بحوث حول يهود الجزيرة وكشوفات عن التاريخ السرياني وتنصير اليمن
مؤتمر موسع بالقاهرة عن ترجمة المصادر التاريخية من اللغات الشرقية:بحوث حول يهود الجزيرة وكشوفات عن التاريخ السرياني وتنصير اليمنالقاهرة ـ القدس العربي ـ من محمود قرني: انتهت فعاليات الندوة الموسعة التي اقامها المجلس الاعلي للثقافة تحت عنوان ترجمة المصادر التاريخية من اللغات الشرقية وإليها ، وكانت الندوة التي استمرت اعمالها ليومين متتاليين قد شهدت حوالي ست ندوات موسعة وشارك فيها حوالي ثلاثين كاتبا ومترجما وطرحت اكثر من موضوع لافت وجدير بالنقاش مثل سباق الاستعمار الأوروبي في الهند واختراق الأسوار المفروضة علي اللغات المقدسة، وترجمة المصادر التاريخية في ضوء التضارب في توجهات المراجعة التاريخية المعاصرة في اسرائيل والوثائق والمذكرات الخاصة بجمال الدين الافغاني، والمصادر التاريخية للعرب قبل الاسلام في ضوء النقوش السامية، وكذلك ترجمة أسفار العهد القديم الي اللغة العربية والترجمة العربية عن الأردية لكتاب الهند والعرب في عهد الرسالة وتاريخ الطبري وترجمته الي اللغة الفارسية، ومصادر السيرة النبوية عند شبلي النعماني.وكانت الندوة قد انطلقت صبيحة الثلاثاء الماضي بحضور الدكتورة رجاء ياقوت مقررة لجنة الترجمة، والدكتور جابر عصفور الامين العام للمجلس الاعلي للثقافة.وكان من أبرز المشاركين في الندوة الدكتورة فاطمة موسي، عبد العزيز عوض الله، محمد أبو غدير الصفصافي، احمد القطوري، شيرين عبدالنعيم وفائزة عبدالفتاح، ونبيلة اسحاق، احمد الخولي، رملة محمود غانم، فوزية عبد العزيز صباح، هويدا عزت محمد، هناء العارف، سامية جلال، فتحي النكلاوي وعدد آخر من الباحثين والمترجمين.وسوف نحاول هنا أن نرصد أهم الأوراق التي تداولتها الندوة عبر يومين حاشدين.المصادر التاريخيةوأهميتها عربيا وإسلامياتحت هذا العنوان تداولت ندوة الترجمة عن اللغات الشرقية عدة أوراق ذات اهمية تخصصية منها ورقة الدكتورة مني فراج محمد التي جاءت تحت عنوان المصادر الفارسية وأهميتها في دراسة التاريخ الاسلامي .استعرضت الورقة بداية الكتابات التاريخية عند كل من العرب والفرس. وتشير الورقة الي ان الثابت في التاريخ ان العرب أسبق من الفرس في الكتابة التاريخية وأنه قد حدث تأثير وتأثر فيما بين العربية والفارسية في كتابة التاريخ. فكما تأثر الايرانيون بالعرب في البداية ونقلوا عنهم، فقد ترجمت الي العربية منذ القرن الثاني الهجري الثامن الميلادي كتب كثيرة من التاريخ الايراني اثرت أيما تأثير في جنس التاريخ عند العرب، وكان الايرانيون يعتمدون علي الكتابة لا علي الرواية الشفوية، وكانوا ينقلون عن وثائق مدونة، وكانت كتبهم التاريخية متتابعة القصص، غير مقطوعة بأسانيد الرواية، وقد سار علي طريقتهم كثيرون ممن ألفوا في التاريخ باللغة العربية كالبلاذري والمسعودي والدينوري، وتضيف مني فراج في ورقتها ان التاريخ عند الايرانيين كان يختلط بالاسماء والحكايات الخلفية وقواعد السلوك العامة، ثم كان النقد التاريخي متخلفا في هذه الكتب، فكانت تحكي الاساطير علي انها حقائق ويختلط عالم الغيب، بعالم الناس، ثم كانت كتب التاريخ في جملتها تعني بسير الملوك ومن يلتحق بهم، دون احتفال بأحوال الشعب ومعارفه.وتري مني فراج أن خير من يمثل الطريقة العربية في كتابة التاريخ هو المؤرخ الاسلامي الايراني الأصل الطبري في موسوعته التاريخية التي لاقت حظا لدي الفرس في لغتهم بعد الفتح فكان أقدم نص كامل وصلت الينا ترجمته في اللغة الادبية لايران بعد الفتح، وترجمة الوزير الساماني بلعمي أبو علي محمد في أواخر القرن العاشر الميلادي.