تعليق علي مقالة ظلال فوق مكة عن تدمير التراث الاسلامي في السعودية: الآثار الاسلامية في مكة والمدينة تختفي والمسلمون صامتون!

حجم الخط
0

تعليق علي مقالة ظلال فوق مكة عن تدمير التراث الاسلامي في السعودية: الآثار الاسلامية في مكة والمدينة تختفي والمسلمون صامتون!

د. سامي الصقارتعليق علي مقالة ظلال فوق مكة عن تدمير التراث الاسلامي في السعودية: الآثار الاسلامية في مكة والمدينة تختفي والمسلمون صامتون! لفت نظري في جريدة اندبندنت اللندنية، وهي الجريدة التي تبدي اهتماما كبيرا بالشؤون العربية والاسلامية، اقول: لفت نظري المقال الذي نشرته بالعنوان المشار اليه اعلاه علي الصفحتين 24 ـ 25 من عدد يوم 19/4/2006، وهو بقلم دانيال هاودن، وقد وضع له عنوانا فرعيا لا اريد ترجمته حرفيا، واكتفي بالقول انه ينطوي علي عتاب قاس لآل سعود. وقد رافق المقال صور للحرم المكي، وقد اختفي في ظلال ناطحات السحاب التي ارتفعت حوله حتي طاولت مآذن الحرم الشريف. ويقول الكاتب: ان تلك الظلال صارت تخيم علي اقدس بقعة اسلامية، اذ شيدت المباني علي بضعة امتار من أسوار المسجد الحرام، وصارت تحجب حتي النور عنه، وتلقي بكلكلها علي روعة مبني الكعبة المشيد بأحجار الغرانيت، وهو المبني الذي يؤمه ما لا يقل عن اربعة ملايين حاج في كل عام.وهكذا فان الابراج الجديدة تقوم دليلا صارخا علي تدمير التراث الاسلامي، وازالة عناصر الصبغة التاريخية عن مكة. ويشير المقال الي ان جريدة اندبندنت سبق ان نوهت في شهر آب (اغسطس) الماضي بأن المدينتين المقدستين (مكة والمدينة) تتعرضان لعدوان غير مسبوق من جانب فريق من المتعصبين الذين يختفي وراءهم اهل المكاسب التجارية. ويشير الكاتب الي تصريح ادلي به الامير تركي الفيصل، مفاده ان حكومته قد انفقت (19) بليون دولار علي صيانة المدينتين. ويؤكد انها تدرك مدي اهمية صيانتها، ومدي تعلق الملايين من المسلمين القادمين من جميع انحاء العالم، بهما وبزيارة الحرمين الشريف، ولذلك لا يمكن ان نسمح (اي حكومته) بالتدمير.ولكن كاتب المقال يقول: ان هذا التصريح يتعارض كليا مع الصور المنشورة اليوم (ويقصد الصور المرافقة لمقاله) وهو يعتبرها وثيقة تؤكد وقوع التدمير علي مواقع الآثار، وحلول ناطحات السحاب محلها، ويقول: ان ذلك يقع علي مرأي من جانب السلطات الدينية السعودية، وهو امر يتواصل في حملة مستمرة منذ عقد من السنين، مما مكن المتمولين من تشييد مبان متعددة الطبقات للفنادق والمطاعم ومراكز التسوق والشقق باهظة الثمن، مما لم ير مثله خارج (دبي) علي حد قوله. ويري الكاتب ان القوة الدافعة وراء حملة التدمير هذه، هي (الدعوة الوهابية) التي تري في بقاء المواقع التاريخية وتقديسها ما يتعارض والعقيدة الاسلامية. ثم ينقل الكاتب عن الدكتور عرفان احمد العلوي (رئيس مؤسسة التراث الاسلامي) قوله: ان ما حصل لقبر آمنة بنت وهب، والدة الرسول (ص) يعتبر انموذجا لحملة التدمير، اذ هدمته الجرافات وصُبّ البنزين فوق انقاضه، ولم تنفع لانقاذه آلاف النداءات الصادرة من جانب مسلمي العالم، لحفظه!يقول الكاتب: ان ما بقي في مكة من آثار اسلامية يقل عن العشرين، وقد تم تدمير اكثر المواقع، ومنها بيت خديجة زوجة الرسول (ص)، اذ هدم وشيدت مكانه (مراحيض عامة)! اما بيت الصحابي ابي بكر، فهو الان تحت مبني فندق (هلتون). واما مسجد ابي قبيس، فهو تحت ارضية القصر الملكي. ثم يستطرد الي القول: ان دولة النفط الغنية التي كانت تضخ المال الي (طالبان) الذين دمروا تمثال (بورا) في افغانستان، قد تمكنت من حجب النقد الدولي لاعمالها التخريبية! واما الاكاديمية الدكتورة مي اليماني (مؤلفة كتاب مهد الاسلام)، فتقول: قد حان الوقت للدول الاسلامية ان تتجاهل اثرياء النفط السعودي وتقول كلمة الحق بحقهم. وتستطرد فتقول: ان المفزع ان لا يجادل احد في شرعية تولي ال سعود لرعاية الحرمين الشريفين، الموضعين المقدسين لدي مليار من المسلمين، وهما يتعرضان لحملات التدمير دون ان يكترث احد بذلك. فعندما تعرضت صورة الرسول (ص) للاساءة من جانب رسام دنماركي قام الآلاف بالتظاهر والاحتجاج، اما المواضع ذات العلاقة بالنبي (ص)، وهي تراث اسلامي عريق، فلم يقم احد بمثل ذلك الاحتجاج تجاه تدميرها!ثم تقول: كثير من الناس، ولعل بينهم اعضاء مجلس الشيوخ الامريكي، يعتقدون ـ وهم معذورون ـ ان آل سعود هم رعاة الحرمين الشريفين منذ عصور قديمة، بينما الحقيقة هي ان المملكة السعودية دولة حديثة، وان آل سعود تصدوا للعمل السياسي بتحالفهم مع مؤسس الوهابية سنة 1744م، ثم تطور امرهم فشكلوا دولة علي اساس قبلي، وعندها تولي ال سعود فيها، جانب القوة وفازوا بالمال، بينما تركوا للمتشددين من رجال الدين حرية العمل لنشر مبادئهم المتطرفة. وعلي اي حال فان القائد القبلي (هذه التسمية وردت في المقال) ابن سعود، تمكن منذ (80) عاما فقط من احتلال مكة والمدينة، ولأجل اسباغ الصفة الشرعية علي الحكم اتخذ لقب (خادم الحرمين الشريفين). ولكن هذه الشرعية كلفت المسلمين الكثير، اذ ترتب عليها ان يتوجهوا بأنظارهم الي مكة في طلب الارشاد، رغم تعددية الاتجاهات في الاسلام. وعندما تمت للوهابيين السيطرة علي الحجاز، سارعوا للتدخل في شؤون الحج، ففي عام 1929 منعوا دخول المحمل المصري، باستخدام القوة، مما ادي الي مقتل (30) حاجا مصريا، فقطعت مصر علاقاتها بالسعوديين، ولكن قليلا من الحكومات الاسلامية اكترثت بذلك. وبدلا من ان يعترف السعوديون بوجود التعددية في الآراء الاسلامية، استمروا في ممارسة حملات التدمير التي طالت حتي موضع ولادة الرسول (ص) الذي وقع ضمن موقف للسيارات. هذا وتري الدكتورة مي اليماني ان علي ال سعود الان كبح جماح الوهابية والاعتراف بأن مكة كانت دائما رمزا للتعددية الاسلامية، وانه ينبغي ان تعود تلك التعددية اليها، غير انه مع ارتفاع اسعار النفط الي مستويات قياسية لم نلحظ الا اشارات ضعيفة علي استماع ال سعود لمثل هذه النصيحة، وبدلا من ذلك نراهم يهدمون القلعة العثمانية التي شيدت سنة 1780م فوق جبل (بلبل)، وكانت رمزا لقوة الدولة العثمانية خادمة الحرمين الشريفين، وهي تشرف علي الكعبة، اذ هدمتها منذ اربع سنوات بالجرافات، وتحولت ارضها الي مبني برج يضم شققا باهظة الثمن، فايجار الشقة الواحدة منها لشهر واحد (هو شهر رمضان) يبلغ (137) الف باوند! اما جبل النور الذي يضم غار (حراء) الذي شهد نزول اول آيات القرآن الكريم، فقد قام المتشددون بتدميره لمنع الحجاج من زيارته. كما ان جامعا عمره (1200) سنة فيه قبر لاحد احفاد الرسول (ص) قد هُدم بالمفجرات (وقد نشرت الجريدة صورة التفجيرات بحضور افراد من الشرطة الدينية، وهم يحتفلون بذلك الانجاز!).واختتم المقال بما قاله الدكتور سامي العنقاوي، المهندس المعماري الحجازي الذي نذر نفسه لبذل الجهود من أجل انقاذ التراث المعماري الموجود في أهم مراكز الحج الاسلامي، إذ قال: إننا علي وشك أن نقول لمكة: الوداع. وزاد علي ذلك قائلاً: إننا نشهد الآن الأيام الأخيرة لكل من مكة والمدينة!!هذه خلاصة المقال، وأرجو أن أكون قد وفقت في عرضها، وبالنظر لخطورة ما ورد فيها، رأيت من واجبي التعليق عليها بما عندي من معلومات ذات علاقة. ولكنني أود هنا أن أنبه القارئ بأنني أكتب ما أكتب، ولا أحمل مشاعر معادية للسلطات السعودية، بل علي العكس فإنني أتعاطف معها، ولا أنسي أنني قضيت (18) عاماً هي أسعد أيام حياتي، يوم كنت أستاذاً في جامعة الملك سعودي في الرياض، لقيت خلالها الكثير من الرعاية والتكريم. ثم إنني أقدر للسعوديين عنايتهم بالحرمين الشريفين، ولا سيما من ناحية التعمير والتوسيع، كما أقدر لهم مدهم للطرق في طول البلاد وعرضها، مما يسر للحجاج الوصول الي الحرمين بيسر وأمان. ولكن ذلك لا يمنعني ـ بصفتي مسلماً ـ أن أبدي بعض الملاحظات حول ما ورد في المقال موضوع البحث، وأقول:1ـ أنا أشارك كاتب المقال قلقه حول مصير مشاهد مهمة من التراث الإسلامي اجتثت من أرضها، من ذلك ما قاله عن موضع مولد الرسول (ص). وأذكر أنني عندما أديت فريضة الحج سنة 1365هـ / 1946م، سألت بعض أهل مكة عن الموضع، فلم أحظ بجواب حتي هداني الله إلي رجل من أهل العلم رافقني إلي زاوية في شارع قريب من الحرم، حيث تراكمت القمامة، وقال هذا هو الموضع! وأن المبني المقام فيه قد هُدم عند احتلال السعوديين لمكة المكرمة سنة 1343هـ/1925م!!في الحقيقة أن السعوديين قد سبق لهم هدم هذا الموضع فمنذ احتلالهم للحجاز في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي. وبعد إخراجهم من الحجاز من قبل الخديوي (محمد علي) بادر إلي إعادة بنائه، وفقاً لما ذكره الرحالة السويسري (بركهارت) في رحلته، إذ حج عام 1296هـ/1815م، بزعم أنه مسلم (والله أعلم). هذا وقد وصف الرحالة المسلمون المبني وروعته، وما كانت زيارته تبعث في النفوس من المشاعر، ولاسيما لدي الحجاج. وقد ذكره الرحالة الأندلسي ابن جبير الذي حج في أوائل القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي، وذكر في كتاب رحلته (طبعة لايدن ـ 1952م، ص113 ـ 115) إنه من المشاهد المباركة الطاهرة التي هي أول تربة مست جسد النبي الطاهر. وقال: إنه مسجد لم يُر أحفل منه، أكثره من الذهب والموضع الذي سقط فيه الجسم الطاهر محفوف بالفضة إلخ.. وذكر زيارة الناس له متبركين، وخاصة في شهر ربيع الأول وفي أيام الاثنين.2ـ تقع مقبرة (المعلاة) في مكة المكرمة، وفيها دُفنت أم المؤمنين خديجة (رضي الله عنها)، وكانت من المشاهد المهمة التي يقصدها الحجاج لزيارة ما فيها من قبور ولتلاوة الفاتحة عند قبر أمهم، عملاً بالسنة النبوية في الحث علي زيارة القبور، وقد كان قبرها قد بني بما يليق بمقامها. ثم هناك مقبرة (البقيع) في المدينة المنورة التي تضم قبور أكابر المسلمين، ومنهم ابنة الرسول (ص) فاطمة الزهراء، وأخواتها الثلاث (رضي الله عنهن)، وقبر ابراهيم بن النبي (ص) وقد بكي عند دفنه. علاوة علي قبور عدد من أئمة آل البيت كالحسن بن علي وزين العابدين بن الحسين وابنه محمد الباقر وحفيده جعفر الصادق (رضي الله عنهم). وفيها أيضاً قبر الخليفة الشهيد عثمان (رضي الله عنه)، وكثير من الصحابة، علاوة علي قبر الإمام مالك بن أنس، صاحب المذهب، وغيره من عظماء الملمين، حتي كانت تسمي (جنة البقيع). وقد حرص المسلمون في مختلف العصور علي بناء قبورها بشكل يليق بأصحابها، وقد وصفها الرحالون. وفي كتاب الرحلة الحجازية الذي صنفه محمد لبيب البتنوني (وفيه وصف رحلة خديوي مصر للحج في أوائل القرن العشرين الميلادي)، فيه صور فوتوغرافية جميلة لتلك المباني، وكلها هدمت بعد الاحتلال السعودي للمدينة المنورة في سنة 1925، مثلما هدمت قبور المعلاة ومبانيها. وهكذا حرم الحجاج من رؤية تلك المشاهد في المقبرتين، وخاصة أولئك القادمين من أقطار كالعراق وإيران والمغرب حيث تحظي مشاهد ال البيت وغيرهم من عظماء المسلمين بمنتهي الرعاية والعناية.3ـ لا شك أنني ـ ويشاركني فيما أقول كل مسلم ـ أقدّر الجهود التي بذلها السعوديون في إعمار الحرمين، وهذا أمر لا ينكره أحد، سواء اتفق معهم أم عارضهم. حقاً إن الزيادات التي أضيفت إلي المسجدين جعلتهما يتسعان لملايين الحجاج، وتسيير أداء الفرائض فيها. ولكن تلك التوسيعات لم تأخذ بنظر الاعتبار طبيعة المدينتين وما فيهما من مبان تراثية ومواضع تاريخية، كان من الواجب عدم التفريط بها. من ذلك مثلاً (قبة العباس) التي كانت تعلو بئر زمزم، وهي معلم مهم اختص به عم النبي (ص)، وكان ينبغي إبقاؤها احتراماً لمكانة صاحبها. أما بالنسبة لموضع مولد النبي (ص)، فكان بالإمكان تحويله إلي مكتبة حتي إذا بلغته توسعة الحرم أمكن إبقاؤها في بعض أروقته، ويمكن التعامل مع مواقع أخري كدار (الأرقم) الذي اتخذه الرسول (ص) مقراً للدعوة، وما إلي ذلك، وقد ذكره ابن جبير في رحلته (ص113 ـ 115)، وسماه (دار الخيزران)، لأن الخيزران والدة الرشيد (رحمهما الله) اشترته وأوقفته، وقد عده الرحالة من المشاهد التي دأب المسلمون علي زيارتها، إذ كان الموضع الذي كان الرسول (ص) يتعبد فيه سراً مع أصحابه.