الجرح والإنشاء الفلسفي: قراءة في رواية بخور السراب للروائي الجزائري بشير مفتي
هزرشي عبد الباقيالجرح والإنشاء الفلسفي: قراءة في رواية بخور السراب للروائي الجزائري بشير مفتيعلاوة علي رشاقته الفنية المتفردة يستنطق النص الروائي بخور السراب للمبدع بشير مفتي، الجرح بعد معاينته الفاجعة له؛ وهو جرح متعدد الأبعاد والمناحي، يلتصق بالذات وهمومها وتطلعاتها وانكساراتها؛ أتراحها وأفراحها المجهضة، ما يلتصق بوطن مفجوع مكلوم موزع بين ثورته الممكنة المعلقة وسقوطه الفظيع، وهو جرح يتسرب إلي التاريخ ويتغلغل فيه ويحيل إليه، وزيادة علي هذا يغوص العمل في جرح فلسفي عميق يشير إلي الهموم المستبدة المحدقة ويشخصها ويفتح الأسئلة القلقة التي لا تستكين؛ الأسئلة التي تحاصر الذات والمجتمع والتاريخ وتتربص بهما بين المعاينة الفنية لجرح شديد الغور ورصده فلسفيا تتأطر أجواء هذا العمل الروائي، ويمكن القول أن فرادة هذا العمل الإبداعي تتأتي من كونه يشكل انعطافة نوعية في المسار الإبداعي الشخصي للروائي، وهي انعطافة تنحو باتجاه تعميق التجربة الفنية وإمدادها بما يسمح لها بالارتقاء وتوسيع الورشات الكتابية التي ينهل منها الروائي ويغترف؛ وإنضاج الأدوات الفنية التي يتوسلها مستفيدا من شتي الاشتغالات السردية جزائريا وعربيا وعالميا.معاينة الجرحبداهة، يمكن القول إن الجرح الذي تعاينه الذات الروائية في هذا النص هو جرح مضاعف: جرح فني وجرح فكري، جرح فني يقترب منه الروائي ويحاصره ويطوقه، وبالرغم من اتكائه علي الواقع، يظل هذا الجرح حلما يمزق الذات ويستنهضها؛ يمزقها من خلال إشعارها بالمعادلة الممزقة المستعصية القراءة/ الموت ويستنهضها بواسطة شحذ طاقاتها وشحنها واستنفارها وتفجير الصمت الموحي بالدهشة إلي امتلاء الرغبة ونشوتها؛ ومهما كانت الخطوات خطرة؛ ومهما كان الزمن ثقيلا والآمال ضيقة ومهما كانت الحياة ماكرة والموت بابا مفتوحا، مهما.. مهما.. تظل ميعاد.. هي وردة العالم، وتظل نجمة هي الجزائر التي لا تكف عن المجيء إلي العالم، في هذا الرصد الفاجع تطلع مشبوب إلي سر العمل الفني وهو سر مُستعصٍ، بيد انه يجذبنا بإلحاح ويبعث فينا الرغبة الذائبة المهيضة في الارتقاء والتسامي، كما يشيع فينا بخوره الذي يخلع علينا الفسحة الفنية للوجود وهي فسحة حانية عذبة ورقيقة رغم ما يهددها من سراب وتراصدات تهدد بنسف الوجود ذاته، وجرح فكري يتلبس أهواء وسلوكات وأماني الشخوص العديدة التي تحفل بهم فضاءات النص وأجزاؤه، هذه الفضاءات التي يتحركون بمقتضاها ووفقا لإيقاعاتها المختلفة، النص ترجمان جريح لأشواق عدد من الشخصيات المختلفة المتباينة التي تسعي للالتقاء بعضها ببعض، بيد أنها في النهاية تؤكد استحالة هذا اللقاء وتثبت آثار الجرح النازف، الحاج موحا، خيرة، خالد رضوان، مومس الريمشلي، ميعاد، الطاهر، المحامي، العمة زهور، صالح كبير، سعاد أكلي، كلها تندغم في هذه الأشواق البائسة الممزقة والتي بالرغم من معاينتها للسراب، تظل منجذبة إلي وجودها الضيق الموحش. بين الجرح الاجتماعي والجرح السياسي والجرح السيكولوجي.. تعاين الذات الروائية جرحها الذاتي وتلتف عليه..في الإنشاء الفلسفيهل نملك الفن لكيلا تقتلنا الحقيقة كما يقول الفيلسوف نيتشه؟ يبدو أن هذا الخيط الفكري الرهيف هو الذي يتحكم في منطق إنشاء هذا النص الروائي، يسعي المبدع بدأب شديد إلي الإمساك بأطراف اللعبة التي تشده إليها بيد أنها لا تنقاد بيسر إلي مشيئته علي الرغم من انه لا يخلد إلي الراحة أو يستكين. هواجس عديدة ومكابدات متباينة متفارقة تشع داخل النص وتشيع خارجه، وهي تؤلف شبكة كثيفة غنية ومستغلقة من الرؤي التصورات والمواقف التي يعج بها هذا النص وتنتظم داخل فضاءاتها التعبيرية. تؤلف الفلسفة شاغلا محوريا لهذا النص، وإذا استثنينا رواية نوم حواء للأديب محمد ديب والمشدودة إلي الفضاء الفلسفي الصوفي، فان نص بخور السراب يغوص بعمق في الفلسفة ويتدثر بها وبالإمكان المجاهرة بان هذه الرواية هي رواية فلسفية بامتياز وعلي العموم فهي رواية تتزين بها مكتبة السرد الروائي الجزائري. ولا يتوسل الروائي في نصه هذا الفلسفة من حيث هي إجراءات تقنية تخدم الهم الفني الجمالي ولكن النص ذاته يتماهي مع الفلسفة وينقاد إليها ويتشح بردائها ويفصح عن نوع من التمازج النوعي بين ما هو فكري. إنه إفصاح تناغم يشير إلي مهارة الذات الروائية ويدلل عليها كما يرسم قدرتها المدهشة علي الإحاطة بموضوعاتها المختلفة ورعايتها وتنشئتها إبداعيا.الفلسفة إذن حاضنة هذا النص وموجهته تبعث فيه حيوية المساءلة وتواضع الذات الفاحصة والناقدة وحيرتها أمام ما يتراءي لها من مبهم وملتبس ومقنع. كل شخوص النص يسكنهم الهم الفلسفي وان تباين ذلك من شخص لآخر ومن موقف إلي موقف. يتكئ المعمار الفلسفي لهذا الإنشاء السردي علي ثلاث ركائز أساسية هي: الاصطلاح، الاقتراب، التوليفات الجدلية. فعلي مستوي الاصطلاح الفلسفي الذي يتذرع به هذا النص فان نظرة فاحصة عامة للقارئ بمقدورها الاهتداء إلي معجمه الاستعمالي الذي يتنوع مثل الموت باب مفتوح، دودة ميتافيزيقية، السقوط، الزمن، الذاكرة، الجسد، الحلم، الروح، القلب، ذات الماضي، ذات المستقبل، اللاحقيقة، الدهشة، اللامعني، الواقع، الثورة وغيرها كثير، وبالإمكان القيام بدراسة إحصائية للمعجم التقني الفلسفي للنص، بيد أن ما نلاحظه في هذا الاستخدام الغرضي أن الذات الروائية (وهنا نستعمل الذات بمفهومها التحليلي اللاكاني الأوسع) تتحكم بمهارة فائقة في أساليب توظيف هذه الاصطلاحات وتشغيلها. وعلي مستوي الاقتراب الفلسفي، فإن معمار النص يغتني بشحنات فكرية إجرائية تتغلغل داخله وتقوم بخلخلة سكونيته وأجوائه المنتظمة الهانئة عن طريق المعاينة الجدلية التي تتلبس النص وتسري في ثناياه. وظفت الذات الروائية الديكالتيك بغية إبراز التناقضات والتباينات المختلفة التي تفصح عنها مختلف مواقف الشخوص وحركاتهم المتنوعة إزاء ذواتهم وإزاء المجتمع والتاريخ من مثل: الحقيقة، الحلم، النص، الثوري، القراءة، الموت، ماتت وأنا مت ثم لم أمت..جدلية الحرية والقيود وهكذا، وحتي فعل الاستحضار الذي يلجأ إليه الروائي هو فعل مأساوي دياليكتيكي:ـ متذكرين زمن جزائر طواها النسيان..ـ لن يهمك إن كان كاتبا كبيرا مثل كامو ولد فيه..ـ تيزي راشد، الأرض والدم، الأفيون والعصا..ويتحرر هذا الفعل من كل ركون إلي الحنينية الإغرابية التي يلجأ إليها بعض الكتاب تعبيرا منهم عن تعلق بزمن نمطي ونزوعا إلي انسحابية من واقع ثقيل الوطء.يقترب الهم الفلسفي للنص بالمصطلح من جهة، وبالاقتراب الجدلي من جهة ثانية، ولكنه يتحرك ثالثة بناء تشغيل مجموعة من التوليفات الجدلية المختلفة وهي بمثابة سلاسل تركيبية دلالية يرتكز عليها معمار النص، وقد تكون هذه التوليفات ثنائية التركيب مثل:ذات الماضي/ذات المستقبلالقراءة/الموتالفراشات/القفصتذكر الموت/الضحك عليهالوضع المتعفن/التراجع عن الحريةالاغتصاب/العذرية… وهكذا وقد تكون هذه التوليفات ثلاثية أو رباعية أو أكثر مثل:الحلم، الجسد، الحزن، الموت، حواس، روح، قلب،جنون الكلام، هوس اللامعني، مرض الذاكرة، عصاب الأحلام.وقد تنطوي علي أشكال من الترادف الدلالي ولكنها بأجمعها وعلي ما فيها من وشائح ترتد إلي الوحدة الجدلية، الواحدة التي تؤسس نواتها الأصلية، ثقيل هو الزمن، ضيقة هي الآمال… وتقوم وظيفتها الجمالية الأساسية بالشحن الدرامي للنص وتفجير ممتلكاتها التعبيرية، ولا يحرك الجدل نشوة الكتابة عند الذات فحسب بل يهيمن عليها ويوجهها إلي مشارف الارتقاء الفكري والجمالي، ولا يكون ذلك ممكنا إلا من خلال فعل القراءة الذي يحيل إلي فعل الدهشة الباعث علي سؤال الكتابة بما هو سؤال يواجه الموت ينافسه معادلا موضوعيا فاجعا.تتعمد الذات الروائية الاستعمال المتكرر لفن السخرية وهو فن فلسفي سقراطي علي أية حال والنص زاخر عامر بهذا النزوع التهكمي الشديد غير انه لا يلجأ إلي إلغاء الرشاقة الفنية للسرد ولا يدفع بنا إلي بؤر اللامعقولية العابثة كما انه لا يركن إلي الهزل السقيم أو الهجائية القدحية ولكنه إضافة إلي وظيفته الإمتاعية يبعث فينا الحيرة والرؤية وإمعان النظر والمساءلة والنقد، إنه يشخص الجرح ويعريه كاشفا جوانبه الخفية وتناقضاتها المختلفة وهي تناقضات تزخر بها الحياة مثل:ـ المثقفون الجزائريون لا يريدون دفع لياليهم الجنسية!ـ نشرب كثيرا في ضباب الحانة ونثرثر عن الثورة التي لن تتأتي والإنسان الذي لم يخرج بعد والأحلام المخنوقة وتعاسة الحياة في سجن اللاحقيقة!بين معاينة الجرح وإنشائه فلسفيا، يدشن نص بخور السراب محطة نوعية ثمينة توغل في العمق والتجريب وتحاصر قارئها فكريا وجماليا وتمنحه متعة خاصة، كما تمنح مبدعها رصيدا إضافيا نوعيا في مشواره الإبداعي. بخور السراب إذن يمنحنا عطره الفياض الرفيع الذي يتحلي به السرد الروائي الجزائري نشتم في ثنايا هذا العطر نبوءة مستترة تبشرنا بالجديد الخارق الذي يعدنا به المبدع المتميز بشير مفتي…ہجامعي وباحث في الفلسفة ـ من الجزائرهامش:صدرت بخور السراب للروائي بشير مفتي في طبعتين، الأولي بالجزائر عن منشورات الاختلاف والثانية عن دار الحوار بسورية.0