وقد بنت مني فراج بحثها ـ حسبما تقول ـ علي بداية التأليف التاريخي في اللغة الفارسية الذي بدأ مع تأليف الشاهنامة كتاب الملوك التي يعد كلٌّ منها كتابا في التاريخ العام.اما الدكتورة نبيلة اسحاق فقدمت ورقة تحت عنوان الترجمة العربية عن الأردية لكتاب الهند والعرب في عهد الرسالة وتعتبر الكاتبة أن هذا الكتاب الذي ألفه بالأردية القاص أطهر المباركيوري وترجمه الي العربية الدكتور عبد العزيز عزت عبدالجليل هو الكتاب الوحيد الذي تناول بالبحث العلمي تلك الحقبة الهامة من تاريخ الصلات بين الهند والعرب في عهد النبوة. وقد خصصه المؤلف للحديث عن الصلات الهندية العربية في الفترة التي سبقت فتوحات القائد العربي محمد بن القاسم الثقفي لاقليم السند.وتوضح ورقة نبيلة اسحاق ان الكتاب يتناول الطرق البرية والبحرية بين الهند والجزيرة العربية كما يثبت اسماء اهم المدن التي تقع في هذا الطريق ومسافاتها.وتحدث الكتاب ايضا ـ حسب الورقة ـ عن الاثار الهندية في الأدب العربي، وهجرة كثيرة يعد مصدرا اساسيا لكل من يتناول تلك الفترة بالبحث وأنه يدلل علي ان الترجمة عن الأردية في مصر ليست مقصورة علي القبائل الهندية وقيامهم في الجزيرة العربية وموقفهم من الدعوة الاسلامية، وتعتبر الكاتبة ان هذا الكتاب من كتب المتخصصين فيها، حيث عمل المترجم في مجمع البحوث الاسلامية وفي مشيخة الازهر.كذلك قدم الدكتور مصطفي عبدالمعبود منصور ورقة تحت عنوان ترجمة النقوش السامية وأهميتها في كشف اختلاق المصادر العبرية وتشير الورقة في البداية الي الدور الذي لعبه اكتشاف النقوش والاثار القديمة في منطقة الشرق الأدني القديم لا سيما في اعادة قراءة تاريخ هذه المنطقة، ويقول عبدالمعبود، ظل العهد القديم لقرون طويلة هو المصدر الوحيد تقريبا امام العلماء والباحثين سواء في المجالات اللغوية أو الدينية أو التاريخية أو حتي المجالات الاسطورية والفولكلورية التي تتعلق بتلك المنطقة. ويضيف الكاتب: كان هذا المصدر هو عون الباحثين اليهود في تأكيد مزاعمهم المختلفة بشأن الأصالة التاريخية، والجذور الراسخة في المنطقة التوراتية في قراءتهم لتاريخ تلك المنطقة وآدابها ومعتقداتها وحضاراتها، بل والاكثر من ذلك حاولوا توظيف علم الاثار والتنقيبات في فلسطين لتأكيد ما ورد في النصوص العبرية المقدسة، ويقول الباحث انه في مقابل هذا الفريق المتعصب للتاريخ اليهودي الذي لم يألُ جهدا في توظيف شتي العلوم التي تخدم اهدافه، ظهر فريق آخر من الباحثين وحاول عن طريق الاكتشافات الاثرية والنقوش السامية أو العربية القديمة في منطقة الشرق الأدني القديم ان يقدموا قراءة موضوعية بعيدة عن الهوي والتعصب تدعمها مجموعة الحقائق التي تضمها الاكتشافات الاثرية التي ظهرت في شتي أرجاء الشرق الأدني القديم والذي يتمثل معظمه الآن في المنطقة العربية سواء في الجزيرة العربية جنوبها وشمالها او شرقها وغربها، كما انه يمتد كذلك ليضم إيران في الشرق، ومصر في الغرب، ويضيف عبدالمعبود انه الذي ساعد علي هذه القراءة الدقيقة فك رموز هذه النقوش والاثار القديمة بالوقوف علي أنظمة الكتابة المختلفة التي تنوعت بتنوع تلك النقوش وأماكنها وأزمنتها التاريخية، وقد امكن من خلال تلك المجهودات اثبات مدي اختلاق المصادر العبرية للمعلومات التاريخية.العهد القديم عربياتحت عنوان ترجمة أسفار العهد القديم الي اللغة العربية كانت تلك الورقة المهمة التي قدمتها الدكتورة فائزة عبدالفتاح عز الدين، والتي بدأتها بتناول قيمة العهد القديم كمصدر تاريخي حيث ترصد محتواه كمرجع لتاريخ بني اسرائيل ومعاملة الرب لهم منذ نشأتهم الاولي منذ بدء خلق العالم كما يزعمون الي يوم الجلاء البابلي وبعد العودة من الجلاء ايضا.وتقول الباحثة انه يحتوي علي تاريخ بني اسرائيل وحروبهم مع الناس والطبيعة وحلهم وترحالهم، غاراتهم وغزواتهم وتاريخ قضاتهم وملوكهم ورجالهم وأنبيائهم بالاضافة الي تاريخ جيرانهم وتجاربهم مع هؤلاء الجيران ومن عاشوا بينهم او تعاملوا معهم علي مدي تاريخهم.وتضيف عز الدين ان العهد القديم فضلا عن قدسيته أهم وأقدم مصدر تاريخي يعتمد عليه في معرفة ودراسة تاريخ بني اسرائيل وفلسطين بل أبعد من ذلك كان من اهم المصادر التي يستقي منها تاريخ الشرق الادني القديم بوجه عاموز فالواضح ان المراجع التاريخية القديمة معظمها قد اعتمدت علي اسفار العهد القديم في تحديد تاريخ اليهود القديم لندرة المصادر التي ترجع الي عصور سحيقة او لانعدامها وظل الامر كذلك الي القرن التاسع عشر حتي جاءت الكشوفات الاثرية المتكررة كالكشوفات السومرية والأكدية والكتابات المصرية القديمة والفينيقية والكنعانية والأوغاريتية ونقوش جزيرة العرب تحمل النتائج التي غيرت كثيرا من الوقائع التي زيفها اليهود وسجلوها في كتابهم المقدس.وترصد الكاتبة أنه في اعقاب الفتح الاسلامي انتشرت اللغة العربية انتشارا واسعا حتي صارت اللغة الرسمية في البلاد المفتوحة، ومن ثم فقد اصبح من الضروري ترجمة العهد القديم لامكان قراءته بعد ان ماتت اللغة الآرامية ومن قبلها العبرية، وتقول فائزة عز الدين: يري الباحثون ان الحاجة الي ترجمة العهد القديم الي العربية بدأت تظهر بعد وفاة الرسول محمد وانضواء المجتمعات اليهودية والمسيحية تحت لواء الاسلام، وتؤكد عز الدين انه لا يوجد دليل ثابت علي ان يهود الجزيرة العربية الأوائل كانوا يقتنون ترجمة عربية لأسفار العهد القديم قبل ظهور الاسلام وانتشار اللغة العربية وأن كل ما يقال عن ذلك زعم مردود. وتضيف ان هناك رأيا يقول ان ٍكعب الاحبارِ احد مفسري القرآن الكريم قد احضر سفرا من أسفار العهد القديم باللغة العربية الي عمر بن الخطاب وطلب منه قراءتها وتؤكد انه من العسير ان يقرر في أي زمن بدأ أحبار اليهود في ترجمة العهد القديم الي اللغة العربية.وترصد الكاتبة انه جاء في الفهرس لابن النديم ان احمد بن عبدالله بن سلام قد نقل العهد القديم من اللغة العبرية الي العربية وذلك في عصر الخليفة هارون الرشيد وقد كانت ترجمته ترجمة حرفية كلمة كلمة مع محافظته علي المعني والنقد العربي، وتضيف ان ابن النديم وقف علي تلك الترجمة وقرأها ونقل منها، وتشير الي ان كثيرين من مؤرخي العرب والمسلمين القدامي امثال الطبراني والمسعودي والبيروني وغيرهم ألمّوا بالتاريخ اليهودي وتكلموا فيه بإسهاب وإفاضة.وتؤكد الكاتبة ان اهم الترجمات العربية واشهرها وأبقاها علي الاطلاق ترجمة الربان سعديا بن سعيد الفيومي التي جاءت أواخر القرن التاسع الميلادي احد الفقهاء اليهود وتقول ان سعديا اعتمد في ترجمة العربية علي الاصل العبري وكتبها بحروف عبرية وكانت الترجوم الآرامي مرشداً ومعينا له في تلك الترجمة، وتضيف انه كان يتبع الآرامية وفقرة فقرة كما يتبع العبرية وكان حريصا علي تحري الدقة والوضوح في ترجمته فخرجت الترجمة في صورة سهلة يتلوها الرجل اليهودي العادي والمسلم ايضا، وتشير المؤلفة الي ان هذه الترجمة طبعت لأول مرة في باريس عام 1893م وفي أورشليم عام 1894، 1900 ثم تكررت طباعتها بعد ذلك بلغات عدة، كما تشير ايضا الي انه رغم شهرة هذه الترجمة لم يعترف بها السامريون لأنهم كانوا لا يؤمنون بأسفار موسي الخمسة، كما رفضها القراءون لعداوة شديدة بينهم وبين المترجم إذ انهم لا يؤمنون بالتهود والشريعة الثانية لليهود اما المترجم فكان رئيس الربانيين وكان من انصار التهود.مذكرات الأفغاني والوثائق السريانيةأما الدكتورة شيرين عبدالنعيم حسنين فقدمت ورقة تحت عنوان الوثائق والمذكرات الخاصة بجمال الدين الأفغاني ترجمة ودراسة وتحقيق الدكتور عبدالنعيم حسـين، وتشير الورقة الي ان هذه الوثائق كان قد جمعها اصغر مهدوي و إيرج أفشار وقد نظماها ثم نشراها لأول مرة بعد مرور سبعين عاما علي وفاة جمال الدين الافغاني، وقد تم نشرها بواسطة جامعة طهران في عام 1342هجرية وهي أحد الكتب الجامعية.وتشير الكاتبة الي ان هذه الوثائق والمذكرات تقع في ثلاث مجموعات تتضمن المجموعة الاولي الخطابات والأوراق والمذكرات والكتب والمقالات والصور التي كان جمال الدين قد أودعها في منزل صديقه الحاج محمد حسن أمين الضرب اثناء رحلتيه اللتين قاما بهما في عامي 1304، 1307هجرية 1887 ـ 1890م فحفظها الرجل الذي كان من مريدي الامام، وتقول الباحثة ان هذه المجموعة تعد اكثر المجموعات الثلاث اهمية لأنها تعرف بمراحل حياة جمال الدين المختلفة، فتعرف بأصله ووطنه وأسرته ومذهبه الديني واسلوب تفكيره اما المجموعة الثانية فهي اسانيد خاصة بأسرة صديقه أمين الضرب وتضم خطابات الافغاني لهذا الصديق، اما المجموعة الثالثة فهي تشرح الكثير من أسانيد الافغاني المذهبية.وتقول الباحثة ان هذه الترجمة تكمن اهميتها في الكشف عن حقيقة الافغاني ومراحل حياته المختلفة واسلوبه العملي في الاصلاح ونشاطه السياسي في الدول التي زارها.اما الدكتور صلاح عبد العزيز محجوب فقدم ورقة مهمة تحت عنوان اهمية ترجمة مصادر التاريخ السريانية المسيحية للتاريخ العربي والاسلامي. ويقول الباحث ان السريان عرفوا الكتابة عن الحوادث التاريخية واخبار العالم منذ القرن الخامس الميلادي وقد استمر السريان في كتابة نصوص تاريخية حتي القرن الثالث عشر، وتنوعت تلك الكتابات من حيث الشكل بين كتابة السيرة والقصة التاريخية وتاريخ الكنيسة وغيرها.ويصنف محجوب مصادر التاريخ السريانية وفقا للانتماء الديني لكتابتها الي مصادر غربية يعقوبية ومصادر شرقية نسطورية.أما المصادر اليعقوبية فيدلل عليها بكتاب تاريخ الكنيسة ليوحنا الاسيوي الاقسسي وقد كتبه في عام 585 ميلادية وهو كتاب يعتبره الباحث من أهم الوثائق التاريخية لدراسة تاريخ العرب قبل الاسلام وتنصير القبائل الوثنية بالنوبة وشمال السوران في القرن السادس، وكذلك كتاب تاريخ شهداء حمير وهي وثيقة كتبت في القرن السادس، ويعتبرها المؤلف مصدرا اساسيا للتاريخ لانتشار المسيحية في اليمن وحادثة استشهاد نصاري نجران في عصر الملك اليهودي ذي نواس، ويقول ان يعقوب الثالث نقل هذه الوثيقة الي العربية بعنوان الشهداء الحميريون بدمشق عام 1966 هذا بالاضافة الي اكثر من تسعة مراجع اخري يرصدها المؤلف عن مصادر اليعقوبيين.اما المصادر الشرقية فيأتي علي رأسها رسائل الجاثليق إيسؤيب الحذياني وهي عبارة عن مادة عن الكنيسة الشرقية 649 ـ 659 م، ثم التاريخ الصغير للسنة 670م ، وهو نص عن اخبار الكنيسة السريانية الشرقية وتاريخ يوحنا بن فنكايا في القـــرن السابع الميلادي ويتناول هذا التاريخ الفترة الزمنية منذ بداية الخليقـــة حتي القرن السابع الميلادي وخاصة الفتوحات الاسلامية وكذلك كتاب تاريخ إيليا بن السني أو النصيبنيِ 975 ـ 1049 هجرية ويقدم معلومات هامة عن الكنيسة الشرقية والاسلام وقد نقله يوسف حبي للعربية بعنوان تاريخ إليا برشينايا بالاضافة الي كتاب المجدل الذي يقول عنه الدكتور صلاح عبد العزيز محجوب انه موسوعة تاريخية ولاهوتية للأحداث التي مرت بها الكنيسة الشرقية.0