كتاب عبد العزيز حمودة الجديد: الخروج من التيه.. إليه!
نصر جميل شعثكتاب عبد العزيز حمودة الجديد: الخروج من التيه.. إليه!في عدده الـ 298، تشرين الثاني (نوفمبر)، 2003، نشر المجلس الأعلي للثقافة والفنون بالكويت، ضمن سلسلة عالم المعرفة ، دراسةً في سلطة النصّ لـ د. عبد العزيز حمودة. وكان قد صدر له، في عددين سابقين، كتابا: المرايا المحدبة ، العدد، 232، نيسان (أبريل) 1998 و المرايا المقعرة العدد 272، آب (أغسطس) 2001، وقد حملَ الكتاب الثالث عنواناً مُغرياً وجذاباً: الخروج من التيه ، بصفته المُتمّم لثلاثيةٍ، يطرح فيها المؤلف مشروع خلاص النقد العربي وتصفيته من الظلال والشوائب والسحر والشعوذة الديريدية. هذا الكتاب الثالث، محطّ قراءتي، بكميته وحشوته، ذكّرني بحالتنا كطلاب جامعيين، وحاجتنا لطرائق تدريس جادة ودمثة ومؤدّية للأهداف العلمية ومدّربة علي إطلاق الفكر. كنا طلاباً نتبرّم كثيراً ونتأفف من سُمكِ الكتاب، ومن لسان المُحاضِر، وثقلِ أسلوبه وتخمةِ الأنا المتكلمة المدّعية بالمعرفة الجامعة، وبصيغ أمرٍ مُلْزِمٍ وأحياناً مُضمرٍ: خذوا عني الحكمةَ وهذا القول الفصل ! والحال هذه، أنّ صاحبَ الخروج من التيه لا يريد ـ بإدانةِ أسلوبه له في العرض والطرح ـ من الطلاّب، سواء أكانوا داخل أسوار الجامعة وجدران القاعة، أو كانوا خارجها، إلا أن يتفقّهوا، من لدنه وأن يحاطوا بجوامع الكَلِمِ، في النقد والحكمة والموعظة الحسنة ! وقد نَسِي أن يتحسّس، ولو من باب الاحتمال، أنّ الخروج من التيه ، هذا العنوان، إنما يتقدّم للقارئ علي أنه إدانةٌ ونسفٌ لكلّ أملٍ مَرْجُوٍّ بالخلاص من واقع التيه النقدي العربي، ومن السلطات الظاهراتية والتأويلية والتفكيكية الدخيلة. فالحقيقة المؤلمة هي أنّ العنوانَ ـ وهو حامل أمل الخلاص ـ إنما يَعمل علي تفنيد زعمِ حِمْلِهِ. ويبدو ذلك بمجرّد أن يشرع القاريء بقراءة المحتوي! والمحتوي، وما أدراك ما المحتوي: ترجيعاتٌ لأصداء، ولملماتٌ بحثية ترهق وتخذل وتزيد الضبابَ علي المتاهة.. وعند هنا يليق بنا الاستئناس بمقولات نظرية التلقي، والتي يفرد لها المؤلّفُ جناحاً من الضوء في دراسته حول سلطة النص، فخيبة الأمل كبيرة في أفق انتظارِ ووجدان المتلقي (القارئ) الضالّ التائه في ظلٍّ ذي ثلاثِ شعب: ظاهراتية هوسرل، وتأويلية هايدغر وجادامر وتفكيكية جاك دريدا ملعون سنسفيل سنسفيله هذا الساحر كبير التفكيكيين الأوروبيين، والأمريكيين منهم، أمثال بول دي مان، جيفري هارتمان، هارولد بلوم، ومللر، وغيرهم. إن محتوي الكتاب لا يعدو أن يكون محاضراتٍ استنفرت أكبرَ كمٍّ من المقولات، ومن عبارات الإسناد اللوجستية، والتي علينا، كقراء منقوصي الإحاطة والثقافة! ـ كما تتلسّن بذلك عضلاتُ المؤلِّف ـ أن نتعزّز بقوي الأمل والحكمة للخروج من التيه، فلن يتحقق ذلك إلا بالنظر الخاشع المندهش أمام تزهرد خضراء البحث في صحراء النقد علي وجه العموم ! وأمام سعة الإطلاع والإلمام، وعظمة التجمهرات المقولاتية الملمومة من أجل المناطحة والملاسنة، والتي، للأسف، لا تتخذ من ديالكتيكية هيغل طريقاً لتطور النقد العربي علي النقدين الأوروبي والأنكلو ـ سكسوني. طبعاً، وعلي ذكر النقد الأنكلو ـ سكسوني، لا يفوتنا أن نشير إلي تحامل وسخرية المؤلف د. حمودة، بحجة نقض ونقد نظريات واستراتيجيات التلقي والتأويل والتفكيك. تحامل ينحاز في جوهر منطلقه إلي الثقافة الأنكلو ـ سكسونية، حتي أنك لتحسبه، مثلاً، جورج واطسن في هجومه علي النقد الفرنسي والأوروبي، في محاضراتٍ لهذا الأخير نُشرت في كتاب بعنوان الفكر الأدبي المعاصر . مؤلفنا مؤلف التيه أو كتاب التيه يرسل هناك في الصحراء هويً حاداً القصد منه القصف، وسحب الاعتراف بإبداعية الخلق والنحت والإثارة والصدمة والإضافة لقدرة علي الإدهاش، كما لدي النقد الفرنسي والألماني. وكل ذلك بحجة البحث عن نظرية نقدية عربية معتزة بنفسها، ونسفها. إن كل محبّ وسائل ومُساءَل في حقل النقد أو حتي ميّال له، سوف يجد نفسه، وقد عادَ ليكون طالباً جامعياً متبرّماً متأففاً من مادة المساق ذي النزعة التجميعية بنزعةٍ اسمية عارفة، وبهويً جامعي وأنكلو سكسوني لن يصقلَ أو يروّض وحْشيةَ النقد العالمي، ولن يساهم في نجاة القارب من البحر، ولا الظلّ من حرارة الشمس! إنني شخصياً، لم أر في الخروج من التيه إلا دخولاً، وتورطاً وضجيجاً عارماً وأصواتَ أوراقٍ تشقشق ! هذا إضافة إلي شفقة ذاتي القارئة، وقد حرص المؤلف علي طرق المطروق ذاته كل هنيهة. وفي كل شقّ وفي الأحايين المزعجة، في كلّ صفحة. وهو ما سيوحي للقاريء برهبة المؤلف وتخوّفه من أن يحصل الامتثال للتيه، أو أن يصيرَ هو منه، وهُو يكتبُ عنه. هذا ما لمسته بالفعل. ولعل ظاهرة التكرار والحشد واللوجستيك الأكاديمي كلها تنمّ عن عدم ثقة مخبأة في حضرة التكرار، عدم ثقة بتحقيق الخروج من التيه (أنظروا: لقد كرّرتُ مرتين كتابة عدم ثقة ، لتخوّفي من أن أصنع متاهةً للقارئ)!.شاعر وناقد من فلسطين0