لا مال ولا أمن.. لا مفاوضات ولا مقاومة!

حجم الخط
0

جواد البشيتي

لا مال، ولا أمن.. لا مفاوضات، ولا مقاومة. هذا بعض من جوهر ومحتوي الحال الفلسطينية العامة بعد الفوز الانتخابي لـ حماس، وتأليفها حكومتها الفلسطينية. نقول بعد، أما الضغوط التي يتعرض لها الفلسطينيون من كل حدب وصوب، والتي لا قبل لهم بها، فلا هدف نهائيا لها سوي إنتاج أكثرية شعبية فلسطينية تضيف إلي بعد كلمتي بسبب، و بفضل، فحكومة حماس، أو سلطة حماس، إنما هي تجربة سياسية فلسطينية تراجيدية، أريد لها أن تبدأ ناجحة حتي تنتهي فاشلة بكل ما للفشل من معني في القاموس الفلسطيني. حماس جاءت إلي السلطة معتقدة أنها قاب قوسين أو أدني من إنتاج تجربة فلسطينية جديدة في الجمع بين ثلاثة أشياء هي المقاومة، و السلطة، و الحل، فشرعت الضغوط تُظهر هذا الاعتقاد لـ حماس، وللفلسطينيين عموما، علي أنه الوهم الخالص والقاتل والمدمِّر. اعتقدت حماس أن إنجازها الأول سيكون في قضية التمثيل الفلسطيني، فالنتائج الانتخابية ستذلل العقبات من طريق تحولها من حكومة إلي سلطة كاملة، ومن حركة غير ممثلة في منظمة التحرير الفلسطينية إلي مركز التمثيل السياسي والشرعي للشعب الفلسطيني بأسره، وستضطر العالم إلي أن يعاملها علي أنها المرجعية العليا للشعب الفلسطيني. وأحسب أن حماس استصغرت احتمال تجميد، أو وقف، المساعدة المالية الدولية للسلطة الفلسطينية لسببين: أن المجتمع الدولي لن يجرؤ، أخلاقيا علي الأقل، علي معاقبة الفلسطينيين علي ذنب أخذهم بالخيار الديمقراطي في جانبه الانتخابي، ولن يجرؤ سياسيا علي قطع الرواتب عن نحو 160 ألف موظف فلسطيني غالبيتهم من حركة فتح التي يقودها رئيس السلطة محمود عباس. وكان ينبغي لـ حماس أن تدرك أن هذا الاحتمال الذي استبعدته هو الاحتمال الذي تقتضي لعبة إفراغ بالون الشعبية التي تحظي بها الحركة من معظم ما فيه من هواء بتحويله، سريعا، إلي واقع. حماس اعتقدت أن لديها من الذخيرة السياسية ما يمكِّنها من أن تقف من الحلول الممكنة سياسيا وعمليا مواقف لا تتعارض، أو لا تتعارض كثيرا، مع استمرار استمساكها بما تسميه الثوابت الفلسطينية، فحكومة اولمرت قد تنفرد بحل في الضفة الغربية يشبه كثيرا الحل الذي انفردت به حكومة شارون في قطاع غزة. وفي هذه الحال، ليس من سبب يدعو حماس إلي التنازل عن أي من تلك الثوابت، فاستمرار التهدئة، أي الوقف المؤقت لأعمال المقاومة العسكرية، يكفي. أما إذا أرادت إسرائيل حلا نهائيا عبر التفاوض فـ حماس يمكنها أن تلبي شرطا أمنيا فحسب هو الهدنة طويلة الأجل (عشر سنوات مثلا) إذا ما جاء الحل النهائي التفاوضي مستوفيا لشروطها السياسية في هذا الصدد.

كانت حماس تدرك أن حلا نهائيا تفاوضيا كهذا هو المستحيل بعينه، ولكنها اعتقدت، أي توهمت، أن الحل الأحادي في الضفة الغربية، والذي يتوفر اولمرت علي إعداده والتهيئة له، سيعطيها من مقومات السلطة ما يكفيها الشر الإيديولوجي لحل عبر التفاوض مع إسرائيل.

لقد اختارت حماس أن تنتظر تنفيذ خطة الانطواء حتي تعلن تحرير أجزاء من الضفة الغربية بعد تحرير قطاع غزة، مفترِضة أن حكومة اولمرت لا تعتزم بيع الخطة لها، فإذا اعتزمت بيعها فإن حماس لن تشتريها منها إلا بثمن بخس هو زيادة وتوسيع التهدئة.

وهذا الانتظار اقترن، كما ذكرنا، باستصغار حماس لاحتمال تعرُّض الفلسطينيين لضغوط مالية واقتصادية تحبل بكارثة إنسانية كبري. وربما اقترن هذا الاستصغار بتضخيم احتمال أن تنجح حكومة حماس في جلب مزيد المساعدات المالية وغير المالية للفلسطينيين.

أما ما كانت تخشاه حماس فهو الفشل الأمني لحكومتها، أي فشلها في درء المخاطر الداخلية عن الأمن الشخصي للمواطن الفلسطيني، الذي اشتدت حاجته إلي قوة أمنية تمنع الاعتداء عليه وعلي أمواله الثابتة والمنقولة.

وفي اشتداد هذه الحاجة قررت حكومة حماس أن تستثمر جهـــــدا سياسيا وأمنيا كبيرا لعلها تثبت للمواطن الفلسطيني أنها نجحت أمنيا، وبهذا المعني للأمن، حيث فشلت، أو عجزت، القوي والأجهزة الأمنية الخاضعة لسلطة الرئاسة الفلسطينية، وحركة فتح. وكان ممكنا أن ترد حماس علي من ينتقدها لتوقفها عن المقاومة العسكرية قائلة: لقد نجحنا في توطيد الأمن الداخلي، وفي مكافحة الفساد، وفي تحسين عيش المواطن الفلسطيني، وفي إنجاز التحرير الثاني، الذي تصفه إسرائيل بأنه تنفيذ لخطة اولمرت في الضفة الغربية، وفي أن نقيم الدليل علي أن كل تلك الإنجازات ممكنة حتي من غير تنازل عن الثوابت.

كان الخيار الذي أخـــذت به حماس من غير أن تعلن ذلك رسمـــــيا هو لا مقاومــــة ولا مفاوضات، معتقدة أن الأخذ به سيعود عليها، وعلي الفلسطينيين، بالنفع والفائدة. ولكن الخيار المضاد، وهو خيار لا مال ولا أمن، ســــرعان ما أخذ يُظهر خيار حمــــاس ذاك علي أنه الطريق إلي كارثة فلسطينية إنسانية واقتصادية وسياسية.

ولا شك في أن تحول الخيارين إلي خيار واحد هو خيار لا مقاومة، ولا مفاوضات.. لا مال ولا أمن قد جعل حماس، حركة وحكومة، في أزمة يصعب تخطيها إلا بطرائق وأساليب ووسائل تلحق ضررا كبيرا بالمصالح العليا للشعب الفلسطيني. من ذلك، أي من تلك الطرائق والأساليب والوسائل، كان قرار وزير الداخلية في حكومة حماس نشر تلك القوة الأمنية التي أنشأها، والتي وصفها بأنها قوة مؤازرة ومساندة للشرطة وللقوي الأمنية الرسمية في عملها، وكان اضطرار حماس إلي تهريب نحو مليون دولار إلي قطاع غزة عبر معبر رفح بحقيبة المتحدث باسم الحركة.

في قرار وزير داخليتها أرادت حكومة حماس أن تقول للفلسطينيين إن هناك من يسعي في سبيل جعل الفلسطينيين ينظرون إليها علي أنها فاشلة حتي في منع الاعتداء علي الأمن الشخصي للمواطن الفلسطيني، وإن من يعترض علي نشر تلك القوة الأمنية له مصلحة فئوية ضيقة في اتخاذ الانهيار الأمني وسيلة لتأليب الفلسطينيين علي حكومة حماس. وفي محاولة التهريب أرادت أن تقول إنها لن تألو جهدا في سبـــيل الإتيان، ولو بقليل من المال، للأسري وذويهم. ولكن الحجــــة المضادة أكثر وجاهة، فمعبر رفــــح يمكن أن يتعرَّض لما تعرَّض له السجن في أريحا، فالمراقبون الأوربيون كان يمكن أن يغادروا المعبر بدعوي أن أموالا لدعم الإرهاب تُهرَّب عبر المعبر، فتتخذ إسرائيل هذا الرد المحتمل ذريعة لعــــمل يؤدي إلي إغلاقه مع ما يترتب علي ذلك من إضرار بمصلحة فلسطينية عامة كبري.

إن الواقع الفلسطيني الآن يتحدي حماس علي أن تنجِز من التغيير الداخلي، أي التغيير في داخلها، ما يسمح لهـــا بالاحتفاظ بالثابت الأهم وهو اشتقاق السياسة من المصالح والحاجات الحقيقية والواقعية للفلسطينيين، فـ الفشل يتأتي من هوَّة تتسع ولا تضيق بين المبادئ و العالم الواقعي للسياسة، الذي ما أن نضرب صفحا عن حقائقه المرة حتي تحل المأساة التي هي في المقام الأول من صنع ضحيتها. علي أن النجاح في ذلك لن يصبح في متناول اليد إلا إذا كانت يدا تملك من قوة البصر والبصيرة ما يمكِّنها من أن تري دائما تلك الشعرة التي تفصل بين الانهزامية و الواقعية! ہ كاتب ومحلل سياسي فلسطيني ـ الاردن8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية