الحملة ضدّ المثقفين السوريين: حين يصبح البوق سوط الجهاز!

حجم الخط
0

الحملة ضدّ المثقفين السوريين: حين يصبح البوق سوط الجهاز!

صبحي حديديالحملة ضدّ المثقفين السوريين: حين يصبح البوق سوط الجهاز!ما لا ترتكبه السلطات الأمنية السورية، أو ما تؤجّل ارتكابه إلي حين لأسباب شتي، يستكمله زبانية هذه الأجهزة في مختلف قطاعات السلطة، الحزبية البعثية منها، أو الحزبية علي مستوي التنظيمات والزمر السياسية الحليفة للسلطة (أي المشتغلة عند أجهزتها، بثمن بخس تارة، وتطوّعاً طوراً)، أو أبواق الإعلام الرسمي وشبه الرسمي والعميل (وهو الأسوأ والأكثر بذاءة وانحطاطاً)، هنا وهناك حيثما وكيفما توفّر الإرتزاق والإنتهاز والتكسّب والتزلّف.خذوا، في آخر الأمثلة، تلك الرثاثة الفاقعة، الفاضحة المثيرة للاشمئزاز، في الحملة التي شنّها الممثل السوري زهير عبد الكريم (مخرج مسرحية قيام جلوس سكوت ، التي ليست البتة أقلّ رثاثة وإسفافاً وسطحية)، ضدّ ياسين الحاج صالح، المناضل السوري (16 سنة في زنازين النظام)، والكاتب السياسي اللامع، وأحد أنقي المعبّرين عن الوجدان السوري الراهن، وبين القلّة الأكثر رصانة وعمقاً وشجاعة. الزميل راشد عيسي نقل، في صحيفة السفير اللبنانية، بعض شناعات تلك الحملة كما نطق بها عبد الكريم ضدّ الحاج صالح في برنامج خاصّ عن الشاعر الكبير الراحل محمد الماغوط، علي فضائية الحرّة . إليكم هذه العيّنات: ـ يمهّد عبد الكريم بتوصيف نفسه هكذا: مثقف ، و فنان ، و بعثي ، و يحبّ الأمن .. بل يموت بضباط الأمن ، وجاء للتوّ من عند رستم غزالي، بعد أن أعلمه بأنه سيظهر علي الحرّة .ـ وحين يسوق جوزيف عيساوي، معدّ البرنامج، نقد الحاج صالح للمسرحية، قائلاً: يقول مواطنك… ، يقاطعه عبد الكريم: هذا إذا كان مواطني . لقد جاء الفنّان البعثي من مكتب غزالي لتوّه، وليس عجيباً أن يأنس في لسانه وعضلاته ـ قبل دماغه، كما ينبغي القول ـ قوّة إسقاط المواطنة عن الحاج صالح!ـ ويسعي عيساوي إلي إنصاف الحاج صالح في حقيقة واحدة علي الأقلّ، ساطعة بيّنة: لقد أكل السجن من لحمه ، فيردّ عبد الكريم علي دفعتين: ثمّ أكل ما أكل أوّلاً، و بيعمل حالو معارض ثانياً. ولأنه البعثيّ الفنّان، لا فُضّ فوه لكلّ بعثيّ فنّان، فقد استولي عليه التماهي بين الزنزانة التي تأكل لحم السجين، وبين الأكل بمعني البلع والنهب والفساد والمال، فاستعاد ما كان وزير الإعلام السوري السابق مهدي دخل الله قد هرف به، حول آلاف الدولارات التي يقبضها السوريون كتّاب النهار اللبنانية و القدس العربي اللندنية و السياسة الكويتية! الأرجح أنّ عبد الكريم استهدي، كذلك، بالفتوي التي أصدرها فايز الصايغ (القائد الطبيعيّ للبعثيين الفنّانين، بوصفه المدير العامّ للإذاعة والتلفزيون)، والتي اعتبرت أنه لا معارضة في سورية إلا تلك المعارضة النظيفة داخل صفوف حزب البعث، حصراً!خلاصة أخري لهذه الحملة اللفظية البذيئة ـ وتحديداً لأنّ حملة الاعتقالات الأخيرة كانت وتظلّ تستهدف تفريغ الحراك السياسي السوري من نشطائه المثقفين أوّلاً، ريثما يتمّ استكمال سيرورات إعادة المجتمع في عهد بشار الأسد إلي أطوار الصمت التي كان عليها في عقود أبيه حافظ الأسد ـ يمكن أن تفيد التالي: إنّ استثناء أمثال الحاج صالح من حملة الإعتقالات الأخيرة قد يكون طرازاً من الإعتقال مع وقف التنفيذ، إلي حين فقط، أو إلي أن يستقرّ تخبّط النظام علي سياسة قمعية من نوع ما، ذات ناظم ما حول غائية الإعتقال، ومعيار ما حول هوية المعتقل. الأمر الذي لا يحول، بل ينبغي أن لا يحول أبداً، دون تأثيم أمثال الحاج صالح في مواقع أخري، وعلي يد مشتغلين لصالح أجهزة حزبية أو إعلامية لا تدور مسنناتها إلا إذا ارتوت من زيت الأجهزة الأمّ، الأمنية.وكما ترتدّ السياسات الأمنية إلي سابق عهدها، فيلوح أنّ ما تبدّل حقاً هو حلول آصف شوكت محلّ علي دوبا، وعلي مملوك محلّ بشير النجار أو ماجد سعيد أو هشام بختيار، وفؤاد ناصيف خير بك محلّ عمّه محمد ناصيف خير بك، ومحمد منصورة محلّ غازي كنعان، وهذا الأخير محلّ عدنان بدر حسن… فإنّ السياسة تجاه المثقفين ترتدّ إلي ما قبل المناخات الديماغوجية الغوغائية التي سوّقت توريث بشار الأسد تحت أقنعة الترويج لصورة الرئيس المثقف وصورة الرئيس الشاب . اليوم تبدو السلطة، والرئاسة بالذات، غير بعيدة عن المقاربة القديمة ـ المتجددة، التي تخوّن المثقف المعارض وتصنّفه مباشرة في خانة العميل للاجنبي، وقابض الفلوس من السفارات، حسب تعبير وزير الإعلام السوري الأسبق عدنان عمران. وفي المقابل، لا مناص للمثقف ـ البوق الموالي للسلطة من أن يصبح سوطاً نائباً عن الأجهزة.وبذلك، لعلّ من الأخير أن نرتدّ بهذه المقاربة إلي تجلياتها المبكرة الأولي في عهد الأسد الابن، كما عبّر عنها الأخير شخصياً في حديث شهير إلي صحيفة الشرق الأوسط اللندنية مطلع العام 2001، وكانت ستة اشهر قد انقضت بالكاد علي أدائه القسم إثر انتخابه بنسبة 97.29، في مهزلة أخري من سلسلة المهازل الإنتخابية التي طبعت الحركة التصحيحية منذ العام 1970. ونتذكّر أنّ الأسد بدأ بتسفيه آراء وزير إعلامه حول معني العمالة، قبل أن ينساق بنفسه إلي ما هو أدهي: في كلّ المجتمعات هناك الأبيض وهناك الأسود وهناك حسنو النيّة وسيئو النية ، وبذلك لا نستطيع أن نقول إننا أمام حالة مطلقة. هل يمكن أن نقول بأنّ كلّ الناس عملاء؟ هذا مستحيل. هل يمكن أن نقول إنّ كلّ من يطرح فكرة ظاهرها إيجابي هو وطني؟ أيضاً هذا مستحيل .ولقد اعتبر الأسد أنّ أفعال هؤلاء المثقفين (وهي، في كلّ حال، لم تتعدّ البيانات وارتياد المنتديات) إنما تمسّ الإستقرار علي مستوي الوطن ، ثمّ اختار للأمر احتمالين: أن يكون الفاعل عميلاً يخرّب لصالح دولة ما أو أن يكون جاهلاً ويخرّب من دون قصد ، وجزم حول النتيجة: أنّ الإنسان في كلتا الحالتين يخدم أعداء بلده . والحال أنّ حكم الوزير كان أرحم من حكم رئيسه، لا لشيء إلا لأنّ الرأي الأول يندرج في باب الإطلاق والتعميم والتجريم، فالكلّ عملاء، والكلّ يقبض، وكفي بهذا معياراً! أمّا في الحكم الثاني فإنّ المثقف الذي يطالب بالتغيير لا يقوم بما هو أقلّ من المسّ بالعجل الذهبي المقدّس الذي يُدعي الإستقرار ، ولهذا فإنه مثقف ينتمي إلي فئة الأسود” استطراداً، سواء أكان عميلاً عن عمد أم جاهلاً عن غير قصد. أين حسنو النيّة والحال هذه؟ أين فئة الأبيض ؟ وأين شعار التغيير إذا كانّ مسّ الإستقرار يستدعي كلّ هذا التجريم؟كذلك لجأ الأسد إلي ما أسميناه، آنذاك، بمداواة المثقفين بما كان هو الداء… في ظنّه، بالطبع! ولقد سأل، في التعقيب علي بيانات المثقفين: أنا لا أعرف من هم هؤلاء الأشخاص الذين سمّوا أنفسهم المثقفين. هل هم مثقفون فعلاً أم ماذا؟ لا توجد لديّ معلومات . كان ذلك التصريح مدهشاً من رئيس أحاط نفسه، منذ انطلاق سيرورة توريثه، برهط من المثقفين والتكنوقراط غير البعثيين إجمالاً، ممّن شكّلوا مجموعة الـ 18 ، أو الـ G ـ 18 حسب تعبير الكاتب الأمريكي المنافق فلنت ليفريت، من أمثال ماهر المجتهد، علي كنعان (وهو، بالطبع، شخص آخر غير الشاعر المعروف المقيم في الإمارات)، نبيل سكر، سمير سعيفان، رياض الأبرش، سامي الخيمي، غسان الرفاعي، وعصام الزعيم… هذا فضلاً عن بعض المثقفين المنتمين تاريخياً إلي اليسار!وكان من غير المعقول أنّ الأسد يقصد القول إنه لا يعرف هؤلاء معرفة شخصية، إذْ لماذا يتوجّب أن يعرفهم علي هذا الصعيد أوّلاً، ولماذا يتوجّب أن تعرفهم الرئاسة لكي يصبح مُجازاً لهم أن يصدروا بياناتهم؟ كذلك كان من غير المعقول أنه لا يعرف مَن هم، أيّ ماذا يمثّلون اجتماعياً وسياسياً وثقافياً ومعرفياً، إذْ كيف له ـ وهو المثقف و الشابّ أن لا يعرف مَن هو أنطون مقدسي، أو عارف دليلة، أو ميشيل كيلو، أو عبد الرحمن منيف، أو أدونيس، أو ممدوح عدوان، أو علي الجندي، أو نائلة الأطرش… لكي نختار حفنة من موقّعي بيان الـ 99؟ وكيف يمكن لرئيس شاب، يعلن نيّة التغيير والتطوير، أن لا يعرف صفوة مثقفي بلده؟والحال أنّ الأسد كان يعرف معظم مثقفي سورية من موقّعي البيانات وناشطي المنتديات ولجان إحياء المجتمع المدني، وما كان يقصده من إنكار في التساؤل، مَن هؤلاء؟ ، لم يكن يخصّ الهوية والموقع والمعرفة الشخصية، بل يتناول جوهرياً القول إنهم مجرّد نكرات: مَن هؤلاء؟ ما قيمتهم؟ ما أهمية ما يقولون ويكتبون؟ ذلك لأنه، وفي الفقرة التالية مباشرة، يذهب إلي التشكيك حتي في تعريف المثقف كما يمكن أن يحمله أصحابنا، فيسأل، ليس دون النبرة الأكاديمية المعتادة: لكن ما هو المقصود بكلمة مثقف؟ هي كلمة عامة إلي حدّ ما. هل من يطّلع علي مواضيع مختلفة هو مثقف؟ هل صاحب الشهادة العلمية هو مثقف؟ هل من يقرأ كتباً كثيرة هو مثقف؟ هل من يكتب الشعر أو القصة أو الرواية أو يعمل في الصحافة هو مثقف؟ هي كلمة غير واضحة الحدود. وعلي كلّ حال هذا التصنيف غير معتمد بالنسبة لي !وكان الأسد يعلم أنّ هاجس مثقفي سورية، في تلك الأيام كما هي الحال اليوم أيضاً، لم يكن التوافق حول تعريفات المثقف، بل حول تعريفات الحقّ والحرّية والقانون، وحول الإجتماع والسياسة والإقتصاد والثقافة، وحول الإنضمام إلي عالم أخذت فيه الأنظمة الشمولية الدكتاتورية تنقرض واحدة تلو أخري، وحول ضرورة إحداث تغيير ديمقراطي جوهري في حياة البلاد، وحول الماضي والحاضر والمستقبل. لكنّ تركيزه علي تعريف المثقف، بدل مناقشة آراء المثقفين وفحوي بياناتهم، لم يكن يُراد منه ممارسة الرياضة الأكاديمية وحدها، بل صياغة تعريف المثقف كما تعتمده فلسفة الرئاسة. هنالك نوعان من الأشخاص، قال الأسد: شخص يفكّر ويخرج بنتائج ضارّة للوطن ، و شخص يفكّر ويخرج بنتائج مفيدة للوطن هكذا، باختصار شديد. ولأنّه لم يضرب مثلاً علي أيّ من الشخصين، فقد كان منطقياً أن يشغل أنطون مقدسي (آنذاك، واليوم ميشيل كيلو مثلاً) موقع النمط الأوّل، وأن يشغل علي عقلة عرسان (آنذاك، واليوم فايز الصايغ مثلاً) موقع النمط الثاني: الأوّل طالب بتحويل سورية من قطيع إلي شعب، والثاني طالب بتحويل المثقفين من بشر إلي سائمة. وما تفعله اليوم حملات الأجهزة الأمنية ضدّ المثقفين السوريين، بما تنطوي عليه تلك الحملات من تكليف بأدوار تشهيرية تلفيقية ديماغوجية يقوم بها رهط الإعلاميين الكذبة والحلفاء الإنتهازيين والأبواق المسترزقة، ليس أقلّ من إعادة تفعيل لذلك الخيار الهادف إلي مسخ مثقفي سورية علي هيئة فايز الصايغ، أو ربما استنساخ عبقريته أينما كُتبت جملة أو طُبع سطر أو قيلت كلمة في سورية. ولا نجزم أنّ أمثال زهير عبد الكريم يمكن أن يرتقوا (أي: أن يُمسخوا) في عداد تلك السيرورة، إذْ يصحّ القول إنّ مراتب السلطة تضع هذا العاشق لأجهزة الإستخبارات، المتيّم بشخص العميد رستم غزالي، في منزلة أدني… أدني بما لا يُقارن بأيّة سوية متدنية!9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية