نظرة في حوارات الزيف بين الغربيين والعرب

حجم الخط
0

نظرة في حوارات الزيف بين الغربيين والعرب

د. يوسف نور عوضنظرة في حوارات الزيف بين الغربيين والعربمؤتمرات كثيرة تعقد في هذه الأيام تحت شعار حوار الحضارات او إعلام جديد لا يبث الكراهية بين الشعوب، وهي في معظمها تعقد تحت أجندة سرية واغراض سياسية لا تظهر بغير إمعان وعمق في النظر.وإذا توقفنا لنتأمل هذه الموجة الجديدة كانت البداية في أحداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) عندما أعلن الرئيس الامريكي جورج بوش حربه علي الإرهاب وسماها حربا صليبية اعتذر عنها في مرحلة لاحقة بانها زلة لسان خاصة عندما وجه النقد له من كثير من المتابعين في العالم العربي الإسلامي الذين عارضوا الإعتداء علي الولايات المتحدة الذي راح ضحيته عدد كبير من الأبرياء الذين لا ذنب لهم. ولكن فجأة تغير المشهد ليخرج من بعده الإنساني ليأخذ منحي سياسيا بعد أن رأت بعض جماعات الضغط أن الحدث يمكن ان يستغل ليخدم أهدافا سياسية وقد انتقدت هذه الجماعات تراجع الرئيس جورج بوش وأخذت عليه ما سمته مهادنته للعرب والمسلمين بل وذهبت هذه الجماعات إلي حد نقد الوجود العربي الإسلامي في داخل المجتمعات الغربية.وإذا نظرنا إلي ما حدث بعد تصريحات الرئيس الامريكي وجدنا أن المواجهة قد حدثت بالفعل في المحيط العربي الإسلامي وذلك من خلال الحرب في كل من العراق وأفغانستان وكذلك المواجهة المرشحة مع كل من إيران وسورية وهي مواجهة تقف اسرائيل واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة من خلفها وقد رأينا كثيرا من الكتاب الإسرائيليين يتبنون الموقف الأمريكي الذي هو في النهاية الموقف الإسرائيلي وذلك من أجل إيهام المجتمع الدولي بان اسرائيل تقف في صف السلام المناوئ للإرهاب والذي يدعو إلي تسوية الأمور بالوسائل السلمية. ولكن تطور الأمور في العراق وباكستان علي غير ما أراد له الأمريكيون وظهور فضائح أبو غريب وغوانتانامو وجه رسالة مناقضة اساسها الفوضي والقتل العشوائي الذي ينال من سمعة الولايات المتحدة والمجتمعات الغربية التي ترفع شعارات الحرية والديمقراطية وهو ما جعل الولايات المتحدة في وضع حرج لا يمكن الدفاع عنه وذلك من الاسباب الاساسية التي جعلت السياسيين في العالم الغربي يدعون لندوات حوار الحضارات والإعلام غير المثير للكراهية وهو الإعلام الذي يراد له أن يسكت عن جرائم الغربيين والأمريكيين علي نحو الخصوص لأن نشر هذه الجرائم يؤجج الكراهية للوجود الأمريكي في تلك المناطق، ولكن هل يقدم العالم الغربي شيئا في مقابل ذلك؟ الإجابة بكل تأكيد لا لأن العالم الغربي لا يريد التنازل عن سياساته بل يريد أن يستمر فيها وان تسكت عنه الاصوات التي تفضحه حتي يستمر في سياساته التقليدية، وهذا هو مفهوم الغرب لحوار الحضارات ووقف أعمال الكراهية.ولا نزعم أن العالم العربي يقف كله مناهضا لهذا التوجه الامريكي لان كثيرا من الدول العربية والإسلامية تتبني وجهة النظر الامريكية وتغض الطرف عن جرائم الأمريكيين وذلك حفاظا علي أمنها الخاص حتي لو تعارض هذا الامن مع مصالح شعوبها. ونري هذا الموقف علي نحو الخصوص في بلاد مثل مصر والأردن وليبيا التي تتصدي جميعها لما يسمي الإرهاب الإسلامي ليس لانها تريد أن تخلي اراضيها من هذا الإرهاب المزعوم بل لانها تريد ان ترضي الأمريكيين والإسرائيليين حتي لو كان ذلك علي حساب المصالح العربية وإلا فما جدوي اعتراف مصر والأردن باسرائيل والتراجع الكامل لليبيا أمام الولايات المتحدة؟ ألا يري هؤلاء أن الإعتراف باسرائيل قبل حل المشكلة الفلسطينية هو بمثابة كسر ظهر للفلسطينيين؟ فما الذي يجعل الإعتراف باسرائيل واجبا علي بعض الدول العربية؟ هل تسير اسرائيل حقا في طريق السلام؟ وهل هي تقبل حقا خريطة الطريق؟الإجابة هي لا لأن اسرائيل تصر علي انها لا تجد في الجانب الفلسطيني شريكا وتهدد بأنها سترسم الحدود من جانب واحد ويعني ذلك ابتلاع ما تبقي من الأراضي الفلسطينية وجعل الدول العربية كلها أمام الأمر الواقع ومع ذلك لا تتحدث الجامعة العربية ولا ترفع أي دولة عربية صوتها رافضة هذا الواقع بل تبدأ بعض الدول العربية عملية ضغط علي الحكومة الفلسطينية الجديدة ولا تفسير لذلك إلا علي انه واقع مخجل ذلك انه في الوقت الذي ترفع فيه بعض الحكومات العربية شعارات كبيرة وتتحدث عن المصالح العربية بغباء لا يدل فقط علي جهل بحقائق العالم بل أيضا بسوء تقدير لقدرة الاعداء ، وذلك ما كشفت عنه إيران عندما رفضت الإنصياع للشروط الأمريكية وجعلت الولايات المتحدة تقدم التنازل تلو التنازل بكونها تعرف أنها لا تستطيع فتح جبهات متعددة من القتال والنزاعات الدولية.ونتساءل الآن لماذا يريد العالم الغربي حوارا مع العالم العربي؟ ولماذا لا يريده مثلا مع الصين واليابان؟ هل انتهت المشاكل بين العالم الغربي وهاتين الدولتين؟ الإجابة هي لا ولكن العالم الغربي يدرك أن هاتين الدولتين لا تقدمان التنازلات بالمستوي الذي يقدمه العالم العربي كما أن الذي يحكم السياسات الغربية في العالم العربي هو المصلحة الإسرائيلية التي تصور العالم العربي علي أنه ثقافة مناهضة للعالم الغربي.ولا نملك عند هذا المنعطف إلا أن نتمعن في موقف إتحاد اساتذة الجامعات البريطانية الذي اصدر قراره بمقاطعة الاساتذة الإسرائيليين لأنهم يؤيدون مواقف حكومتهم التي هي في نظرهم صورة أخري من صور التفرقة العنصرية ولم تجد جهود اللوبي الصهيوني واليهودي في بريطانيا في اثناء اتحاد الاساتذة البريطانيين عن اتخاذ مثل هذا القرار ولا تكمن أهمية القرار في ما سيلحق الأساتذة الإسرائيليين من عقوبات بل في جرأة الاساتذة البريطانيين علي اتخاذ مثل هذا القرار الكبير الذي يهدد النفوذ الإسرائيلي في واحدة من أهم دول العالم الغربي وأصبح ذلك ممكنا بسبب مناخ الحرية الحقيقي الذي تعيش فيه بريطانيا ولأن العالم استطاع ان يدرك مما يجري في فلسطين والعراق وأفغانستان زيف ما تدعيه الحكومات الغربية وكذبها علي مواطنيها وهو ما أثار الهلع في نفوس المؤيدين لدولة اسرائيل التي بنت نفوذها في العالم الغربي علي صمت الآخرين وعدم ابراز الحقيقة أمام الرأي العام الغربي. ولكننا سنشهد مرحلة جديدة وسيأتي إعلام عربي جديد يتكلم بلغة الغربيين وسيوصل المسكوت عنه إلي العالم الغربي ولا شك في ان اللوبي الصهيوني سيفعل المستحيل من أجل محاربة هذا الصوت الجديد وهو لن ينجح في نهاية الأمر لأن العالم الغربي لن يعيش ابد الدهر علي سماع خطاب الكذب ولكن قوة الخطاب الجديد في العالم الغربي ستعتمد علي قدرة الحكومات العربية علي اسناد هذا الخطاب وهي حكومات لا أمل فيها في هذه المرحلة ولكن رياح التغيير تؤكد ان العالم العربي مقبل علي مرحلة سياسية جديدة وهذه المرحلة بدأت رياحها تهب علي مصر وهي البلد الذي لا يمكن أن يستمر بنظام حكم تسيطر عليه نخب المثقفين بينما يعاني الملايين من أبناء الشعب البسطاء الفقر والفاقة والآلام.ولا شك اننا سنسمع كثيرا من اتهامات معاداة السامية في المرحلة المقبلة وكلما ارتفع هذا الصوت سندرك أن العالم كله يسير في اتجاه التحرك لأن معاداة السامية لم تعد شعارا حقيقيا بقدر ما هي تهديد يقصد به اسكات أصوات دعاة التحرر والسلام الحقيقي بين الشعوب. ومن المؤسف ان الذين عانوا من العنصرية والظلم هم الذين يمارسون الظلم والعنصرية في مرحلتنا الحالية.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية