نقد الصنيع الفني، خيال الكتابة: الطريق الي التهلكة يبدأ من موعظة خفية

حجم الخط
0

نقد الصنيع الفني، خيال الكتابة: الطريق الي التهلكة يبدأ من موعظة خفية

فاروق يوسفنقد الصنيع الفني، خيال الكتابة: الطريق الي التهلكة يبدأ من موعظة خفيةهل كان شارل بودلير، يفكر في الرسم من جهة صلته بالشعر؟ في المقابل فان تحول هربرت ريد الي النقد وعزوفه عن الشعر الذي كان الهام شبابه انما يشير الي انتصار موهبة علي أخري. كان بودلير يكابد الرسم، لكن ضمن محيطه الشخصي، بتواضع الشأن الخاص، علي العكس من هنري ميشو، الذي هو حالة نادرة في التاريخ الثقافي. فقد كان رساما طليعيا بحجم ماكان عليه في الشعر. درايته في الرسم لا تزال تؤسس لحيرة من نوع استثنائي، ذلك لانها فتحت واحدا من أهم الطرق التي تقود إلي هاوية ما هو لامرئي من انفعالنا بالرسم. فالتبقيعية ليست انجازا يسيرا، يمكن العبور به، اختراقها قد غير اشياء كثيرة في مفاهيم عصرنا الجمالية. كما يقال عادة في وصف لحظات المعجزة: لم يعد الرسم بعد التبقيعية مثلما كان قبلها. تحول بهذا الحجم صنعه شاعر، لكن الرسام منه وفيه هو في الحقيقة من صنع ذلك التحول. هل يمكننا أن نكون علي يقين من ذلك الانفصال؟ لا بالتأكيد. غير أن ميشو يبقي كما قلت حالة فريدة في تاريخنا الفني المعاصر. في عصر النهضة كان هناك مايكل انجلو الذي كتب الشعر وهناك ليوناردوا دافنشي الذي كان موهوبا في شؤون كثيرة غير الرسم، منها العمارة وفن القص. بودلير وجد ما يسليه في صفة ناقد لتضاف إلي صفته الأولي شاعرا. وجاء غيوم ابولينير من بعده ليكرس هذا الوهم. الاول صاغ مصطلح الحداثة وهو الذي كان معجبا برومانسية (ديلاكروا) اما الثاني فقد وهبنا (التكعيبية)، وحشا لفظيا لم يكن ليخطر في أذهان مخترعيها، اصدقائه: براك وغري وبيكاسو. العمر القصير الذي عاشه ابولينير لم يتح له فرصة للكشف عن كل مواهبه اللعينة، غير أن حراكه الثقافي يجعله نوعا من انتونان ارتو، المجنون بتنوعه الخلاق، أو منافسا لجان كوكتو في تحذلقه المشع واناقته المتمردة. إلي عام 1984 كان ميشو لا يزال حيا، ومع ذلك فقد شكل اعلان موته صدمة للكثيرين، ممن اعتقدوا أن الرجل كان ميتا قبل هذا الوقت بكثير. كانت معجزاته الصغيرة، أوراقه المرسومة بالحبر الصيني هي السبب في ذلك الاعتقاد. لقد سبقت تلك الاوراق الصغيرة صانعها إلي الخلود.2الكتابة وهم أما الرسم فهو حقيقة. لا يزال هناك من بيننا من تعتقله الصورة في معان بعينها، فينشئ بينه وبينها جسرا من بلاغة يابانية، لا يشقيه خفاؤها بل تسليه شفافيتها. ولع استعراضي هو أشبه بذلك التعلق المريض (عربيا بالطبع) بقصائد الـ(هايكو)، ذلك النوع الشعري الذي ظلمناه كثيرا، حين اقتلعناه من جذوره ولم نسع الي النظر إلي ما يحيطه من تقاليد تأملية، هي جزء من حساسية دينية وجمالية غامضة. الصورة في الشعر هي غيرها في الرسم، وهي علي العموم في الفنون الجديدة لا تحضر إلا مجردة من محتواها القديم. هي مصطلح بات اليوم عار من الدقة بل وبعيدا عن المثالية التي يرجوها الشعر كما الرسم. ذلك لأنها لم تعد حكرا علي ما يري، هي موجودة ولكن في مكان آخر، مكان بعيد عن مساحة العرض الفني المحددة. علي سبيل المثال فان فن المفاهيم لا يعير الصورة كما نعرفها (مجموعة من التلاقيات الشكلية) أي أهتمام يذكر، إلي جانبه فان الفن التقليلي يذهب به زهده بالتفاصيل إلي درجة الغاء كل ما يمكن أن يحيلنا إلي شيء يقع خارج تلك السطوح، احادية اللون ولا يملأ أبصارنا إلا بانفعال وتوتر، هما غاية في التجريد الذهني والعاطفي. لم تعد الصورة كما عرفها دالي أو ماغريت في رسومهما ممكنة الان. بالاحري لم يعد الصنيع الفني قابلا لردة الفعل الأدبية. إن معرفة ذلك الصنيع اليوم يعجز الوصف البصري عن احتكارها. هناك موعظة جمال جديد تقيم في مكان، هو في منأي عن الدراية في الوصف، هي الميزان الحقيقي الذي يهب الكتابة علي الفن قيمتها.3ولكن لماذا نكتب علي الفن؟ أمن أجل توضيحه للعامة وهل العامة تقرأ وهي التي لم تر الأعمال الفنية ولا يهمها مصيرها؟ في هذا الامر هناك مفارقة غير سارة نضطر الي الاعتراف بها: قراء النقد الفني هم في غالبيتهم من الفنانين. هناك سواهم من قراء الصدفة، ولكن هؤلاء القراء غالبا ما لا يعثرون في تلك الكتابات علي ضالتهم، لذلك يضجرون. اما الفنانون فلهم غايات أخري. فاذا نحينا الاطماع الاعلامية (وهي جزء من حق النرجسية الباذخة لدي كل فنان)، فان الفنان بعد أن صار عمله الفني مستقلا عنه يبحث في تأملات الآخرين عن ثغرة تقوده إلي الهام العين المستقلة، عين الناقد الخبيرة التي لم تبتزها العاطفة، ولم تشتبك بالعمل الفني من جهة نفعيته النفسية المباشرة. فالصنيع الفني هو حاجة الفنان الي أن يكون موجودا، اما حين ينجزه فان شعوره بذلك الوجود يعود إلي نقطة الصفر التي بدأ منها. لذلك نراه يتطلع بفضول إلي ما يمكن أن يستخرجه الآخرون من أعماق العمل الفني من أسرار. احيانا يتبع الفنان أثر خطوات الناقد، من غير أن يتحلي بالجرأة علي الاعتراف بذلك. الحقيقة ما من أحد في حاجة الي هذا الاعتراف، حتي الناقد، والذي هو في حيرة من امره. ولكن حقا لماذا نكتب علي العمل الفني؟ أمن أجل الفنان، كما اوردنا؟ هذه فرية وتهمة في الوقت نفسه، فالناقد الحقيقي لا يجد في الترويج مهمة تليق به، وهو لا يأمل في أن يقرأه الفنان. الكتابة هي الأخري حاجة. يبدأ ميشيل فوكو كتابه (الكلمات والاشياء) بتعليق فريد من نوعه علي أحدي لوحات فيلاسكس، ذلك التعليق دفع الكثير من الفنانين العرب الي قراءة كتاب لم يفهموا منه في النهاية شيئا. حاجة الرسام الي الرسم تقابلها حاجة الكاتب الي الكتابة. وإذا ما كان الكاتب يبدأ من حيث انتهي الرسام، فان اشتباك بداية أحدهما بنهاية الآخر انما يدعونا إلي تأمل علاقة تستمد قوتها من الهام خفي، لا يعنيه ابدا ما يخلفه بقدر ما يتطلع إلي الجهة التي تشهد اشراقه.4لا يأمل الناقد في أن يكون رساما (هناك حالات يمتزج الرسام فيها بالناقد مثلما هي حال أسعد عرابي علي سبيل المثال، وهي حال نادرة علي العموم). يري الناقد من الصنيع الفني ما يؤهله لكي يكون فصيحا في احتكامه الي ذائقته الجمالية، وهي ذائقة متشعبة يشوبها في أحيان كثيرة قدر من المرارة. يأس الناقد هو مدعاة لفخر الرسامين. اما اذا كان الناقد متفائلا فلابد أن يكون تفاؤله ذلك سببا في وقوعه في سوء فهم، قد يعجل في القضاء علي امكانية أن يكون مقروءا. اعتقد أن هناك رساما كبيرا في اعماق كل ناقد حقيقي للفن، وهو رسام فضل التعلم علي التعليم. وهو الموقع الذي لا يرتاده كثير ممن يجدون يسرا في الرسم. قد يكون الناقد (هو الوحيد بعد الرسامين الحقيقين طبعا) من يشعر أن الرسم صعب، وأن الصنيع الفني لا ينتج إلا عن عذاب عظيم. لذلك يمكنني القول أن الناقد يشارك الفنان شعوره القلق، إذ يقف الاثنان معا علي الحافة في الطريق إلي الهاوية. شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية