الأمر لما هو مطلوب منها، ولا نريد بذلك أن نقلل من أهمية ما قاله الرئيس البشير أو وزير داخليته فهما كانا ومازالا يستشعران أن هناك مؤامرة تدبر للسودان، وهما يريدان أن يعرفا حقيقة ما يجري قبل أن يعلنا استعدادهما للتعاون مع المنظمة الدولية.وكانت الحكومة السودانية حتي تلك المرحلة تعتمد علي الدعم الكامل من الإتحاد الأفريقي الذي كان يساند موقف الحكومة السودانية ولا يري داعيا لإرسال قوات أممية إلي دارفور، ولكن موقفين غيرا الحسابات كلها، الموقف الأول هو حجب الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة دعمهما لقوات الإتحاد الأفريقي ما جعل هذه القوات تجد نفسها عاجزة عن القيام بمهامها في الإقليم، وأما الموقف الثاني فهو النزاع الذي نشب بين السودان وتشاد والذي تفاقم بعد الحركة الإنقلابية التي قام بها المتمردون ضد حكومة الرئيس دبي الذي اتهم السودان بدعم المتمردين، وتعاطفت معه بعض الدول الأوروبية وفي مقدمها فرنسا.ووجد الإتحاد الأفريقي نفسه محرجا، ذلك أن دعمه لموقف الحكومة السودانية في دارفور كان من الممكن أن يفسر علي أنه انحياز لصالح السودان ضد الحكومة التشادية وهو ما لا يريده الإتحاد الأفريقي الذي أرسل إشارة إلي الأمم المتحدة بأنه لا يمانع في استبدال قواته العاملة في دارفور بقوات أممية، وشرع السودان يتحدث عن عمل القوات الأفريقية نفسها تحت العلم الأممي، وذلك بالطبع ما لا تريده الولايات المتحدة التي بدأت تتحرك مطالبة الإتحاد الاوروبي بإعلان موافقته علي إرسال قوات أوروبية إلي السودان.وفي هذه المرحلة وجهت الأمم المتحدة إنذارا للحكومة السودانية بضرورة التوصل إلي اتفاق مع المتمردين قبل الثلاثين من شهر نيسان (إبريل) الماضي، وقد أدهشت استجابة السودان السريعة المراقبين بل وفاجأت الأمريكيين أنفسهم وبالطبع كان السودان يمارس دبلوماسية مرنة حتي تلك المرحلة ووجد المتمردون أنفسهم أمام مأزق وعند ذلك تحركت الولايات المتحدة علي الفور لإنقاذ موقف المتمردين وذلك بإرسال مساعد وزيرة الخارجية روبرت زوليك لمعالجة الموقف علي الطبيعة وقد توجت محاولته بقبول فصيل واحد من المتمردين التوقيع علي الإتفاق وهو فصيل ميني أركو مناوي وأفراد من فصيل عبد الواحد نور بينما رفض عبد الواحد نفسه التوقيع علي الإتفاق، وهنا ظهر الدور الأمريكي واضحا، ذلك أن الحكومة السودانية كانت تريد بالتوقيع أن تفوت الفرصة علي الولايات المتحدة والامم المتحدة حتي لا يكون الخلاف سببا في الإصرار علي إرسال القوات الاممية ولكن رفض أحد الفصائل التوقيع لا يمكن أن يفسر إلا علي أنه جزء من الخطة الأمريكية لان الولايات المتحدة التي نجحت في جعل الفريق الرئيسي يوقع ما كان يعجزها أن تقنع الفريق الصغير بالتوقيع ولكن ترك الأمرر دون إجماع شامل بين متمردي دارفور سيكون سببا قويا لإرسال قوات أممية ودعم الموقف الأمريكي في هذا الإتجاه. ولا شك أن هذا الموقف أحرج الحكومة السودانية التي وجدت أن الإتفاق الذي تم توقيعه ليس في آخر الأمر سوي محاولة من الجانب الأمريكي لحفظ ماء الوجه وإتاحة الفرصة للحكومة السودانية لتغيير مواقفها علي إعتبار أن هذه مرحلة تختلف عن المرحلة الأولي ويجوز لها فيها أن تتعامل مع المجتمع الدولي. وعلي الرغم من التصريحات المتشددة التي صدرت من بعض الوزراء مثل وزير الدولة للشؤون الخارجية السماني الوسيلة فقد كان موقف لام أكول معتدلا عندما جعل الباب مفتوحا أمام الحوار بين الأمم المتحدة والحكومة السودانية، وكذلك موقف رئيس الوفد المفاوض في أبوجا مجذوب الخليفة الذي عبر عن موقف مشابه، وكل تلك مقدمات لقبول مجيء القوات الأممية وإن كان المسؤولون السودانيون يلطفون الموقف بان الأمر لا يعدو تغيير القبعات الزرقاء بقبعات حمراء ويعني ذلك عمل القوات الأفريقية نفسها تحت مظلة الأمم المتحدة وذلك تبرير غير مقبول لان مجيء القوات الأممية بضغط من الولايات الاممية له معني آخر، ولا يمكن أن يفسر قبول الحكومة السودانية بمجيء هذه القوات بعد توقيع الإتفاق علي أنه محاولة لفتح صفحة جديدة مع الولايات المتحدة لأن الولايات المتحدة في حقيقة أمرها لا تريد أن تفتح صفحة جديدة مع السودان كما فعلت مع ليبيا وهي لديها أسباب قوية لتفكيك النظام في السودان بل لعل مكافأة ليبيا الأخيرة بإعادة العلاقات معها سببه المباشر هو مساعدتها علي التوصل إلي اتفاقية دارفور التي جعلت الولايات المتحدة تشعر أن ليبيا يمكن أن تكون مفيدة في مثل هذه المواقف. ويمكننا القول إن السودان ظل لفترة طويلة خارج الاستراتيجية الأمريكية فهو قطر يقع في منتصف القارة الافريقية وعلي حدود مع العالم العربي وظلت واشنطن لا تعتبره من الأقطار المؤثرة في سياسة القارة الأفريقية أو المنطقة العربية بل لقد أطلق علي السودان فترة طويلة رجل أفريقيا المريض ولكن السودان منذ استقلاله ظل يغلي بتفاعلات سياسية وهي في معظمها لا تنبع من رؤية داخلية متكاملة بل من تأثيرات سياسية خارجية، وقد رأينا كيف بعد هزيمة عام 1967 تبني السودان الموقف العربي بكامله وسعي إلي عقد مؤتمر قمة الخرطوم الذي عرف بمؤتمر اللاءات الثلاثة. ويمكننا القول علي وجه العموم إن السودان منذ حصوله علي الاستقلال وهو يتبني شعبيا سياسات مناوئة للولايات المتحدة وشهدت جميع عهود حكمه مظاهرات في الخرطوم مناوئة للسياسات الامريكية وحتي مشروع المعونة الأمريكية التي كان السودان أحد المستفيدين منها نظر إليها علي أنها محاولة للسيطرة الأمريكية علي السودان وغيره من دول العالم الثالث، ولكن المواجهة الحقيقية بدأت مع الولايات المتحدة عام ألف وتسعمئة وتسعة وثمانين وهو العام الذي سيطر فيه الاسلاميون علي الحكم في السودان وكان ذلك في عهد الرئيس الامريكي الأب جورج بوش ، وكما هو معلوم فإن الولايات المتحدة كانت مشغولة حتي ذلك الوقت عما يجري في السودان ولكن ذلك لم يحل دون توقيعها عقوبات اقتصادية عليه من منطلق قانون عام يفرض عقوبات علي كل الدول التي تحاول قلب النظم الديمقراطية بوسائل عسكرية ولم يلتفت السودان كثيرا لذلك لانه كانت له خيارات أخري في إطار الحرب الباردة في ذلك الوقت.وكان الخطأ القاتل في علاقة السودان مع الولايات المتحدة مساندته غزو العراق للكويت عندما اتخذ السودان موقفا مناصرا للعراق علي الرغم من العلاقات الجيدة التي كانت تربطه مع الكويت وتقديمها مساعدات كثيرة له وخاصة في أقاليمه الجنوبية وتغير الموقف تماما في علاقات الولايات المتحدة مع السودان في عهد الرئيس بل كلنتون الذي أدرجت حكومته السودان ضمن الدول السبع الداعمة للإرهاب، ولكن السودان لم يرتدع بذلك وفتح أراضيه لكثير من المتطرفين بل لعله احتضن الذين يأتون في أعلي قائمة الولايات المتحدة للإرهاب ولكن اخطر ما صعد التوتر بين السودان والولايات المتحدة هو محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس ابابا، وإذا لم يتهم السودان بصورة مباشرة بتدبيرها فقد اتهم بإيواء منفذيها، وكان ذلك سببا كافيا في نظر الولايات المتحدة لتمرير عقوبات ضد السودان في مجلس الامن وقد تطور الأمر مع حكومة السودان بحيث أغلقت الولايات المتحدة محطة مخابراتها في الخرطوم كما أغلقت سفارتها في وقت لاحق وقامت بالإعتداء عسكريا علي مصنع الشفاء في الخرطوم بحري وتبلورت لدي الولايات المتحدة في مرحلة ولاية الرئيس كلنتون الثانية استراتيجية متكاملة في السودان لا تهدف فقط إلي زعزعة أمنه بل إلي إسقاط نظام حكمه ولكن هذه الاستراتيجية بدأت تأخذ طابعا جديدا في عهد الرئيس جورج بوش الإبن بتوصية من مركز الدراسات الاستراتيجية الذي أوصي بان أفضل خيار للتعامل مع السودان هو محاولة احتواء القطر وتحقيق كل ما تريده الولايات المتحدة دون تقديم تنازلات له وقد تجلي ذلك في الاسلوب الذي تعاملت به الولايات المتحدة في محادثات جنوب السودان والتي استطاعت من خلال وساطتها أن تصل إلي تحقيق ما تريده دون أن تقدم الكثير للسودان وهي تستخدم الاسلوب نفسه في إقليم دارفور وتعتقد أن استراتيجية تفكيك السودان إلي اقاليم تحمل في داخلها عناصر التقسيم وهي وصفة لإضعاف السودان في المستقبل حين تفكر هذه الأقاليم في إقامة حكومات مستقلة، ولا شك أن نظام الحكم القائم في الخرطوم لايفكر حتي هذه اللحظة من خلال هذا المنظور الواسع ويعتقد أن الاستجابة لمطالب الولايات المتحدة سيؤدي في آخر الأمر إلي علاقات طيبة مع الحكومة الأمريكية دون ان يتنبه إلي أن سياسة المحافظين الجدد في الولايات المتحدة مبنية في اساسها علي محاربة سائر النظم الإسلامية التي تعتبرها تهديدا حقيقيا لدولة اسرائيل.ولكن الأخطر في وضع السودان هو تحويل الصراعات إلي مواقف عنصرية بين قبائل أفريقية وأخري عربية لأنه في مثل هذه الحال قد يبدو من الصعب التعرف علي طبيعة الأفراد الذين يقودون الصراع وما إذا كانوا هم في الاساس ينتمون إلي قطر السودان، وربما كانت المشكلة في اساسها الحكومي والرسمي واضحة جدا ولكن الغريب هو أن الشعب السودان الذي كان دائما في الطليعة بالنسبة لقرارات حكومته والذي لعب دورا تاريخيا مهما في كثير من المراحل السياسية قد تراجع دوره ولم يعد يمسك بزمام الأحداث وذلك هو أيضا وضع المعارضة السودانية التي تلاشي تأثيرها بشكل كامل واصبح دورها مركزا فقط في عقد صفقات مع الحكومة لصالح قياداتها. ويمكننا ان نقول في ضوء ما ذهبنا إليه إن جميع المنافذ والذرائع سدت امام نظام الحكم السوداني سواء كان ذلك من جانب الامم المتحدة اومن جانب الولايات المتحدة والإتحاد الافريقي واصبح السودان أمام خيار واحد، إما ان يقبل مجيء القوات الاممية وإما أن تغير الولايات المتحدة استراتيجيتها بالدخول في مرحلة المواجهة. والمرجح أن السودان سيجد لنفسه الذرائع التي يقبل بها مجيء هذه القوات تصديقا لما قاله يان برونك .9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية