مجلس التعاون: الأمن مرتبط بنمط الحكم

حجم الخط
0

مجلس التعاون: الأمن مرتبط بنمط الحكم

د. سعيد الشهابيمجلس التعاون: الأمن مرتبط بنمط الحكممجلس التعاون لدول الخليج العربية عمره الآن ربع قرن، ولا يبدو في الأفق ما يمكن ان يزعزع وجوده كعنوان فضفاض لعائلات حاكمة في منطقة مضطربة، استطاعت القفز فوق الحواجز والعقبات السياسية والامنية التي اعترضت طريق ذلك التحالف منذ الاعلان الرسمي عن قيامه في 25 ايار (مايو) 1981. كما لا يمكن استشراف مستقبله بوضوح في ظل انعدام الاستقرار السياسي في المنطقة نتيجة السياسات الامريكية التي تسعي لاختلاق أزمات كبيرة في منطقة الخليج، ورفض حكومات دول المجلس الاقدام علي اصلاحات جذرية لانظمة حكمها. دول المجلس اليوم محكومة بالجيل الثاني من القادة، بعد رحيل خمسة من بين المؤسسين الستة من الحكام، اما بالوفاة او بالازاحة. واذا كان الحكام القدماء قد رفضوا الاصلاح لاسباب تتعلق بعقلياتهم واوضاع المنطقة المتوترة، فان الحكام الحاليين ليسوا اكثر حماسا لذلك الاصلاح، ولم يبد من أغلبهم حتي الآن ما يشير الي عزمهم علي احداث تغييرات حقيقية تطور اوضاع شعوبهم باتجاه شيء من الممارسة الديمقراطية. وفي الوقت نفسه يجب الاعتراف ايضا بعدم وجود زخم شعبي للمطالبة بالاصلاح الا في بعض هذه الدول مثل البحرين التي لم يتوقف غليان اوضاعها منذ عشرات السنين. وثمة عاملان اساسيان ساهما، وما يزالان، في حماية العائلات الحاكمة بدول مجلس التعاون من المطالبة بتغييرات جوهرية. اولهما الوفرة المالية التي توفرها الايرادات النفطية الهائلة، وثانيتهما، الدعم الانكلو ـ أمريكي السياسي والامني و العسكري لهذه العائلات.مجلس التعاون الخليجي منذ تأسيسه كان مشروعا لمواجهة التحديات الامنية من مصدرين اساسيين: داخلي وخارجي، وهما عاملان متداخلان. ولم يكن في الاساس مشروع اتحادي شامل. بمعني ان تأسيس المجلس لم يكن منطلقا علي اساس الرغبة في توحيد انظمة الخليج ضمن منظومة اتحادية علي غرار التجمعات الاقليمية الفاعلة كالاتحاد الاوروبي، بل كان مشروعا امنيا بالدرجة الاولي. ولذلك يمكن الاتفاق او الاختلاف حول تقييم ادائه في المجالات الاخري، الاقتصادية والسياسية. فالذين أسسوه كانوا يسعون لحماية انظمة حكمهم بالدرجة الاولي، ولم يكونوا يبحثون عن آليات لتطوير اداء حكوماتهم وتكامل سياساتهم الاقتصادية والسياسية. كان الامن هو العنوان الاول لانشاء المجلس، انطلاقا من غريزة حب البقاء لدي العائلات الحاكمة. ولذلك فان محاولات محاكمة اداء دور المجلس في المجالات الاخري يعتبر سعيا للقفز علي تقييم ادائه في المجال الامني المرتبط بالحكم العائلي التوارثي. فمجلس التعاون أسس من أجل حماية تلك العائلات ولم تكن مصالح شعوب تلك الدول ماثلة في اذهان الذين خططوا للتأسيس او دفعوا مشاريعه الي حيز التنفيذ. ومن الطبيعي ان تتوسع الآفاق الاخري المحيطة باية تشكيلة، فيتم البحث في سبل توسيع التعاون في القضايا الاقتصادية والتكامل الاجتماعي، كعناوين ثانوية للبعد الامني، وليس بموازاته. ولذلك يخطئ من يسعي لاثبات نجاح المجلس او فشله في تحقيق ما لم يكن من ضمن اولوياته في طور التأسيس، ويقتضي المنطق تقييم اداء مجلس التعاون الخليجي في الجوانب الامنية ذات العلاقة بأمن العائلات الحاكمة، وهو الأمر الاصعب لانه سيكون محل خلاف كبير بين المحللين الذين يسعون لقراءة الاجراءات الداخلية والخارجية لتلك العائلات، ومدي عمق العمل المشترك في هذه الجوانب. تأسس مجلس التعاون الخليجي في ذروة الحرب العراقية الايرانية لحماية دول الخليج من انعكاسات الصراع بين اكبر بلدين في المنطقة، ايران والعراق، ومن انعكاسات الثورة الاسلامية الايرانية علي اوضاع المنطقة. كانت الثورة الاسلامية في ايران زلزالا كبيرا في المنطقة، اذ تبين ان اقوي نظام عائلي في منطقة الخليج لم يستطع الصمود امام الارادة الجماهيرية التي نجحت في اجتثاث الحكم البهلوي الذي يتفاخر رموزه بان عمره يصل الي 2500 سنة.كانت تلك رسالة واضحة للحكومات العائلية بانها ليست بمنأي عن قوانين التغيير في المجتمعات والامم وان بقاءها ليس حتميا ما لم تكن واعية بشكل مستمر لدواعي التمرد ضدها والرفض لها من شعوبها. تحرك حكام دول الخليج علي وجه السرعة للاتفاق علي منظومة امنية مدعومة من الولايات المتحدة وبريطانيا، لبناء جدار سياسي يحول تلك الانظمة من حكومات ضعيفة غير قادرة علي مواجهة التحديات، فيما لو عصفت، بمفردها. ومهما قيل عن ذلك، فقد كان خطوة تاريخية جريئة خصوصا من انظمة حكم لم تعرف سابقا بالتفاهم والوئام في ما بينها. وكانت تختلف علي بضعة امتار حدودية وتحول ذلك الاختلاف الي أزمة متواصلة تستعصي علي الحل. وقد ساهم تشكيل المجلس في التخفيف من هذه الظاهرة، ولكنه لم يلغها تماما، وما تزال الخلافات الحدودية تطل برأسها بين الحين والآخر. ففي العام 1986 تصاعد الخلاف بين قطر والبحرين في اثر حادثة فشت الديبل وألقي بظلاله علي قمم المجلس اللاحقة، ولم يتم التوصل الي حل شبه نهائي الا بعد رفع القضية الحدودية الي محكمة العدل الدولية التي اصدرت حكمها بشأنها قبل خمسة اعوام. وفي العام 1992 توترت العلاقات القطرية ـ السعودية في اثر احتلال القوات السعودية مخفر الخفوس القطري، وكان ذلك بداية لصراع داخلي بين الدوحة والرياض لم ينته حتي الآن. وما تزال الخلافات الحدودية حول الحدود بين السعودية وعمان والامارات عند منطقة البريمي تستعصي علي الحل النهائي برغم ما يقال بين الحين والآخر عن الاتفاق بشأنها ووصف التوترات بانها سحابة صيف . فعندما دشنت السعودية في 1999 حقل الشيبة النفطي الذي يقع شرقي الربع الخالي ويحتوي علي 14 مليار برميل من النفط و26 مليون متر مكعب من الغاز، تغيبت الامارات عن ذلك الحفل احتجاجا علي ذلك، لانها تطالب بالمناصفة مع السعودية في ذلك الحقل. كان موقف المجلس خلال الحرب العراقية ـ الايرانية داعما بشكل واضح للجانب العراقي، اقتصاديا وسياسيا، الامر الذي أبقي العلاقات مع ايران متوترة طوال تلك الفترة. وفي منتصف حياته واجه المجلس اكبر تحد له متمثلا في الاجتياح العراقي للكويت، وهو تحد يفوق في آثاره التحدي الايراني، لانه ادي الي اسقاط العائلة الحاكمة في الكويت في غضون اقل من 24 ساعة، والسيطرة الكاملة علي ذلك البلد. في تلك الازمة لم يكن اداء مجلس التعاون الخليجي فاعلا، فلم تطلق رصاصة واحدة من جانب قوات درع الجزيرة التي تم تشكيلها لتكون ذراعا عسكريا للمجلس، والتي كانت قاعدتها الاساسية في منطقة حفر الباطن السعودية لا تبعد سوي اقل من 100 كيلومتر عن الحدود الكويتية، بل استعان بالخارج لشن اكبر حرب تكنولوجية في العصر الحديث لاخراج القوات العراقية من الكويت. وكانت الحرب بداية لمحنة العراق المستمرة حتي الآن. وليس مستبعدا استمرار حالة الاحتقان بين العراق ودول مجلس التعاون لسببين اساسيين: اولهما معاناة العراقيين خلال سنوات الحصار بسبب ما يعتبرونه سياسات مجلس التعاون في السنوات العشرين السابقة خلال الحرب العراقية ـ الايرانية وحرب الكويت وسنوات الحصار اللاحقة، وثانيها: اعتقاد العراقيين بوجود دعم قوي للمجموعات التي يعتبرونها متطرفة او تكفيرية ، واستمرار سقوط الضحايا من بينهم بسبب ذلك. وبالتالي فان أزمة خفية مستقبلية تعتمل في الخفاء مجددا بين العراق ومجلس التعاون، وهو امر يتطلب اهتماما جديا من قبل الطرفين لمنع انفجاره لاحقا. يضاف الي ذلك ان ازمة الملف النووي الايراني اصبحت تحاصر مجلس التعاون الخليجي وتضغط عليه بشكل كبير. فالامريكيون والبريطانيون يضغطون علي دول المجلس للوقوف بجانبهم سياسيا في الوقت الحاضر وعسكريا فيما لو اقتضي الامر لاحقا، ولذلك بدا موقف المجلس متأرجحا في الفترة الاخيرة بين المطالبة باخلاء المنطقة من اسلحة الدمار الشامل، والسعي لعدم ازعاج ايران لمنع توتير العلاقات معها. وفي هذا الجانب مطلوب من مجلس التعاون، من اجل مصلحة حكوماته علي المدي البعيد، عدم الانجرار الي المشروع الانكلو ـ امريكي ازاء ايران. الملاحظ في ضوء هاتين القضيتين (العلاقات مع العراق و المشروع النووي الايراني) ان مجلس التعاون ليس لديه سياسة واحدة، بل ان دوله تتحرك بانفراد. ومن مصاديق ذلك ان المجلس تأسس لكي يكون كيانا جماعيا، ولكن الجماعية ما تزال حلما، فلم تستطع دول المجلس توقيع اتفاقية حرة واحدة مع الولايات المتحدة كما فعل الاتحاد الاوروبي. بل اصبحت كل حكومة تتحرك في هذه المسألة علي انفراد. وكان توقيع الاتفاقية بين البحرين والولايات المتحدة الامريكية قد ادي الي توتر في العلاقات بين المنامة والرياض، لان العائلة الحاكمة في البحرين، بسبب اوضاعها الداخلية المضطربة، عمدت لتوقيع اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة بدون التشاور مع بقية الدول. ثم دعمت واشنطن عضوية السعودية في منظمة التجارة العالمية، فيما تسعي بقية دول الخليج، كل علي حدة، للتفاوض من اجل ذلك. كما ان سياسات دول المجلس ازاء العراق وايران ليست موحدة، بل لكل دولة علاقاتها وتصوراتها، وتبدو سلطنة عمان الأكثر هدوءا في تلك العلاقات، والأقدر علي ادارة ذلك الملف، والابقاء علي مستوي معقول من التواصل مع تلك الاطراف. واذا كانت دول المجلس قد توصلت الي قدر من الاتفاق حول الاستراتيجية الامنية الموحدة، فان تباين ادائها الداخلي في ما يتعلق بالاصلاحات السياسية والتمثيل الشعبي، ما يزال مصدرا للاختلاف ليس في الاداء فحسب، بل في ما يتوقع من نتائج. فاذا كانت متاعب الكويت علي الصعيد الداخلي محصورة بقضايا اجرائية محدودة، مثل تقسيم الدوائر الانتخابية والصراع البدوي ـ الحضري، فان البحرين تعاني من مشكلة اخطر من اي بلد خليجي آخر، لانها تتعلق بالشرعية، خصوصا بعد توقيع اكبر عريضة شعبية تطالب الامم المتحدة بالتدخل لحسم طبيعة العلاقة بين العائلة الحاكمة وشعب البحرين، وهو امر لم يحدث في اي دولة اخري. اما السعودية فهي تعيش علي مرجل من نار، يخشي الجميع من انفجاره ما لم يتم اطفاء تلك النار بتحديث النظام السياسي بشكل يعيد التوازن داخل المجتمع السعودي المنقسم علي نفسه لاسباب ايديولوجية وجغرا ـ سياسية. ان من الصعب تقييم اداء مجلس التعاون الخليجي في الجوانب الاخري، خصوصا في المجال الاقتصادي، برغم الدعايات الاعلامية التي لا حدود لها في الاطراء والمبالغة في توصيف الانجازات. فبالاضافة لعدم قدرة المجلس علي التفاوض بشكل موحد مع الولايات المتحدة ومنظمة التجارة العالمية، فقد توسعت دائرة التنافس بين دوله علي اجتذاب الاستثمارات في المجالات نفسها، فليس هناك تنويع او تخصص في ذلك. فالاطراف المستهدفة للاستثمار واحدة، وتتنافس دول مثل الامارات والبحرين علي اجتذابها بدلا من توسيع دائرة المستثمرين واوجه الاستثمار. كما يلاحظ التسابق علي بناء الجزر الاصطناعية بين دبي والبحرين وقطر، بدون دراسة تأثير ذلك علي البيئة، خصوصا الدمار الذي يحدثه في البيئة البحرية بسبب تدمير الشعب المرجانية وقاع البحر، واثر عمليات الدفن علي المخزون الجوفي للمياه. كما ان عمليات التوسع التجاري والصناعي والزراعي قد ادت الي تلوث بحري وجوي وارضي ادي الي انتشار امراض السرطان بمعدلات غير مسبوقة وغير معروفة في الدول الاخري. وحتي الآن لم يستطع مجلس التعاون الخليجي انشاء هيئة لدراسة التدمير البيئي وطرق الحد منه واحتواء آثاره. وتزداد مشكلة التلوث البيئي حدة بانتشار الاشعاعات النووية، من مصادر عديدة: من السفن الامريكية ذات الوقود النووي التي تمخر مياه الخليج بدون توقف، والطائرات ذات الوقود النووي التي بدأت تزور مطارات الخليج، وما يتردد من أنباء عن دفن نفايات نووية في قاع الخليج. ان من الحري بمجلس التعاون ان يحتذي بما فعلته حكومة نيوزيلاندا قبل عشرين عاما عندما منعت اية باخرة نووية من الرسو في موانئها، بينما لم تعترض دول المجلس علي دخول الباخرات النووية الامريكية من زيارة موانئها، وآخرها حاملة الطائرة يو اس اس رونالد ريغان التي مخرت مياه الخليج في شهر شباط (فبراير) الماضي. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية