اولمرت كان يعتقد أنه سيسحر الامريكيين بخطة الانطواء لكنه فهم هناك أنهم غير مقتنعين بأنها ستضع حدا للنزاع
عليه الان القلق من احتمال ان يقوم بوش باستقبال رئيس وزراء اسرائيلي آخر خلال فترة ولايته الحاليةاولمرت كان يعتقد أنه سيسحر الامريكيين بخطة الانطواء لكنه فهم هناك أنهم غير مقتنعين بأنها ستضع حدا للنزاع كانت ساعة واربعين دقيقة تاريخية لرئيس الوزراء ايهود اولمرت، التي جلس فيها مع الرئيس الامريكي جورج بوش في ذلك الاجتماع المنفرد، فقد جلس في المكان المعروف بـ شرفة هاري ترومان ، وكم كان مسرورا لاجتيازه تلك التجربة الهامة، حيث نجح في ذلك الامتحان التاريخي، ووصل الي هناك كرئيس للوزراء وحاول قدر الامكان استغلال تلك اللحظات التاريخية خير استغلال، وظهر بمظهر الشخص الهام الذي يعرف معني وقيمة تلك الدقائق، لذلك اجتاز اختبارها بنجاح كما يعتقد، مع أن اولمرت يعرف تماما أن ترومان عندما جلس هناك في يوم من الايام عرف كيف ينهي الحرب (الحرب العالمية الثانية) باستعمال القنبلة النووية التي ألقاها علي اليابان، ليخرج منتصرا، بينما هو لا يستطيع فعل ذلك، لكنه ربما يريد من غيره أن يفعل ذلك، وقنبلته الوحيدة هي التي سيستعملها مع الفلسطينيين، واسمها الانطواء .لقد جلسا هناك وتحادثا مطولا، ووصف اولمرت المحادثة فيما بعد بأنها محادثة اشتملت علي كل شيء، تحدثنا عن كل المواضيع التي تهم العالم، وأنا أعتز كثيرا بالرئيس، هذا كان لقاء مذهلا، أنا أُقدر الرئيس كثيرا، وقد خرجت من ذلك اللقاء بشعور ممتاز للغاية .لقد كانت تلك هي الزيارة الاولي لاولمرت، والاجتماع الاول من نوعه مع الرئيس بوش، الذي تُنسج فيه كيمياء العلاقة التي سيُبني عليها الكثير مستقبلا، فقد كانت دقات الساعة الشهيرة تصل الي مسامع الجالسين في تلك الغرفة الوردية، كانت تدق قريبا حيث كان اعضاء الوفدين بانتظار انتهاء المحادثة الخاصة، الكل ينتظر، كونداليسا رايس وجماعتها، يورام توربوفيتش وجماعته، كلهم كانوا يعرفون أن مستقبل العلاقات بين الرجلين، بين الدولتين، يُرسم ويتحدد في تلك الغرفة، في ذلك الاجتماع، ومستقبل الشرق، ومستقبل السلام يجري رسمه في ذلك الوقت بين الرئيسين. لقد فعل الامريكيون كل ما يلزم لإنجاح ذلك، والطقس ساعدهم، إلا أن الحق يُقال أنه لا يتم لقاء كهذا، الاول من نوعه مع رئيس وزراء جديد يأتي الي واشنطن، إلا وتكون استعدادات اللقاء معه في ذروتها، إلا أن ذلك لا يُتوه أحدا عاقلا، فامريكا مثلها مثل اولمرت، لا تعرف متي سيأتي الصعب في هذه العلاقة.صحيح أن الرئيس بوش قد فتح لاولمرت الباب، لكنه لم يسمح له بالدخول قبل أن يتعهد بشيء معين يريده منه، وحسب تعبيرات اولمرت فقد نجح باجتياز البدايات اللازمة للمشاركة في المونديال، ولكنه يعرف انه قد يتلقي الصدمة منذ المباراة الاولي، ولا يصعد الي أي مباراة اخري. فأفكار رئيس الوزراء كما وصفها بوش جريئة و قيّمة ، لكنه لم يصفها بأنها حكيمة أو صحيحة أو مناسبة للمنطقة .فالجندي الذي يقفز من الطائرة في الظلام يعتبر جريئا ، ومن يعرف الامريكيين يفهم أنهم لم يعتادوا أن يقولوا لأحد قدم أفكارا بأن أفكاره غبية .اذا ما قال لك الامريكيون أن أفكارك مهمة ، عليك أن تفهم بأن لديك مشكلة، واذا قالوا لك بأن أفكارك جريئة ، فاعلم أنك أنت واقتراحاتك في مشكلة. اذا فقد فهم اولمرت (واذا لم يفهم فانه في مشكلة كبيرة)، بأن ما كان يحلم به من اقناع سريع للرئيس ولواشنطن، لم يُثمر ولم يقنع الرئيس بشيء. يجب علي اولمرت أن يتنازل عن واحد من طرفي العصا التي يمسك بها، فإما أن يتنازل عن المستوطنين وإما أن يتنازل عن الامريكيين وبقية العالم. فاذا حرك الجدار باتجاه الشرق، كما سبق ووعد بذلك، واذا لم يحركه وقربه كثيرا نحو الغرب، فانه لا بد له أن ينسي ذلك التأييد العالمي الذي يريده، حتي لو اخترع كل الأسماء التي يريد استعمالها. عندما قال الرئيس بوش كلانا يؤيد فقد قصد السلام ، ولم يقصد اقتراحات اولمرت. هكذا الآن.لم يكن سهلا علي اولمرت أن يحصل علي القليل مما حصل عليه من الرئيس، فاذا سألنا دوف فايسغلاس، فسيقول إن مصطلحات جريئة و كلانا يؤيد قد وُلدت وتبلورت في ثلاثة اجتماعات سبق وأن عقدت بينه وبين إليوت أبرامز وطاقمه في بروكسيل ولندن والقدس، التي مهدت للزيارة. وهذا يعني أن كل كلمة ومصطلح كانت مُرتبة ومُعدة جيدا من قبل الامريكيين، وقبل أن يستمع الرئيس الي اقتراحات اولمرت. اذا، فقد كانت مدروسة ومفهومة ولم يفاجأ بها بوش عندما طرحها اولمرت. فالادارة الامريكية تريد أن تصل الي السلام، وأفكار اولمرت اذا تماثلت مع السياسة الامريكية ورغبة العالم، فانه يمكن استثمارها وتطويرها، وبذلك فان الاوضاع تكون أفضل مما لو كان موقف رئيس الوزراء يعارض الانسحاب مثلا، أو عدم الدخول في مفاوضات بصورة نهائية.لقد سبق ذلك الاجتماع، عقد اجتماع ثنائي، حسب طلب اولمرت، في الليلة السابقة مع وزيرة الخارجية رايس، حيث تم الاتفاق علي تسمية اقتراحات اولمرت بأنها خيارات ، أو جهود ، ومنذ تلك اللحظة بدأت علامات الفشل تظهر هناك، لأن اولمرت كان يعتقد أن اقتراحاته لا بد أن تكون مقبولة، وأن لا يتم الحديث إلا وفق ما صاغه هو. وحسب تلك الروايات، فان اولمرت، حتي عشية اللقاء مع بوش، لم يكن بيده أي شيء، وما كان يعتقد أنه جدي ومهم، لم يتمخض عن أي شيء هام، لا سيما عندما أبلغهم هندلي بأن الرئيس لن يكون مستعدا إلا للتفكير والحديث عن السلام، كما يفهمه هو وكما يريده، لا كما يعتقد رئيس الوزراء. وحيث أن هندلي المعروف بأنه هو الذي سبق له وأن كتب رسائل وأحاديث الرئيس بوش بشأن الشرق الاوسط منذ زيارة شارون لواشنطن، فانه يعرف تماما ما يريده الرئيس، وقد أبلغ بدوره الوزيرة رايس بأن الرئيس لن يوافق علي قبول تسمية اولمرت للانطواء اقتراحات ، بل يمكن أن ينظر اليها كـ خيارات ممكنة أو أفكار جيدة في حالة ما يكون سائدا في العالم، وفي الشرق الاوسط، لأن من يعتقد بصواب خطه وتفكيره، لا بد له وأن يُصحح مسار تفكيره مع مسار تفكير الرئيس.طريقة اولمرتيمكن اعتبار أن هذه البداية، أن نبدأ بتعلم وفهم طريقة عمل اولمرت وبماذا تختلف عن اسلوب شارون. هو يرغب في عمل الاشياء بمفرده، ويعتمد علي نفسه فقط، يعرف كل شيء، ويفهم أفضل من الجميع. اولمرت هو شخص جيد وأهل لكل شيء، ولكن من الناحية الثانية، هو لا يستطيع أن يقوم بكل شيء بنفسه. فشارون لم يعمل كثيرا، لكن رجاله هم من فعل له الكثير، وقد حافظ عليهم واحتفظ لنفسه بالطاقة اللازمة للامور بالغة الأهمية، وللقرارات المصيرية. فاذا أراد اولمرت وضع قدميه في كل عملية، فانه يتوجب عليه معرفة كل الامور. واضافة الي ذلك فانه يجب اعادة ترتيب كل شيء من حوله.التوتر بين فايسغلاس وتوربوفيتش ظاهر للعيان، هناك ثلاث مجموعات تحيط برئيس الوزراء: اولئك الذين كانوا يصحبون شارون، والذين بدأوا يصحبون اولمرت، وغيرهم ممن جاؤوا من اماكن لا علاقة لها بالمجموعتين. لكن الأمر المهم في هذا السياق هو ما حاول اولمرت نفسه، بواسطة هذه المجموعات المقربة منه، أن يوضحه وينقله للامريكيين، بأنه ولاول مرة في تاريخ اسرائيل، تتبلور موافقة شبه جماعية في اسرائيل تقول يكفي للاحتلال ، ولكن هذا الموقف الذي يجب أن يُستثمر الآن، عن طريق الموافقة الامريكية عليه، يجب أن يكون بالطريقة الاسرائيلية فقط، وهذا ما كان اولمرت يعتقد أنه قادر علي تمريره عند الامريكيين، ولكنه فهم منذ اجتماع الطواقم، وبعد اجتماعه مع وزيرة الخارجية، بأنه لن يحصل علي أكثر من الموافقة الفضفاضة علي أفكاره، لكنهم لن يُعطوه الموافقة التي كان يحلم بها واعتقد أنهم سيمنحونها له. ومع أن اولمرت حاول اقناع الامريكيين بجهده وجرأته وثقته بنفسه، أنه يستطيع الحصول علي موافقة وتأييد العالم لهذه الأفكار، وبأنه يستطيع أن يضمن موافقة الأطراف المهمة علي أفكاره، فان جهوده لم تبلغ المكانة التي فكر بها أو التي اعتقدها بأن العالم سيتقبلها بلهفة. وقد حاول التلميح بأن ما يفكر به قد تم مناقشته وعرضه علي الملك الاردني، عبد الله، وأن الملك يوافق علي الخطوط العامة لأفكاره، إلا أن الامريكيين المطلعين جيدا علي موقف الاردن، وموقف الملك، يعرفون أن موافقة الملك بعيدة كل البُعد عن جوهر أفكار اولمرت، لأن حلا لا يقوم علي الانسحاب الي حدود حزيران (يونيو) 1967 لن يصمد، ولن يكون بامكان الاردن أن يدافع عنه، هذا اذا لم يشكل مشكلة صعبة بالنسبة اليهم.تهديدات نتنياهولقد بقي الموضوع الايراني. هناك دبلوماسي مخضرم يعرف منطقة الشرق الاوسط جيدا (سبق له أن خدم في المنطقة عدة مرات)، نصح اولمرت بأن لا يبالغ في الموضوع الايراني، وأن لا يبدأ بنعي الرئيس بوش (مدة ولايته ستنتهي بعد أكثر من سنتين)، لأن بوش قوي، مصر علي موقفه، مؤمن برسالته، ولن تكون لديه مشكلة في أن يفعل ما يجب عليه فعله. فقد سبق له وأن تعهد بأن ايران لن تكون نووية في عهده، لذلك اذا لم تكن لديه خيارات، فانه سيستخدم القوة .بعد انتهاء اجتماع اولمرت ـ بوش، لاحظنا أن اولمرت حرص علي تكرار عبارة لقد خرجت مرتاحا جدا بعد اجتماعي مع الرئيس، وما سمعته منه بخصوص الموضوع الايراني ، ماذا سمع؟ لم يسمع إلا ما سبق للدبلوماسي الامريكي أن قاله. أي أن الرئيس بوش لا ينوي أبدا السماح لايران بأن تصبح دولة نووية في عهده. واذا لم تنجح الجهود المبذولة في مجلس الأمن الدولي، فانه سيسير قُدما في الموضوع، فقد وضع لنفسه جدولا زمنيا لن يتخطاه في مجلس الأمن، يمكنه الانتظار فقط 3 ـ 4 اسابيع، وبعدها فانه سيجمع الاوروبيين واليابانيين من اجل خنق ايران اقتصاديا.بذلك، فان اولمرت يعود الي اسرائيل مرتاحا ومسرورا، حيث وصف أحد كبار موظفي البيت الابيض زيارته بأنها بداية لقصة علاقة جيدة بين الرجلين، فقد عادا من اجتماعهما المغلق الي مائدة العشاء يسيران يدا بيد، ولا تخفي العبارة التي قالها اولمرت للرئيس في كلمته بعد الاجتماع علي أحد، حيث وجه له جملة هيا لندخل التاريخ سوية ، وأضاف ان خطتي سوف تعمل علي إبعاد النزاع الاسرائيلي ـ الفلسطيني عن عناوين الأخبار، وتضع حدا للاحتلال، وتمنع الاحتكاك. وهذا سيكون انجازك وانجازي. فهذا هو طريق ارييل شارون، وأنا أريد إكماله .ولكن، علي عكس سلفه، فانه لا يقوي مع الامريكيين علي أن يخيف بيبي ، لأن شارون كان يقول دائما بأنه اذا ما فشل، فان نتنياهو سيكون واقفا بالدور. ولكن ليس واضحا الآن من يقف في الدور. فهذا هو وقت اولمرت، وخطة الانطواء الخاصة به، وعلي صورتها الأصلية فانها لن تُنفذ، ولن تحدث. فقد تحدث عن الانطواء يتم في عام 2007، وبعد ذلك تحدث عن انطواء خلال سنتين، وهذا الاسبوع تحدث في واشنطن عن انطواء خلال اربع الي خمس سنوات. هذا يعني بأن ذلك سيتم خلال ولاية الرئيس الامريكي القادم. وما علي اولمرت الآن إلا أن يهتم ويقلق، بل ويخاف، من احتمال ان يكون هناك وضع يقوم فيه الرئيس الامريكي بوش باستقبال رئيس وزراء اسرائيلي آخر في واشنطن، خلال ولايته الحالية.بن كاسبيتكاتب رئيسي في الصحيفة(معاريف) 26/5/2006