أربع نخلات من الجنوب: فوتوغرافيا سينمائية لواقع نسائي خشن!

حجم الخط
0

أربع نخلات من الجنوب: فوتوغرافيا سينمائية لواقع نسائي خشن!

أربع نخلات من الجنوب: فوتوغرافيا سينمائية لواقع نسائي خشن!القاهرة ـ القدس العربي ـ من كمال القاضي: التجارب التي ناقشت واقع المرأة الجنوبية في السينما الروائية القصيرة والتسجيلية قليلة جدا لعدة اعتبارات من بينها أن كتاب السيناريو ينتمي معظمهم الي منطقة الشمال ولا يعرفون عن المرأة الجنوبية او الصعيدية إلا الملامح التي يرسمها الأدب ويتداخل فيها الخيال بالواقع، وهي كتابات ربما تناسب السينما الروائية اكثر ما تناسب السينما التسجيلية التي تقوم علي رصد الواقع كما هو ولا مجال فيها للمبالغة أو الفنيات الدرامية هذا بالاضافة الي ان المهتمين بالسينما التسجيلية يغتربون في الأجواء الجنوبية ولا يرون مبررا لتعرية المجتمع علي هذا النحو المؤلم فقسوة الحياة وجفاف المعيشة لا يشجع علي المتعة البصرية المعهودة في الافلام التسجيلية، وهي نظرة قاصرة ومغلوطة لأن دور السينما التسجيلية بالتحديد هو نقل الصورة الواقعية كما هي دون تزييف بغض النظر عن قسوتها او رقتها غير ان للصعيد وسكانه أوجه اخري تتميز كثيرا عن العاصمة ولكن العبرة بما تنقله لنا الكاميرا وما يركز عليه السيناريست والمخرج.في تجربة تعد فريدة من نوعها قدمت لنا المخرجة ايمان الشريف فيلما عن صورة المرأة في صعيــد مصر وبالتحديد محافظـــــة اسوان الواقعة في أقصي الجنوب، والفيلم من انتاج المركز القومي للسينما ويحمل عنوان أربع نخلات من الجنوب والنخلات الأربع هنا كناية عن حيوية الحياة والعطاء ورمزا لأربع سيدات أميات يعشن معاناة مختلفة حســـــب ظروفهن وتفاوت درجات الوعي بينــــهن ولكنهن شريكات في المسئولية تجاه الأسرة والأولاد، حيــث لا يوجد لديهن عائل، فالرجل في الفيلم غائب بالضرورة اما بالموت او بالطلاق أو بالهجر، وهذه هي القضية الاساسية التي يطرحها الفيلم أو بالأحري تشغل بال السيناريست والمخرجة ايمان الشريف، كأنها تضع سؤالا مهماً ماذا لو غاب الرجل من حياة المرأة، ومن منهما العنصر الأقوي في بنيان الاسرة؟السؤال تجيب عنه الأحداث التسجيلية التي أوردتها ايمان علي لسان بطلاتها الأربعة اثناء سردهن لتفاصيل حياتهن اليومية وكيفية تغلبهن علي المشاكل الخاصة بالرزق والسعي ومحو الامية بشكل ايجابي يضع المرأة في مكانتها الصحيحة وينفي عن المجتمع الجنوبي تعصبه للرجل وعنصريته ضد المرة، لا سيما وأن النماذج التي يتعرض لها الفيلم شخصيات سوية استطاعت ان تنتزع حريتها وتنزل الي ميدان العمل وتمتهن اعمال كانت حتي وقت قريب قاصرة علي الرجل وحده، فهي علي سبيل المثال تقف في بازار سياحي تبيع وتشتري وتتعامل مع أجانب من جنسيات مختلفة دون أي مآخذ اجتماعية سواء من الاسرة أو من المجتمع المحيط بها، الامر الذي يمثل متغيرا حضاريا فرض نفسه أو فرضته الظروف في النظرة الجديدة للمرأة الجنوبية التي كانت في عهود سابقة تخاطب الناس من وراء حجاب وغير مسموح لها بالنزول الي الأسواق أو زيارة اهلها وجيرانها دون محرم، فضلا عن السيدات الثلاث الاخريات يتمتعن بنفس الحرية في الذهاب والاياب والتزاور وممارسة أعمالهن بمحض إرادتهن ما بين التسوق والتردد علي فصول محو الأمية أو ممارسة فن التريكو والنسيج في المصانع المحلية المنشأة بالجهود الذاتية تحت سمع وبصر اهل القرية فيما يشبه الموافقة الضمنية علي اطلاق صراح المرأة ومنحها كامل حقوقها في التعامل مع المجتمع وفق تقديراتها ومعاييرها بعيدا عن وصاية الرجل أو سجن العادات والتقاليد التي ظلت تحكم سياج الحصار عليها لسنوات طويلة قبل أن يدرك المجتمع قيمتها الحقيقية ويخرجها عن وظيفتها الرسمية الوحيدة المقننة في تربية الأولاد ورعاية الاسرة وتلبية حاجة الزوج.تلك المضامين اختزلتها المخرجة الواعدة في تركيزها علي فاعلية السيدات الأربعة وإصرارهن علي اقتحام الواقع وتحدي قسوته بالاضافة الي دلالة عنوان الفيلم أربع نخلات والذي يشي بانحياز ايمان الشريف مسبقا للمرأة واحترامها لكفاحها وهو ما يعكس اتساق المخرجة مع ذاتها الانثوية النازعة الي تبني قضايا المرأة والدفاع عن حقوقها وحريتها وهو الشيء الذي لا يمكن ان يؤخذ عليها او يضعها في دائرة اتهام الرجل والتجني عليه، حيث انها من حيث لا تحتسب قدمت فيما بين السطور فكرة تسامح المجتمع الذكوري مع المرأة واحترامه لرسالتها إذ أن هناك من بين الرجال آباء وأشقاء وأعمام وأخوال لم نري واحد منهم يعترض مسرة السيدات الأربعة أو يحتج مجرد الاحتجاج علي نزولهن لميدان العمل.وإذا كانت المخرجة لم تقصد في فيلمها التعرض لقضية المفاضلة بين الذكر والأنثي في المجتمع الجنوبي وأنها أرادت فقط ان تبرز قيمة المرأة وكفاحها بمعزل عن مقارنتها بالرجل فان شيئا من ذلك حدث بالضرورة وبمقتضي الرصد الواقعي للحياة في الجنوب الصعيد إذ لا يمكن فصل الرؤية عن المضمون فالاثنان متلازمان لا يٌقرأ أحدهما دون الآخر فالمعاني تكتمل من مفردات الكلام والكلمة تتكون من مجموعة حروف.الفيلم في مجمله وعلي قدر تكثيفه يقدم بانوراما مشرفة عن حياة المرأة ويدين الرجل الزوج إدانة غير صريحة ويطرح كذلك رؤية عصرية لتطور المفاهيم الشرقية فيما يتعلق بدور المرأة وحياتها الخاصة وقدرتها علي التجاوب السريع مع متطلبات الحاضر وتكيفها مع الظرف الراهن أياً كانت قسوته.منهج سينمائي مختلف تتبعه ايمان الشريف بعيدا عن التشنجات ونوبات التعصب الأهوج أفلحت لو استمرت فيه وسارت علي هديه.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية