قرار اسرائيل بالسماح لابو مازن بادخال السلاح الآن استعماري وفوقي ومحاولة للتدخل في القرار الفلسطيني المستقل في اختيار زعامتهم
قرار اسرائيل بالسماح لابو مازن بادخال السلاح الآن استعماري وفوقي ومحاولة للتدخل في القرار الفلسطيني المستقل في اختيار زعامتهم في كانون الثاني (يناير) 1997 نزلت قوات عسكرية فرنسية في جمهورية افريقيا الوسطي لقمع حركة التمرد ضد الرئيس انجي فليكس فتاسا. التدخل الفرنسي ساعد الرئيس المدعوم من باريس في استعادة زمام السيطرة علي الأمور. جزء من هذه العقلية القديمة التي كانت سائدة في القرن الماضي تجسد في قرار جهاز الدفاع الاسرائيلي في الاسبوع الماضي بالسماح بادخال السلاح والذخيرة لوحدات الحرس الرئاسي الموالية لمحمود عباس.فرنسا لم تتخلص من عقليتها الكولونيالية في القارة الافريقية حتي بعد أن حصلت الدول التي كانت تحكمها علي الاستقلال. وهي ليست الوحيدة في ذلك: دول اوروبا الشرقية كانت ترقص علي أنغام المعزوفة السوفييتية حتي ما قبل 15 عاما. لبريطانيا مصلحة خاصة فيما يحدث في دول الكومنولث، والولايات المتحدة تتصرف بفوقية مع دول امريكا اللاتينية اليوم ايضا.اسرائيل لا تكتفي بارتباطها التاريخي بالضفة الغربية، وهي تطالب لنفسها بحق تحديد حياة الفلسطينيين القاطنين في هذه المناطق. في البداية حاولت منع انتصار حماس في الانتخابات، والآن ها هي تعمل علي اسقاطها من خلال تزويد خصومها السياسيين بالسلاح والذخيرة.جهاز الدفاع يسوق تفسيرا جاهزا لتبرير هذا القرار: أبو مازن هو الذي طلب الإذن باستيراد السلاح، ولم تكن اسرائيل هي المبادرة لذلك. التوجيهات جاءت من المستويات الميدانية الفلسطينية الي نظرائهم الاسرائيليين، وكذلك من الدول التي وسطها رُسل أبو مازن (ومن بينها مصر والولايات المتحدة). اسرائيل لا تقوم بامداد أبو مازن بالسلاح، وانما تسمح بتمريره فقط. هذا ليس تدخلا كولونياليا وانما تطبيقا للاتفاقات المعقودة بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية. الاسلحة التي يدور الحديث عنها ليست كبيرة، وانما كمية محدودة من الاسلحة الخفيفة المخصصة للحرس الرئاسي فقط.السماح يُفسر ايضا علي خلفية التغير في سلوك أبو مازن الذي بدأ فيه الريش ينبت للصوص ـ حسب رأي جهاز الدفاع: عباس وجه مهلة إنذارية لحماس لقبول مبادرة الأسري الفلسطينيين وأجبر اسماعيل هنية علي سحب قواته الخاصة من غزة وحصر الاشراف علي المعابر وتوزيع الاموال بيديه، وهو يرفض اخضاع الاجهزة الأمنية لرئيس الوزراء. هذه تعتبر في نظر اسرائيل اشارات للزعامة لم تكن ظاهرة حتي الآن عند الرئيس الفلسطيني، وعليه، هناك سبب لإثابة أبو مازن وتقديم الرعاية له.هذه التوضيحات تبدو كذرائع مصطنعة أكثر من كونها تفسيرات مقنعة وتفوح منها رائحة فوقية. ليس لاسرائيل حق في تحديد قيادة الفلسطينيين واختيارها بدلا منهم. هذه ليست غير اخلاقية فقط وانما هي ضارة وغير ذكية. أضف الي ذلك، كان أبو مازن بحاجة ماسة للدعم الاسرائيلي المشروع، سواء إبان كونه رئيسا للوزراء في عهد عرفات أو بعد انتخابه خليفة له. المساعدة التي طلبها كانت ضمن صلاحيات الحكومة الاسرائيلية ـ اطلاق سراح السجناء، تخفيف الحصار، اللفتات السياسية، التسهيلات الانسانية، الشروع في المفاوضات ـ إلا أن الحكومة الاسرائيلية استخفت بطلباته تلك. الآن تقوم اسرائيل بمحاولة للظهور بمظهر الدولة التي تستجيب لاحتياجات الجار المحتاج والمحبوب من خلال السماح بادخال الاسلحة الخفيفة لرام الله وغزة. المشكلة تكمن في نشر الخبر ، قالوا في أروقة الحكم الاسرائيلي، ولو كانت العملية قد بقيت في السر لكانت مجدية وناجعة . الدليل علي ذلك هو أن جهاز الدفاع كان قد استجاب (برئاسة شاؤول موفاز) لطلب أبو مازن في العام الماضي بالحصول علي السلاح. هذه سذاجة وطيبة مصطنعة. ميزة هذه الخطوات أنها سرعان ما تظهر وتتكشف، ليس واضحا ايضا ما اذا كان تسريب النبأ هادفا من اجل تعزيز صورة وزير الدفاع الجديد الحمائمية المعتدلة الذي لا يحيد عن سياسة سلفه كما يظهر. لكن ليس هذا هو جوهر الأمر وانما التصور المتعجرف المتجبر الذي يقع في أساس القرار: المراهنة علي اختيار الزعامة الفلسطينية بصورة فوقية. من نسي نقل له: هذه كانت الحالة المزاجية التي دفعت اسرائيل الي تنصيب بشير الجميل رئيسا علي لبنان في عام 1982.عوزي بنزيمانكاتب رئيس في الصحيفة(هآرتس) 28/5/2006