ومن المشاهد التي ذكرها ابن جبير دار أبي بكر الصديق ودار جعفر الطيار (رضي الله عنهما). كما ذكر مشهداً يزوره المسلمون في جبل أبي ثور القريب من مكة، فيه الغار الذي اختبئ فيه الرسول مع صاحبه أبي بكر، الوارد ذكره في القرآن الكريم (سورة التوبة ـ الآية 40). ويذكر أيضاً ضمن مشاهد مكة (قبة الوحي) وهي في دار خديجة، وفيها تزوج بها النبي (ص)، وفي تلك الدار قبة صغيرة كان فيها مولد فاطمة ومولد الحسن والحسين (رضي الله عنهم). ويقول إنها بنيت (أي القبة) بناء يليق بها. وقد ذكر هذه الدار أيضاً ابن بطوطة ضمن المشاهد التي تزار في مكة في زمنه (في أواسط القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي)، كما ذكر دار أبي بكر الصديق (انظر رحلته ـ طبعة صادرة 1960 ص138 ـ 140). وهذه كلها هدمت وزالت من الوجود.ومما أود ذكره هنا ببالغ التقدير ما فعله الملك فيصل بن عبدالعزيز (رحمه الله) حيث انه منع ـ عند توسعة الحرم الأولي ـ هدم الأروقة المحيطة بالبيت الحرام التي بناها السلطان العثماني، وأمر بأن تبدأ التوسعة وراء تلك الأروقة. هذا وقد كان في الحرم جناح (الزيادة) بحدودها الواضحة، وهي التي أضافها المهدي العباسي، وكانت متميزة في موقعها، لكنها زالت من الوجود، وقد كان حرياً أن تبقي لأنها تؤلف جزءاً مهما في تاريخ عملية تطور بناء الحرم. كذلك كان هناك مقابل باب السلام ـ علي ما أظن ـ مبني ذو أهمية تاريخية يسمي (التكية المصرية) وهي تعود في أصلها إلي العهد المملوكي، وكانت تقوم بمهام كثيرة، إذ هي مأوي للفقراء من المجاورين، كما كانت تستخدم مقراً لبعثات الحج المصري، ومستوصفاً لاستقبال المرضي ومعالجتهم. وقد كان بالإمكان إبقاؤها لتحتل إحدي زوايا التوسعة وتستمر في تأدية مهماتها. وعلاوة علي ذلك كان في الحرم سبع مآذن، ولكل منها تاريخها وطرازها المتميز، وقد ذكرها الرحالة المسلمون، وقد بقيت قائمة إلي ما قبل التوسعة، غير أنها هدمت كلها، مع أنها كانت تقع في بعض زوايا الحرم، ولم يكن في بقائها ما يعرقل زيارة الزائرين أو أداء الصلوات. كذلك كان الحرم يضم عدداً من المكتبات وبعض المدارس القديمة، مثل مدرسة إقبال الترابي أحد قادة الدولة العباسية. وهذه كلها لم يبق لها أثر!!4ـ أما في المدينة المنورة، وهي العاصمة الإسلامية الأولي، فقد ضمت الكثير من المباني التاريخية وقد أشار إليها ابن بطوطة في رحلته (ص134) كمزارات يقصدها المسلمون، ومنها قبر حمزة عم النبي (ص) عند جبل أحد. وقد ذكره الرحالة ابراهيم بن عبدالرحمن الخياري المدني المتوفي سنة 1083هـ (طبعة رجاء السامرائي ببغداد، ص 338 ـ 339)، وقال: إن أهل المدينة المنورة اعتادوا علي زيارته. كذلك ضمن بيوت كبار الصحابة وبعض المساجد، ومنها مسجد الغمامة في (المناخة)، كما كان فيها سور قديم له أبوابه وقد رأيت بعضها سنة 1946، لكنها كلها زالت من الوجود. ويحضرني ذكر مبني خاص هو (مكتبة شيخ الإسلام)، وهي مكتبة أنشأها علي طراز اسلامي جميل، شيخ الاسلام للدولة العثمانية بجانب الحرم، وضمت مئات من المخطوطات النادرة، وكان المبني قائماً بذاته قرب سور الحرم، وكان بالإمكان ضمه بكامل هيكله الي المسجد دون أن يؤثر علي أداء الصلوات، ولكن الهدم كان نصيبه!هذا وقد شهدت المدينة مأثرة مهمة شارك في اقامتها مسلمو العالم استجابة لدعوة السلطان المسلم العظيم عبد الحميد العثماني (رحمه الله)، وهي محطة السكة الحديد التي مدها السلطان ـ كوقف اسلامي ـ واضحت معلما مهما من معالم المدينة، اذ كانت تستقبل قطارات الحجاج القادمين من الشام (ومن ورائها من اقطار المسلمين). ولكن حركة القطار قد تعطلت بسبب التخريب الذي حل بالسكة خلال الحرب العالمية الاولي، غير انه امكن اعادة تعمير قطاعات منها، هي الواقعة في سورية وفلسطين والاردن، ولكن الجزء الاهم الواقع في الحجاز لم يتم تعميره رغم قرارات الجامعة العربية في اول تأسيسها سنة 1944 باعادة تأهيله! كما ان محطة المدينة قد زالت من الوجود، وزال بوجودها معلم تاريخي اسلامي، ولم يشفع لها للبقاء كونها مشيدة علي طراز اسلامي رائع، وبالامكان تحويلها الي متحف!5 ـ ان القول بأن الابقاء علي القبور وعلي المباني التاريخية والعناية بها، فيها شبهة من الشرك، فهو حجة ضعيفة لا يسندها الواقع المعاش، ولا العقل، ولا التصرفات التي يمارسها اهل التحريم انفسهم. واضرب علي ذلك مثلا، وهو ان الحكومة السعودية قد ابقت علي مبني (من الطين لا يحفل بأي ميزة معمارية خاصة) يسمي (المصمك) يقع في مدينة الرياض، وقد انفقت الكثير من المال لصيانته، لمجرد كونه مقر ابن عجلان، عامل ابن رشيد علي الرياض، وان الملك عبد العزيز استهدفه لاجل قتل الاجانب! واقيم علي مقربة منه بناية من الطين ايضا تمثل احدي بوابات سور الرياض. وهذه البوابة بدورها كلفت من المال الشيء الكثير. ثم هناك مبني يقع في قلب الرياض الحالية، يسمي (القصر المربع) وهو الذي كان يقيم فيه الملك عبد العزيز ويتخذه مقرا للحكم. ابقت عليه الحكومة، واستملكت الحي الواسع المحيط به بالكامل، لاجل اقامة متحف يحيط بالقصر المذكور. وهنا انفقت عشرات الملايين علي الاستملاك فقط. ولم يقل احد ان ابقاء المصمك او المربع فيه شبهة من الشرك وما الي ذلك. هذا وان المنطقة التي يقع فيها (المصمك) قد هدمت كلها واعيد بناؤها بما في ذلك جامع الرياض الكبير وقصر الامارة ومبني بلدية الرياض، علاوة علي الاسواق، كلها صممت بشكل لا يمس بالمصمك، لا من قريب ولا من بعيد! وزيادة علي ذلك فان مباني (الدرعية) عاصمة آل سعود الاولي التي خربتها جيوش محمد علي الكبير، استبقيت، وهي تلقي رعاية خاصة من جانب الحكومة، كما هو الحال بالنسبة للمصمك والمربع!6 ـ هناك حقيقة ينبغي ان يتذكرها من يهمه امر المباني التاريخية، ولا سيما السعوديون، وهي بأن الاغلبية الساحقة من المسلمين، وهم بمئات الملايين ـ علي اختلاف مذاهبهم ـ لا يشاركونهم في موقفهم من القبور ومن المباني التاريخية. ففي العراق مثلا عشرات المقابر لآل البيت ومنها مشاهد الامام علي (كرم الله وجهه) وابنائه واحفاده. وقد زار ابن بطوطة مشهد الامام في النجف، ونوه بفخامة بناء المزار الذي سماه (روضة) انظر (رحلته ص 176 ـ 177). كما زار في البصرة مشهدي الزبير وطلحة (رضوان الله عليهما) وقبر حليمة السعدية المرضعة وقبر ابنها رضيع الرسول (ص)، وكذلك قبر الصحابي أبي بكرة، وقبر الحسن البصري ومالك بن دينار (رحمهم الله) وغيرهم (الرحلة ص 187 ـ 188). وفي العراق ايضا قبور عدد من الصحابة مثل سلمان الفارسي وحذيفة بن اليمان (رضي الله عنهما) وقبور كبار الائمة كالامام أبي حنيفة والشيخ عبد القادر الكيلاني وكلها تلقي ما تستحقه من الرعاية والتعظيم. بل وقد كان فيها قبر الامام احمد بن حنبل، الا ان تحول مجري نهر دجلة ادي الي انهياره. بل وفي العراق عدد من قبور الانبياء (عليهم السلام) مثل (شيت ويونس والعزير وذي الكفل)، علاوة علي قبري آدم ونوح اللذين يقعان ضمن ضريح الامام علي (كرم الله وجهه). وقد قام ابن بطولة بزيارة القبور التي اشرت اليها في بغداد، الي جانب قبور عدد من مشايخ الصوفية، مثل السري السقطي وبشر الحافي والجنيد البغدادي. وقال: ان اهل بغداد كانوا يزورونها في كل يوم جمعة، علاوة علي ذكره قبور الخلفاء (الرحلة ص 226 ـ 227).وفي مصر اضرحة لعدد من اهل البيت النبوي الكرام، كما فيها قبر الامام الشافعي (رحمه الله)، وفي لبنان قبر الامام الاوزاعي، وفي مدينة الخليل قبر ابراهيم (عليه السلام). وفي ايران عدد غير قليل عن الاضرحة يتقدمها ضريح الامام علي الرضا بن موسي الكاظم في مشهد، وقبر شقيقته في قم. وقد زار ابن بطوطة مشهدا لاحد ابناء موسي الكاظم في مدينة شيراز (رضي الله عنهم اجمعين) الي جانب زيارته لمشهد احد الصالحين هناك ونوه بقيام الناس بزيارة تلك المشاهد (الرحلة ص 212 ـ 213). وفي تركيا ضريح جليل للصحابي أبي ايوب الانصاري في اسطنبول، علاوة علي مقابر سلاطين بني عثمان العظام الذين نشروا الاسلام بين الملايين ودافعوا عن حوزته لخمسة قرون. وتزخر الهند وباكستان بأضرحة السلاطين، ومثلها اقطار اسيا الوسطي والشمال الافريقي. وقد كان الرحالون المسلمون، كابن بطولة ـ وهو من علماء المسلمين وقضاتهم ـ لا يتحرجون من زيارة المشاهد في البلاد التي يزورونها، بل يعدون ذلك من باب تأدية الواجب، وقد زار ابن بطوطة المشاهد التي مر ذكرها علاوة علي مشاهد مصر ودمشق والقدس (ص 39 و59 و96)، مثلما زار الخياري قبر الشيخ محيي الدين بن عربي في دمشق واشاد بمنزلته (الرحلة ص 135 وما بعدها)، كما زار قبر الصحابي خالد بن الوليد في حمص وقبر ابي يزيد البسطامي (ص 182).لقد وقعت جميع هذه الزيارات ولم يبدر من الزائرين اي علامة يمكن اعتبارها شبهة الشرك قط. في الحقيقة ان الموقف السلبي للسعوديين من القبور والمباني التاريخية ينطوي علي اتهام للمسلمين قاطبة (ما عداهم، هم واتباعهم الاقربون) بالوقوع في شبهة الشرك، وان المسلمين منذ بداية التاريخ الاسلامي حتي يومنا هذا كانوا علي ضلال، وانهم لم يعرفوا الاسلام الصحيح الا علي ايدي الوهابيين، وهذا اتهام خطير. كما ان الموقف السعودي ينطوي علي فرض التفسير الوهابي للاسلام علي المسلمين جميعا، وهو امر غير مقبول، لان الاسلام يقوم علي التعددية، ولولاها لما نشأت المذاهب الاسلامية، ولتجمدت النصوص، وتعطل الاجتهاد، وعندها يفقد الاسلام ميزته الكبري بأنه الدين الذي يصلح لكل زمان، ولكل مكان.7 ـ في الحقيقة ان السعوديين عندما احتلوا الحجاز، اعلنوا بأنهم يعتبرونه قطرا يخص جميع المسلمين، وتعهدوا بأن يديروا شؤونه نيابة عن المسلمين، كأمانة في اعناقهم. وهذا معناه ان يحتفظوا بكل ما كان قائما في الحجاز ويتركوا لاهله ممارسة العبادات حسب مذاهبهم التي اعتادوا عليها والتي اعترفت بها جميع الدول التي توالت علي حكم الحجاز، حتي اقيمت في الحرم المكي، مقامات فيها محاريب خاصة بكل مذهب من المذاهب الاربعة (كان يضاف اليها احيانا مصلي للزيدية)، وان لا يتعرضوا لهم بشيء، ولكنهم سرعان ما فرضوا عليهم المفهوم الوهابي للاسلام، ليس فقط في العبادات، بل وفيما يتعلق بالمباني التاريخية التي بقيت علي مرّ العصور وتداول الدول، مزاراً للحجاج الذين يجدون في رؤيتها نفحات روحية تبعث في نفوسهم مشاعر اسلامية عميقة لا تستطيع الكتب او الروايات الشفوية والمواعظ ان تحدثها، وخاصة في نفوس من لا يحسن القراءة وقد سبقت الاشارة الي ما شهده الرحالة المسلمون في مختلف العهود الي وجود المزارات في مكة والمدينة، وفي غيرها من بلاد المسلمين، وكان المسلمون يقبلون عليها، دون ان يعترض عليهم احد، ويتهمهم بارتكاب تهمة الشرك. ان للمباني دوراً كبيراً في استعادة الذكريات، اذ تساعد من يزورها علي تصور احداث التاريخ، وكأنهم يرونها رؤية العين، وفي ذلك ما فيه من تأثير روحاني عديم المثال.ولي ملاحظة اخيرة تتعلق بالدكتور سامي العنقاوي الوارد ذكره في خاتمة المقال الصحافي موضوع البحث، فأقول: لقد عرفته عند حضوره لمؤتمر عقد في جامعة كامبردج في اوائل السبعينات من القرن الماضي الميلادي، يتعلق بشؤون جزيرة العرب، وقد ألقي العنقاوي محاضرة قيمة مدعمة بصور (فيديو) للمواقع التاريخية التي هُدمت، وتلك المهددة بالهدم، في كل من مكة المكرمة والمدينة المنورة، وقرع ناقوس الخطر الذي تهدد المدينتين وتضمنت اقواله الواردة في نهاية المقال المشار اليه. ويبدو أن صرخاته وتحذيراته لم تجد أذناً صاغية من احد ولكنه قد برأ ذمته.ہ دبلوماسي سابق من العراق8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية