عالم ما بعد 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الإشكاليات الفكرية والاستراتيجية:
الطابع الكولونيالي لفكر المحافظين الجدد أدي لخسارة التعاطف العالمي مع أمريكا وأبرز ثغرات في علاقتها مع حلفائهاوظفت الإدارة الأمريكية الهزة النفسية الهائلة للهجمات عليها لمضاعفة الإنفاق العسكري والتدخل في الخارجعالم ما بعد 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الإشكاليات الفكرية والاستراتيجية:عرض: عز الدين اللواجما أن انتهت دقائق أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001 حتي بادرت الولايات المتحدة الأمريكية الي اتخاذ جملة من الترتيبات الاستراتيجية التي فرضتها بإلحاح تداعيات تلك الأحداث المأساوية علي الشعب الأمريكي بشكل عام وعلي صانع ومتخذ القرار السياسي في الإدارة الأمريكية بشكل خاص.فلقد طفقت الولايات المتحدة الأمريكية منذ التفجيرات التي استهدفت أبرز رموزها السياسية والاقتصادية والعسكرية في تبني عدة تدابير مفصلية يري مؤلف كتاب عالم ما بعد 11 أيلول (سبتمبر)2001 ـ الإشكاليات الفكرية والاستراتيجية انها أحدثت تحولات مؤثرة وفاعلة في المنظومة الدولية برمتها، وان أبرز ملامح تلك التحولات يتمثل في الشق النظري المعرفي والشق الاستراتيجي اللذين يتناولهما الدكتور السيد ولد أباه الأكاديمي والكاتب من خلال ست وقفات فصلية تضمنها كتاب من الحجم الكبير احتوت صفحاته الـ (176) علي محاور واستخلاصات تحليلية جديرة بانتباه أي مهتم أو دارس لموضوعة تفاعلات أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر).ـ فما الذي تحدث عنه بالضبط السيد ولد أباه في كتابه المشار إليه آنفاً؟.ـ وما الذي أضافه ذلك الكتاب علي روزنامة تحليلات أحداث 11 أيلول (سبتمبر) التي لا تزال حتي يومنا هذا الشغل الشاغل لعدة أبحاث ومؤلفات تنتمي في مجملها لحقول معرفية وعلمية مختلفة؟ـ وهل الإشكاليات الفكرية والاستراتيجية التي نجمت عن تلك الأحداث هي إشكاليات مؤقتة وعابرة أم أنها ذات أثر حدثي طويل الأمد؟ للإجابة عن الأسئلة الآنفة وغيرها سيكون مهماً أن نتفحص العناوين والمحاور التالية والتي سنحاول من خلالها تقديم عرض مختزل ومقتضب عن أهم مضامين للكتاب.الحصيلة الهزيلة للحرب الموعودةفي مقدمة فصله الأول الذي عنونه بـ 11 أيلول (سبتمبر) الحدث والمفهوم يتعرض ولد أباه لأهم الرؤي والمناقشات التي اجتهدت من أجل تقديم تفسيرات نظرية مقنعة حول أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، حيث يختصر أباه تلك الرؤي والمناقشات في ثلاثة اتجاهات رئيسة هي: أ ـ الاتجاه الذي اعتبر أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) تكريساً نهائياً للمسار البارز منذ سقوط الاتحاد السوفييتي وانهيار المعسكر الشرقي، فمشهد الهيمنة الأمريكية الأحادية الذي ترتب علي ذلك السقوط والانهيار، هو مشهد كانت أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) بمثابة الرافد الحيوي الهام لغطائه الاستراتيجي الذي طالما كانت إدارة بوش الابن في مسيس الحاجة له وإن كانت طبعاً لم تتصور إطلاقاً بأن يكون ثمن تلك الحاجة هو كارثة ومأساة بحجم أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر).ولقد كان من بين أبرز أنصار هذا الاتجاه جورج سورس رجل الأعمال الأمريكي الشهير الذي اعتبر ان زلزال 11 أيلول (سبتمبر) قد وفر لإدارة بوش الابن فرصة تجسيد مشروعها الإمبراطوري ذي الخلفية الإيديولوجية المحافظة والقائم علي ثلاثة مرتكزات أساسية هي التفوق العسكري والأصولية الدينية وأصولية السوق، فلقد وظفت الإدارة الأمريكية الهزة النفسية الهائلة التي خلفتها أحداث 11 أيلول (سبتمبر) من أجل تمرير أجندتها وتبرير مضاعفة الإنفاق العسكري وتكثيف التدخل في الخارج.ب ـ الاتجاه الذي فسر الأحداث من خلال الإحالة علي محور الصراع الحضاري والذي يؤكد مؤلف الكتاب علي أنه لا يزال المحور الأكثر بروزاً وحضوراً في المتخيل الاجتماعي الغربي فعلي الرغم من ان الكثير من المحللين والكتاب لا يذهبون إلي حد اختزال الصراع الدائر راهناً في صدام الإسلام والحضارة الغربية المعاصرة، إلا أنه من الواضح أن هذه الخلفية حاضرة في الأذهان، حتي ولو سلكت مسارب ضيقة خفية، مثل التركيز علي بعض البلدان الإسلامية بعينها مثل المملكة العربية السعودية وباكستان، أو بعض المجموعات والألوان الإيديولوجية والسياسية الأصولية الإسلامية ، ومن ثم الصعوبة البالغة في الفصل بين الإرهاب والمجال الإسلامي في الخطاب الأمريكي الرسمي وفي الأدبيات الغربية السيارة.ج ـ الاتجاه الذي يري في أحداث 11 أيلول (سبتمبر) مؤشراً هاماً لأفول الإمبراطورية الأمريكية وهو اتجاه يجد انتشاراً وذيوعاً وارفاً في العالمين العربي والإسلامي.وكان من مفارقاته المثيرة ان بداية تأصيله النظري لم تكن من خلال كتابات عربية وإسلامية بل كانت من خلال كتابات مفكرين أمريكيين منشقين عن مدرسة الهيمنة من أمثال العالم اللغوي الشهير نعوم تشومسكي.وفي تعقيب ناضج وعميق علي المتصور الفكري المؤسس لهذا الاتجاه الذي كما ذكرنا يجد انتشاراً كبيراً في العالمين العربي والإسلامي يقول السيد ولد أباه انه مهما كانت نقاط الضعف في النظام الأمريكي، ومهما كانت التناقضات البادية في العلاقات الدولية، فإن المشهد الثابت في النظام العالمي الحالي هو تحكم الولايات المتحدة في الرهان الاستراتيجي العالمي وفي بيئة الاقتصاد العالمي الموحد، والواقع ان زلزال أحداث 11 أيلول (سبتمبر) ولد أزمة نظرية حادة طالت الفكر الاستراتيجي وأنساق التأويل المألوفة في العلاقات الدولية.فمع أنه يكثر الحديث في أيامنا هذه عن التغيرات الهائلة والمفاجئة التي خلفتها تفجيرات نيويورك إلا أن هذا الحديث نادراً ما يرقي إلي درجة الاستكناه المعمق والتفكير الرصين، وكأن العقل الغربي أضاع موجهاته ومعاييره المألوفة بعد الهزة العنيفة والحادة التي تعرض لها مركز المنظومة الدولية.وبعد عـــرض هذه الاتجاهات ينتقل المؤلف لجزئية نظرية هامة تتعلق بوجود ثلاثة ديناميكيات كان زلزال 11 أيلول (سبتمبر) تعبيراً صريحاً عن مأزق معادلتها وهذه الديناميكيات تتجسد في التالي : أـ ديناميكية الشكل الهلامي المترتب علي انهيار نظام القطبية الثنائية فلقد بدأ واضحاً بعد ذلك الانهيار إن خارطة العلاقات الدولية تتأرجح بين اتجاهات متباينة عصية علي الحسم: قوة أحادية (الولايات المتحدة) فاقدة لآليات الهيمنة الفعلية علي باقي مناطق العالم، فشل استراتيجية الأنظمة الإقليمية الحليفة وإخفاق نهج تفعيل الشرعية الدولية من خلال نظام الأمم المتحدة، بقدر ما هي عاجزة عن تحمل مسؤولياتها إزاء أزمات عالم لا منافس لها فيه، وعلي رأس هذه الأزمات الحروب الأهلية والإقليمية التي تزايدت وتيرتها وتفاقمت فظاعتها أكثر من الحروب الباردة .ب ـ ديناميكية العولمة وإسقاطاتها المختلفة علي دور الدولة الوطنية والقومية.ج ـ الديناميكية الثقافية المتعلقة بغياب أرضية ثقافية من شأنها توفير مضمون لإيديولوجيا النظام الدولي الجديد الذي تبشر به الأدبيات الأمريكية أو توفير إطار مرجعي لديناميكية العولمة في ما وراء طابعها التقني ـ الاقتصادي. إن الديناميكيات الآنفة هي ديناميكيات لعبت من وجهة نظر أباه دوراً حاسماً في التمهيد لزلزال 11 أيلول (سبتمبر) الذي دفعت بعده أمريكا حلفاءها لرفع شعار الإمبريالية الدفاعية أي تدخل المجموعة الدولية لإنقاذ الكيانات المفككة الضعيفة والفقيرة والتي تشكل بؤراً لقواعد الإرهاب والتطرف، ولقد كان من الطبيعي جداً أن يتولد عن استحضار هذا الشعار مفهوم الحرب الاستباقية الذي كان العامل والرافد الرئيسي للتدخل الأمريكي في أفغانستان والعراق وفي صياغة تحولات جيوسياسية دولية عدة، يصل السيد ولد أباه بعد سبر تأملي وتحليلي في مضمونها وتداعياتها إلي استنتاج مفاده أنه علي الرغم من الانتصارات الأمريكية المعلنة علي الإرهاب، وهي انتصارات تمت في شكل حروب تقليدية غير متكافئة بين نظام معزول عن العالم يعود للعصور الوسطي (حكومة طالبان) ونظام آخر هش يعاني من الحصار والتآكل الداخلي (نظام صدام حسين في العراق)، إلا أنه من البين أن حصيلة الحرب الموعودة ضد الإرهاب هزيلة ومحدودة كما يقر الكثير من أبرز الكتاب السياسيين الأمريكيين هذه الأيام .11 أيلول (سبتمبر) الصدمة والتحدياتفي وقفته الفصلية الثانية يوضح السيد ولد أباه مدي تداعيات واعتداءات 11 أيلول (سبتمبر) علي منظومة العلاقات الدولية وتفاعلاتها المختلفة مُدشناً تحليله الفكري لتلك التداعيات من خلال تناوله لأهم نتائجها المادية والمعنوية علي الولايات المتحدة الأمريكية حيث يؤكد أباه في هذا السياق إن اعتداءات 11 أيلول (سبتمبر)2001 شكلت صدمة رهيبة للعقل الاستراتيجي الأمريكي الذي بدأ عاجزاً عن استيعاب هذه الهزيمة العنيفة التي كشفت عن شعور عارم بالضعف والهشاشة في مواجهة خطر بدائي لا يتركز في كيان قومي أو تحدٍٍ إقليمي أو دولي تقليدي، فالحكم الأمريكي تحول إلي كابوس ثقيل، بعد أن فقد الشعب حسب تعليقات إحدي الصحف السيارة زهوه بنفسه ، ووصلته نكبات الجنوب إلي قلب عنوانه وتفوقه بقدر ما أن القوة العسكرية والتقنية بدت عقيمة في مواجهة نمط جديد لا تتوفر آليات التعامل الفعال معه، أما الريادة المالية والاقتصادية التي تعززت بفعل ديناميكية العولمة التي تحكم فيها الولايات المتحدة من حيث هي مركز اقتصاد العالم فقد أصيب في الصميم، من خلال الاعتداءات علي بناية مركز التجارة الدولي في منهاتن، في وقت كان فيه الحديث قد بدأ يعلو عن دخول الاقتصاد الأمريكي مرحلة جديدة غير مسبوقة من الكساد.ونتيجة لما وصفه مؤلف الكتاب بتزايد عزلة الولايات المتحدة الأمريكية علي الساحة الدولية بعد انحسار موجة التعاطف العارم معها مباشرة بعد تلك الاعتداءات، ونتيجة أيضاً للعمق الكولونيالي الذي يرصع آليات فكر المحافظين الجدد التي يخصص لها أباه جانباً لا بأس به من الحصة التحليلية لهذا الفصل، فقد باتت الولايات المتحدة الأمريكية تواجه علي الصعيد الدولي تحديات مختلفة ربما أن أبرزها يكمن في تحدي علاقتها مع القارة العجوز أوروبا وكذلك تحدي القوي الدولية الصاعدة روسيا والصين .فعلي صعيد التحدي الأوروبي يشير كيسنجر إلي ما اعتري علاقات التحالف الأوروبية ـ الأمريكية من ضعف وتآكل منذ أحداث 11 أيلول (سبتمبر) علي الرغم من موجة التعاطف الواسع التي أظهرها الشارع الأوروبي وحكوماته لأمريكا الجريحة . وقد وصل الخلاف ذروته خلال حرب العراق التي كشفت عن هوة عميقة بين الجانبين من حيث الرؤية والتوجه وآليات الفعل الدبلوماسي، إلي حد أن بعض أركان الإدارة الأمريكية ذهب إلي تصنيف فرنسا وألمانيا ضمن محور الشر، وطالب بفرض عقوبات مشددة عليهما، في الوقت الذي ظهرت فيه أصوات أوروبية متصاعدة تدعو لإنهاء حقبة العلاقة الخصوصية بين الطرفين، وسجلت أعتي مشاعر الكراهية للولايات المتحدة في البلدان التي وقفت حكوماتها مع أمريكا في الحرب، وقد بدأ من الواضح أن دوائر الشراكة الأمريكية ـ الأوروبية غدت مشلولة، عاجزة عن التوافق المنشود، سواء تعلق الأمر بالملف الأطلسي، أو مجموعة البلدان الثماني الصناعية، أو المؤسسات الدولية الكبري وعلي الأخص مجلس الأمن .والتحدي الآنف يزيد من وطأته نهاية مقولة الغرب الاستراتيجي وشعور القيادات الأوروبية بمأزق الخيار الذي يجعلها تقف حائرة بين الاندماج المطلق والكامل في ترتيبات إدارة المحافظين الجدد المعروفة بخلفيتها الكولونيالية التي لم تسلم منها حتي البلدان الأوروبية الحليفة أو التحرر من القبضة الأمريكية واستثمار عناصر القوة الاقتصادية والاستراتيجية في بناء منظومة دفاعية قوية تحمي القيم الأوروبية المتميزة وتفرض مصالح القارة القديمة التي غدت تتحدد في اتجاه الشراكة الآسيوية وليس العلاقات الخصوصية مع أمريكا .هذا علي الصعيد الأوروبي أما علي صعيد القوي الدولية الصاعدة (روسيا والصين) فإن مؤلف الكتاب يلاحظ بخصوص الملف الروسي استمرار مشاعر الخوف الأمريكي من النزوع التوسعي الإمبراطوري الروسي وهي مشاعر عزز من تفاعلها وصول بوتين للسلطة والمواقف الروسية المخالفة للسياسات والتوجهات الأمريكية والتي ربما كانت واضحة جداً من خلال الموقف الروسي للغزو الأمريكي للعراق، ومع ذلك فإن ولد أباه يتفق مع باحث الاستراتيجيات الكسندر آدلير في أن روسيا بحاجة لأمريكا لمساعدتها في تجاوز أزمتها الاقتصادية، في حين تحتاج الولايات المتحدة لروسيا لأهداف استراتيجية بعيدة المدي كاحتواء العملاق الصيني الصاعد، ومحاربة الإرهاب الشرق أوسطي، وتأمين انسياب النفط واستقرار أسعاره، فروسيا الجديدة الساعية لاستعادة مواقعها في أوكرانيا كازاخستان والدول القوقازية وبلغاريا وربما صربيا ستؤدي بالنسبة للولايات المتحدة دوراً محورياً لا يقل عن دور الشراكة الإنكليزية الروسية في القرن الثامن عشر لاحتواء مخاطر القوة الفرنسية .أما فيما يخص الملف الصيني فإن الملاحظة الأهم في هذا الصدد تتعلق بأهمية أن تحسم الولايات المتحدة خيارها الاستراتيجي مع الصين وهو خيار كما هو واضح من معطيات الأمور تأرجح خلال العقود الثلاثة الأخيرة بين الشراكة الاستراتيجية الحذرة والاشتباك المحدود، فالصين تملك أطول تاريخ غير منقطع في العالم وهي تحكم بآخر حكومة رئيسية تسمي نفسها شيوعية، إنها الدولة ذات الإمكانات الأكبر التي تحولها إمكانياتها لكي تصبح منافساً للولايات المتحدة في مرحلة ما من القرن الجديد حسب عبارة كيسنجر.ويبدو أن التهديد الصيني أصبح نغمة شائعة وهماً رئيسياً في الفكر الاستراتيجي الأمريكي الجديد، وقد برز اتجاه واضح إلي التعامل مع الصين بمعايير الحرب الباردة علي طريقة الاشتباك العدائي مع الاتحاد السوفييتي، وإن كانت الإدارة الأمريكية تنتهج لحد الآن خطاً وسطاً بين الائتلاف الذي تقضيه حرب الإرهاب والصدام المتولد عن صدام المواقع في الفضاء الآسيوي، أي ما عبر عنه زلماي خليل زادة بالالتزام الاحتوائي .العرب بين مطرقة الإصلاح الخارجيوسندان الإصلاح الداخلي: علي غير عادة الكثير من الباحثين والمحللين في منطقتنا العربية اختار السيد ولد أباه التمهيد لموضوعة الإصلاح من خلال المرور في الفصل الثالث من كتابه علي جزئية هامة وحيوية تتعلق بالدلالات الفلسفية والاستراتيجية لنظرية الحرب العادلة والتي يلاحظ أباه أنها نظرية غدت مألوفة في أقسام العلاقات الدولية بالجامعات الأمريكية منذ السبعينات من القرن المنصرم، وقد تجدد الاهتمام بها لدي بعض الدوائر الأكاديمية والدينية في سياق مغاير للنزوع الحربي الراهن، الدعوة إلي التأطير الأخلاقي للحرب وضرب القيود علي استخدام العنف في مرحلة وصل فيها السباق النووي وإنتاج أسلحة الدمار الشامل إلي أوجه.ولقد شكل كتاب مايكل فالزر الصادر عام 1977 م بعنوان الحرب العادلة والحرب غير العادلة أهم مرتكز مرجعي لهذا الاتجاه الذي سعي لإعادة بناء النظرية الدينية الوسيطة علي أسس ليبرالية جديدة.كما أن نظرية الحرب العادلة كانت رافداً أساسياً لاستراتيجية المحافظين الجدد تجاه المنطقة العربية ومختلف أنحاء العالم، وهي استراتيجية كما نعلم تقوم في جزء كبير منها علي ثلاثة مبادئ رئيسية تحدد وفق عقيدتهم مهمة أمريكا المستقبلية ومسؤوليتها في العالم وهذه المبادئ الثلاثة هي: أولاً ـ الانتقال من الردع إلي الاستباق لمواجهة المخاطر المتولدة عن الإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل.ثانياً ـ الانتقال من الاحتواء إلي تغيير الأنظمة باعتبار أن الأحكام الاستبدادية هي في ذاتها خطر علي المصالح القومية الأمريكية.ثالثاً ـ الانتقال من الغموض إلي القيادة أي وعي أمريكا بدورها الريادي في العالم وتبوؤ مسؤولياتها بصفتها الأمينة علي استقراره وأمنه.ومن خلال هذه المرتكزات بدأت بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر)الدعوات الأمريكية الرامية للضغط علي النظم الرسمية العربية وحثها علي تبني الإصلاحات التي من شأنها خدمة تلك المرتكزات وعدم تكرار مشهد التورط غير الرسمي العربي في اعتداءات مثل اعتداءات 11 أيلول (سبتمبر)2001، حيث باتت معزوفة الإصلاح هي المعزوفة الأنسب لصانع ومتخذ القرار السياسي الأمريكي وهي معزوفة يخصص لها مؤلف كتاب عالم ما بعد 11 أيلول (سبتمبر) فصلاً هاماً هو الفصل الرابع الذي يتناول فيه السيد ولد أباه مسألة الإصلاح من خلال بعدين رئيسيين هما بُعد الإصلاح الديني والثقافي وبُعد الإصلاح السياسي.فبخصوص بُعد الإصلاح الديني يقر السيد ولد أباه بأن أحداث 11 أيلول (سبتمبر)كشفت للعيان بعض الثغرات الخطيرة في الثقافة الإسلامية المشتركة، ولسنا بحاجة إلي جمع الأدلة النظرية والبراهين التاريخية علي انفتاح الإسلام وسعته وتسامحه، فتلك من الحقائق الراسخة التي نادراً ما يتم إنكارها، وإن كان يتعين التنبيه إلي تباين المقاربات والتصورات والتجارب المستندة للمرجعية الإسلامية من حيث انفتاحها وقبولها للآخر وهو تفاوت يفسر بأطر وظرفيات تشكل الممارسات التأويلية المتمايزة بحسب السياقات والأرضيات التاريخية ـ الاجتماعية ـ كما أن الثقافة الإسلامية المشتركة ليست هي الخطاب الأصولي المتطرف أو تيارات الإحيائية الإسلامية، حتي لو كان هذا الخطاب يوفر لهذه الثقافة أحياناً بعض مكوناتها ورافدها، كما أن هذه الثقافة تختلف عن المخزون التراثي الوسيط وعن التقاليد النخبوية في الجامعات، وتشكل أساساً من صورة سائدة ينقلها الإعلام وتبثها المقررات التربوية وتكرسها التربية الأسرية والوعظ الديني في المساجد.ويلاحظ في هذا السياق بأن المحاولات القليلة النادرة التي حاولت خلال الآونة الأخيرة تقديم مشاريع فكرية تهدف لتجديد الخطاب الديني وإصلاحه لم تتمكن من حسم اشكالات ثلاثة أساسية يعتبرها أباه بمثابة مفاصل محورية ورئيسية في عملية الإصلاح الديني وهذه الإشكالات هي:أولاً ـ هل لا تزال البنية الأصولية القديمة كما ضبطت في عصور التدوين صالحة وكافية لاستثمار النصوص الشرعية واستنطاقها في ضوء المستجدات الراهنة؟ وهل هذه البنية من نسيج الشرع ذاته ومن مقتضياته أم هي مجرد كسب تأويلي ونتاج مقاربة تاريخية ليس لها طابع إلزامي؟ثانياً ـ هل الأولوية في المشروعية الإسلامية هي للنص من حيث دلالته الحرفية ومضامينه العينية أم لمقاصد الدين وأهدافه واتجاهاته؟ وما هو الهامش المتاح للمؤول والمجتهد في ترتيب الأولوية بين النص والمصلحة؟.ثالثاً ـ ما هي الإمكانات المتاحة للاستفادة من علوم النص المعاصرة في تأويل واستنطاق النصوص الشرعية، مع ملاحظة أن هذه العلوم (اللسانيات والسيمياء) قد انبثقت في سياق غربي مغاير للمجال الإسلامي، هو في نهاية التحليل نتاج مسار نزع القداسة عن النصوص المسيحية، وإن كانت في الآن نفسه تقدم إمكانات تأويلية هامة لا تتعارض والمصدر الإلهي للنصوص الدينية؟أما بخصوص بُعد الإصلاح السياسي فإن مؤلف الكتاب يتناول البعد من خلال زاوية نظرية محددة هي الزاوية المتعلقة بالأبعاد الداخلية والخلفيات الاستراتيجية لموضوعة الإصلاح السياسي في المنطقة العربية والتي يمهد أباه حديثه عنها بالإشارة إلي أنه ما أن وضعت حرب العراق أوزارها، حتي بدأ الحديث عن الإصلاح يعلو في مستويات وعلي أصعدة متعددة وبوتائر متمايزة، وشكل خطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش في جامعة كارولينا الجنوبية يوم 9 ايار (مايو) 2003 علامة بارزة في هذا المسار بطرحه أول صيغة لمبادرة الإصلاح الأمريكية التي اتضحت اتجاهاتها وخطوطها التفصيلية من خلال المشروع الذي غدا معروفاً بتسمية مبادرة الشرق الأوسط الكبير الممتد من موريتانيا إلي أفغانستان .ويلاحظ أباه في هذا الإطار ظهور أطروحات فكرية عربية مبتسرة تروج للمشروع الأمريكي للإصلاح بشكل غير مباشر وتنطلق توجهاتها وأدواتها التحليلية من خلال الرؤي التالية: أولاً ـ المماهاة بين حاجة المجتمع العربي للتحديث والانفتاح الديمقراطي والتنمية الناجعة والاندماج النشط في النظام الاقتصادي العالمي من جهة والاختراق الأمريكي المتزايد للمنطقة والذي يتخذ شكل مشروع هيمنة لفرض ما يقدم بأنه النموذج الأمريكي من جهة اخري.ثانياً ـ اعتبار واقع الهيمنة الأمريكية علي العالم مرجعية استراتيجية جديدة لا يمكن الخروج عنها، بل يتعين الاندماج فيها لانتزاع الحقوق العربية المسلوبة، بدل نهج المقاومة الذي استنفد أغراضه وصار شعاراً من شعارات الماضي المهزوم. ثالثاً ـ إفلاس خطاب الهوية والخصوصية الحضارية الذي لم يجن علي الأمة إلا مزيداً من الهزائم والتجزؤ والانهيار، مما يعني أن علي العرب أن يغيروا أفقهم الاستراتيجي والفكري الذي تحدد طيلة نصف قرن بالمشروع القومي العربي الذي انتهت آخر لبناته مع نهاية النظام البعثي العراقي، وفي مقابلة يتعين التفكير في خيارات بديلة، علي رأسها دولة السوق المندمجة في نظام العولمة. ويرد الكاتب علي الرؤي الآنفة بالإشارة إلي المعطيات الرئيسية التالية: أولاً ـ إن أصحاب هذه الأطروحة ينقصهم أدني اطلاع علي أدبيات الفكر الاستراتيجي الأمريكي الجديد، حتي ولو كانت منشورة ومتوفرة للقارئ اليقظ، وإنما لا تتجاوز معلوماتهم في الغالب شاشات الفضائيات الأمريكية التي لا تقل تحيزاً وحماساً عن فضائياتنا الصحّافية (من اسم محمد سعيد الصحاف وزير الإعلام العراقي السابق).ثانياً ـ إن التجارب أثبتت أن آلية التدخل الخارجي عاجزة عن إحداث الإصلاحات المجتمعية الجذرية التي يتعين أن تصدر عن ديناميكية تحول داخلية تتوفر لها المشروعية القيمية والزخم الشعبي.ثالثاً ـ إن نهج الاحتلال الذي تبنته الولايات المتحدة إبان تطبيقها لمشروعها الإصلاحي هو نهج عاجز عن إفراز المعادلة الديمقراطية المنشودة لأسباب عدة من بينها ما يلي: أـ أن الاحتلال لا يمكن أن يقوم إلا علي القمع والاستبداد وخنق الحريات ومن ثم فإنه لا يمهد بذاته للانفراج الديمقراطي بل يزيد الوضع السياسي احتقاناً وتأزماً بالنظر لسمة الإكراه المزدوج التي تسمه (الهيمنة العسكرية المفروضة من الخارج).ب ـ إن الاحتلال يؤدي ضرورة إلي انبثاق مقاومة وحركة تحرر وطنية، تجعل هدفها الأوحد شحذ وتنمية الحس الوطني ضد العدو الخارجي، فتغيب وتعلق التطلعات والمطامع الديمقراطية لأجل هذا الهدف المقدس الأنبل، وهو تحرير الوطن والأمة وتصفية الحضور الأجنبي، ولا شك أن مناخ التحرر والمقاومة ليس هو الأرضية الملائمة للانفتاح الديمقراطي، بل هو مناخ حرب ومواجهة يسمح بتبرير أفظع حقوق الإنسان وأسوأ أنظمة الاستبداد.ج ـ إن واقع الاحتلال والتدخل الخارجي يؤديان إلي تفويض التوازنات الهشة التي تولدت خلال عقود الاستقلال الأولي، وفي مقدمتها البنيتان البيروقراطية والعسكرية، اللتان كان يتأسس عليهما هيكل الدولة الحديثة، مما يفضي ضرورة إلي الانكفاء علي الخصوصيات القومية والطائفية الضيقة المرشحة للتعبير عن نفسها في أشكال استبدادية مغلقة تؤول إما إلي واقع هيمنة جديد أو إلي حرب أهلية مدمرة، صحيح ان ثمن هذه التوازنات هو الطغيان والإقصاء، بيد أن الإصلاح الديمقراطي يقتضي حتماً بيئة استقرار وأمن بدونهما يغدو مستحيلاً، حتي ولو كان لا بد من الإقرار أن الاستبداد من المسببات الرئيسية للفتنة وانعدام السلم والاستقرار.رابعاً ـ إن التحدي الذي يواجه النظام العربي هو رسم الموقف الناجح الذي يضمن في آن واحد التحصن ضد مشروع إصلاحي مفروض من الخارج واستيعاب صدمة التحولات الهائلة التي عرفتها المنطقة في الآونة الأخيرة.الإســلام والغـــــربثلاثة نماذج رئيسية يري السيد ولد أباه أنها كانت وراء تشكل الصور العدائية للإسلام في الثقافة الغربية السائدة وهذه النماذج هي: أ ـ نموذج الإسلام ضمن التقليد الكتابي اليهودي المسيحي.ب ـ نموذج الإسلام من منظور الحداثة.ج ـ نموذج الإسلام من المنظور الاستراتيجي والذي يقول عنه أباه بأنه النموذج الأكثر انتشاراً وأنه قد تجذر منذ بلورة صموئيل هنتغتون في نظريته المشهورة حول صدام الحضارات التي عرفت رواجاً واسعاً بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر)2001، والتي اعتبرت مصداق هذه الخيفة من العدو الأخضر الراهن، وفق هذا المنظور لا ينحصر العداء للغرب في المجموعات الأصولية والحركات الإرهابية المتشددة، وإنما يشمل القوي الإقليمية الصاعدة التي تتمتع بقدرات اقتصادية وعسكرية تسمح لها بالاضطلاع بأدوار دولية هامة (كما هو شأن باكستان واندونيسيا مثلاً أو بالدول النفطية العربية التي تتحكم في شريان الاقتصاد العالمي).وكان برنارد لويس أول من تحدث منذ عام 1990 عن الصراع الحتمي بين الغرب والإسلام الراديكالي، كما ذهب بنجامين باربر في الاتجاه ذاته متحدثاً عن صدام الجهاد وعالم الماك قبل أن يكرس هنتغتون النموذج باعتبار أن مشكل الغرب ليس مع الأصولية الإسلامية، بل مع الإسلام الذي هو حضارة مختلفة تعتقد شعوبه بتفوق ثقافتهم ويملكهم هاجس الخطاط قوتهم، فإذا باعتداءات نيويورك وواشنطن وكأنها تؤكد هذه الخشية، وتبين ما توقعه لويس وهنتغتون من خطر إسلامي مصدره كراهية الغرب ورفض منظومته القيمية . وبعد أن يتناول الكاتب جدلية الإسلام والغرب من زاوية وهم الصورة ووهم الخطر خلال صفحات فصله الخامس يمر بنا إلي الفصل الأخير من كتابه الذي يطرح من خلاله مسألة أزمة الحوار الحضاري التي نجمت عن أحداث 11 أيلول (سبتمبر) مؤكداً علي أن مختلف المنظومات الثقافية العالمية باتت اليوم في مسيس الحاجة لمقاربة كونية تواصلية منفتحة تنطلق مرتكزاتها من خلال ثلاثة مستويات مترابطة هي: أولاً ـ العلاقة بالحداثة من حيث هي إطار نظري ومرجعية فلسفية وفكرية هي التي صاغت المضمون القيمي للحضارة المعاصرة، بالوقوف علي ثوابتها وتصدعاتها ومظاهر وهنها.ثانياً ـ الحوار الواسع والمتصل حول منزلة المقدس في المجتمعات المعاصرة وانعكاسات هذه المنزلة علي الخيارات المجتمعية والسياسية، لا في العالم العربي ـ الإسلامي بل في العالم برمته من منطلقات وخلفيات متباينة.ثالثاً ـ الإشكالات التي تطرحها تقنية عصر العولمة أي مدي أثر الثورة التقنية الثانية علي الأبعاد الانطولوجية والقيمية والخلقية لوجود الإنسان ذاته، باعتبار اختلافات الثقافات العالمية، وفي ما وراء هذه الاختلافات.وختاماً: تظل محاولة أباه الآنف عرضها محاولة بحثية متميزة في إطارها الابستمولوجي والنظري، انطوت سطورها علي مقاربة فكرية غنية بالاسنادات والمضامين العلمية التي من النادر أن نجدها في العديد من المقاربات الفكرية التي تناولت ولا تزال تتناول أحداث 11 أيلول (سبتمبر) فلقد تمكن صاحبها من توظيف رؤيته الموضوعية الناضجة لمعطيات الأحداث بغية تقديم كتاب جدير بالاطلاع والتحليل الذي يطال مختلف أبعاده ومضامينه، هذا طبعاً مع الأخذ في الاعتبار بعض الملاحظات والهفوات التي لا تخلو منها أي مقاربة فكرية ولا تقلل إطلاقاً من الجهد النير الذي بذله المؤلف، والذي كادت أخطاؤه المطبعية أن تطمس العديد من مضامينه ومحتوياته القيمة.7