تنويع علي فيلم ومجموعة شعرية: لأني وكأني ولستُ الكونتيسة البيضاء
حسين سليمانفيلم الكونتيسة البيضاء هو تعاون عملاق بين مبدعين كبيرين هما المنتج اسماعيل ميرتشانت والمخرج جيمس إيفوري ومن نجومية رالف فينس (نجم فيلم المريض الانكليزي) وقامت بدور الكونتيسة الممثلة البارعة ناتاشا ريتشاردسون. يقص علينا بمشهدية عالية وموسيقي تقف دوما خلف الكواليس قصة التاريخ واللاتاريخ، بمعني… قصة الحرب والثورة …بمعني.. قصة الحب…. أين هي الثورة؟ الحرب والثورة التي جعلت الكونتيسة الروسية صوفيا بيلنسكي تفر هربا هي وعائلتها من الاتحاد السوفييتي الي شنغهاي والتي ستعمل فيها راقصة ومومساً في احدي النوادي الليلة كي تعيل الأسرة وتسكن في بيت فقير تنتظر الصباح لتتبادل مع حماها النوم علي السرير. حين تدفع الضرورة بالأميرة إلي النزول إلي المحك اليومي، ويظهر لنا الفيلم الجانب الانساني من المومس حيث المشاعر الطارئة والجروح التي تحملها المومس. الفيلم بمجمله قصة حب انكليزي، هذا الرجل، رالف، يظهر علينا دوما بأفلامه المريضة فهو اليوم رجل أعمي. ويقع بطريقة درامية في حب الأميرة الفقيرة فيظهر كبرياءه ومنطقه الذي يولي الدرجة الأولي لاحساس الحياة. وهو دوبلوماسي امريكي لا يحب السياسة ولا البزنس بل وكما في كل مرة، رجل يهوي الشعر. ونهاية الفيلم بحالها كانت قصيدة لا يستطيع شاعر أن يكتبها. حيث الموسيقي والمشهد الذي يرحل فوق المياه والوجه المكسور الذي يرتسم فيه الأمل. تضعف الكتابة أمام الموسيقي وأمام الصورة المأخوذة بفنية عالية. يجب كتابة مائة صفحة للوصول الي رتبة فنيتها، فنية الفيلم الذي غزي العالمين في منتصف القرن العشرين وما زال. مجملا الأفلام الصينية ـ الأمريكية، واليابانية ـ الأمريكية أفلام ناجحة فيها نفحة من سحر الشرق. فهناك اتحاد بين المادة والروح تغلب فيها الروح التي تتخللها موسيقي الناي الشجي. لقد أخر الفن السابع الأدب المكتوب خطوات نحو الوراء. فشخصيا أفضل مشاهدة هذا النوع من الأفلام علي قراءة رواية أو قراءة ديوان شعر. الفيلم أقرب من الكتابة، والصورة أقرب من الكلمة. بقي العالم في جموده بين وقتي ووقته، وكانت التلال الجميلة الخضراء تتراءي من عند غرفة الفندق، وصفارات القطارات بدون انقطاع تعيدني إلي المكان الآخر، كيف تمزقتُ، كيف كانت السماء في كمال الزرقة وكيف انحنيتُ وتكسرتُ، تقطعت اربا ارباً وكنت في ذلك القطار وعرفت أن أشياء العالم ماتت وعرفت أن أمكنة العالم انتهت، وبقيت الأشجار صامتة وحزينة علي حافة الطرق، بقيت هكذا وقت مروري، لأنها رأتني أموت، لأنها عرفت كيف خرجتُ من ذلك المكان… * الشاعرة صباح زوين في لأني وكأني ولست كتابة الألم وكتابة الحياة حين تغدر وتقول للساكن أن يهجر. إنه ظلم أن تترك المكان، فالهجرة هي موت من جانب وحياة من جانب آخر، تطوي حياة المرء السابقة في حياة أخري غريبة ترفضها الروح في البداية ثم لا حول لها إلا أن تقعي صاغرة أمام المكان الجديد. فتركب صفارات القطار روح الصوت وما يزال يرن في الأذن ومن دون أن ينتهي يمر علي سكة حديد فكندا ليست بعيدة من هنا، الولايات المتحدة ضربة رمح في قلب الإنسان. الكتاب الذي بين يدي لا يحكي مع الناس بل يحكي مع الجماد ليؤنس الوقت وليؤنس الغرابة التي لا تلفت النظر. اكاد أقول ان الشاعرة أدخلت يدها عميقا في قالب المادة كي تلمس الروح التي كانت تنتظر بلوعة وحرقة. لقد فتحت زجاجة خرافية كي يتبدي مافي داخلها وينتشر كفضاء جديد في الكتابة. هناك شكل لكتابات صباح زوين. أي أنك تري شيطان الإلهام في النصوص. في كتاباتها نري شاعرية ونري القلب الذي ينبض في الكلمات بسرعة مياه فاضت وكسرت سدها لتبتلع المألوف من شوارع وأحياء. وراحت بالتالي الجملة تتعذب وتنغمر بمياه الفيضان الذي يرفعها مرة ويحطها أخري، ما نقرأه عند زوين ليس جملا مألوفة بل تضمينات وسحر. في بعض المقاطع لا نقرأ صورا بل نقرأ مشاعرَ لا تستطيع الصور أن تحملها وكأن الشاعرة تعرفت بطريقة مجنونة علي أسلوب اكتشف الحل للمقولة الباطنية كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة فعناصر الجملة عندها قد دارت دورتها الكامنة كي تتحرر من ضيق العبارة …. وبالتالي القبض علي هذا النوع من الكتابات لا يتم بالشرح أو بالتفسير ولا الأخذ بقواعد اللغة بل بالاحساس الذي يري خروج المياه عن مسارها. فوضي منظمة تصفها المشاعر الفياضة. لقد كتب كثيرا عن تجربة صباح زوين وكأنني لم أجد ما أراه فيما كتب عنها، فهي ليست كتابة مختلفة وليست كتابة جديدة. بل كتابة صادقة نابعة من أعماق النفس التي ابتعدت عن عالمها، اغترابا وغربة، وبالتالي جاءت الكتابة كي تصف وتكتب ما نعرفه لكننا لم نكن لندركه. كما كان في مسألة الجاذبية، فلم يأت نيوتن بالجديد كي يعلم الناس أن التفاحة تسقط نحو الأرض، هناك من يجذبها، الكل يعرف هذه الحقيقة لكن لم يكن المرء ليدرك أو ليتمعن في هذه الحقيقة كي يصل إلي ما وصل اليه نيوتن. الكاتب السوري محمد علاء الدين عبد المولي كتب مقالة نقدية يصف فيها جملة صباح زوين وكنت كيف والخيبة والجنون والصمت، وكنت كيف ولم استطع البكاء أنها : نفاجأ هنا بكسر المعني لمجرد العبث ببناء الجملة ولا لسبب آخر . فالمتسلحون بقواعد النحو وبأعمدة الخليل الفراهيدي، الذين لا يعرفون كيف يتركونها، لن يستطيعوا كما أظن قراءة هذا النوع من النصوص وستكون الجمل ناقصة ويلزمها شغل ميكانيك النحو في ورشة صناعية يغلب عليها الضجر والتخلف. لا أشيع هنا مبدأ الهدم والفوضي من أجل الجديد بل ان هناك مقاييس وصياغة جديدة يجب أن تتعود الذائقة عليها. أن لا تجلس عند الطاولة نفسها إلي مائدة الطعام المكرر، هذا لن يقدم الجديد أبدا. الجملة السابقة لصباح زوين حين تقرأ بميكانيكية فهي بالفعل مشوهة لغويا أو ناقصة ويلزمها تعديل وإصلاح. الجملة السابقة خرجت علينا بنمط جديد حيث هناك خلق مخفي وراءها، كأن الجملة من روح مخفية ومادة حروفها ظاهرة ومن يقرأ الحروف الظاهرة وقد غفل روحها فلن يدخل إلا في سكون الجملة حيث الموت والتشوه. يجب إحياء هذه الجملة ذلك بالتعرف علي الجانب المخفي منها، علي الروح التي يستيقظها الخيال ويضيفها إلي الحروف كي تكتمل الصورة. كتابة الأدب ليست كتابة تقريرية ولا تتبع النحو أو القواعد الصارمة بل هي إشعاع طيفي لا تحكمه الجاذبية ويتلون بالمطر وبالبعد وبالقرب، إنه المتغير وقد يحمل أكثر من تفسير.هنا تصعب الكتابة الإبداعية، حيث انكسارات الجملة وزعزعة اليقين في القديم…. فيسهل هذا النوع من الكتابات علي أقلام كثيرة غير خبيرة أو مبدعة وبالتالي سوف تنتفخ المخيلة بغثاء يطفو من دون معني. حين شارف اليابانيون علي شنغهاي حمل الناس أمتعتهم هربا الي هونغ كونغ ولم تسمح الاسرة للكونتيسة بالهرب معها فهي، الكونتيسة، سيئة السمعة الآن، وقد كانت تعيلها فيما مضي وتقدم لها الطعام في حرفتها غير الشريفة. لقد تعرفت الأسرة في الايام الأخيرة علي السفير الفرنسي الذي أراد أن يعيد للأسرة مكانتها …. ولهذا فسيلحقها العار حين تصطحب معها ابنتها المومس إلي مكانها الجديد في هونغ كونغ، فاجتمعت الأسرة تقرر علي تركها في المدينة التي عرفتها كمومس. الانفجارات في كل مكان… لكن الحب … لا يموت الحب في الحرب… النار لا تصيبه.. ترتمي الشظايا بالقرب منه وتتهدم الأبنية… يضع الحبيب يده علي وجه الكونتيسة فيكتشف جماله ويشده ضوضاء الانفجارات والفوضي والتراب… في القارب يرحلون نحو هونغ كونغ: الخرافة حين يحولها الحب إلي واقعة… ودوما هي المأساة تكرر أيامها فالفيلم يحكي سنوات ما قبل الحرب الثانية … لكن الانتصار في النهاية، وكما في أفلام الفروسية، للحب طبعا والذي من دونه نصبح جسدا تضاءل الجسد اليوم، جسدي كم ضئيلا كان بين شوارع الأبدية تلك، لما كانت الشمس تميل علي أكتافي وعلي أوجاعي تميل ووجهي الشاحب، كم، لما الوجه الأجوف الذي رأي المدن ورأي الألم وصار يمحو وجهي الشجي، والبكاء، ذلك في الداخل الذي لم يطلع والذي تفجر موتا وضوءا فالتويت وكم كنت اتلوي ويداي عاجزتان. كانتا تعجزان عن الفهم.. كاتب من سورية يقيم في امريكااقتباسات من لأني وكأني ولست لصباح الخراط زوين 0