لسان الحلاّج والقتل الافتراضي للشّاعر
نزار شقرونلسان الحلاّج والقتل الافتراضي للشّاعراستوقفني ما حدث مؤخّرا للزّميل الشّاعر العراقي عدنان الصّائغ من تهديد بالقتل وتلويح بقطع اللّسان في الدّورة الأخيرة لمهرجان المربد الشّعري. وتمثّل هذه الواقعة عيّنة مصغّرة من وقائع متفرّقة في الوطن العربي حيث يقيم الشّاعر العربي علي أديم رجراج سريع التّزلزل بمجرّد حياكة قصيدة جريئة مناوئة للسّائد الاجتماعي والفكري. والمفارقة الكبيرة التي حدثت للصّائغ أنّه انتعل نواياه الطّيّبة في اتّجاه بلده بعد غياب طويل ممنّيا النّفس بالعودة إلي مدينة السّلام لتنوير العتمة وإماطة اللّثام عن حركيّة الأدب العراقي التي بقيت طيلة سنوات أسيرة تسلّط أمني رهيب وكابدت نتائج الحروب المتكرّرة فألجمت طاقاتها. لقد حقّ للصّائغ أن يلتحق بالحيويّة الجديدة التي يعيشها أدباء العراق في الدّاخل رغم القصف المستمرّ وحمّي العنف والإرهاب المتعدّد الجنسيّة والمأرب، لكنّ مهرجان المربد الذي يحتاج إلي مراجعة شاملة في تصوّرات التّنظيم والمحاور العلميّة وطبيعة الدّعوات، كان صراطا صعبا علي الشّاعر حيث مرّت الكلمات في فوهة النّاروتبدّد وهم التّغيير الذي بدا ساطعا في الخطاب السّياسي العراقي كما التمعت في سماء المهرجان حجب الظّلام الذي غزا العراق والمنطقة العربيّة.إذ لم تخلّف هذه النّكبات المتتالية غير انتفاخ سريع لدعاة الظّلام الذين يمنعون شعرا يطرح الأسئلة علي تاريخنا المرير ويواجه تراثنا بجرأة. هؤلاء لا يريدون من الشّاعر غير أن يبقي وفيّا لإملاءاتهم وترجمانا لرؤيتهم، في حين أنّ الشّعر اليوم منزّه عن لوثة هذه العقول وغريب أكثر ممّا مضي. فــ المربد الذي كان في بداياته مرصدا لحركة الشّعر العربي لم تظهر علي امتداد تاريخه مثل هذه الوقائع، فلم نسمع تهديدا بالقتل. كان الوطيس بين الشّعراء يحمي عند إلقاء الشّعر وفي النّدوات العلميّة وكان القتل افتراضيّا بالهجاء والسّخرية والعتاب والانتقاد والمقاطعة أي أنّه لم يبرح كلّ الصّيغ البلاغيّة المباحة، فمنذ تأسيس المربد في سنة 1971كان القتل افتراضيّا. ألم تكن البيانات الاحتجاجيّة للأدباء الشّباب في المربد الأوّل ضدّ القصيدة التي ألقاها الشّاعر مصطفي جمال الدّين نوعا من التّعبير عن الرّفض ثمّ ألم ينزعج الشّاعر الجواهري من نقد النّاقد محمد النّويهي ولكنّه بقي سامقا مثل دجلة الخير . كما أنّ المربد الذي استقبل الشّعراء العراقيّين المغتربين مثل سعدي يوسف وبلند الحيدري لم يتسلّل امرؤ فيه ليعلن قطع الألسن. وإذا كانت الشّعارات الدّيمقراطيّة معلنة، علي الأقلّ، في تلك المرحلة فإنّ أحدا لا يجرؤ علي إرهاب الشّاعر بالشّكل الفاضح والعلني، إذ أنّ ترهيب الشّاعر كانت له أشكال أكثر بلاغة من الإرهاب الحالي.أذكر أنّ الدّورات الأخيرة للمربد كانت نوعا من تجييش المشاعر ضدّ الحلفاء وكان النّظام الصّدّامي يعيد إلي الأذهان صورة الشّاعر/البوق. ولكن حتّي في تلك الفترة الصّعبة كان الشّعر يتلي في موضوعات جريئة دينيّة وفكريّة دون أن ينال أحد من أحد ففي سنة 1998 وتحديدا في الدّورة الرابعة عشر للمربد قرأنا شعرا غير مستهلك أو قابل للتّعليب رغم كثرة الأصوات التي بالغت في إعلان الولاء للنّظام العراقي وليس للعراق. أستحضر صديقي الشّاعرالسّوري عبد القادر الحصني الذي قرأ قصائد في التّصوّف من ديوانه ماء الياقوت ولم يتّهمه أحد بالزّندقة أو بالتّطاول علي الذّات الإلهيّة. لقد أنشد الحصني من ديوانه: هذه بلادي التي ينهد اللّه من قلبها يانعا في الصّباح وينهد في قلبها متعبا في المساء. وأنشد أيضا: ربّ هلاّ دريت أنّ حياة ألبستني يداك ما هي حياة إنّ هذه الأسطر التي تخلّلت قصائد الشّاعر الحصني لم تدفع أيّا كان إلي اتّهام الشّاعر بتهم المروق ولم تولّد نظاما شعبويّا للحسبة. ربّما كان المحرّم السّياسي في معني حماية الرّؤية البعثيّة هو الخطّ الأحمر لذلك كان من المباح أن يتصوّف الشّاعر في شعره وأن يستدعي الذّات الإلهيّة في محراب قصيدته. ولكنّ الأعمق من كلّ هذا أنّ الذّائقة المربديّة آنذاك كانت أرقي بكثير من الذّائقة الرّاهنة. لقد خلّف الحصار ومن بعده الاحتلال تهرّيا كبيرا في مستوي صلة المبدع العراقي عامّة بالكتاب الجديد وبالشّروخ الحديثة في مناهج التّلقّي لكنّ ذلك لم يكن ليعدم الحساسيّة الشّعريّة حتّي للمواطن العادي. لقد كنّا نقرأ قصائدنا في المربد بشفافيّة القابضين علي الجمر دون أن نفكّر ليلا بالبقاء في نزل المنصور خوفا من بطش أيادي الظّلام بل كنّا نسهر في شارع أبي نوّاس إلي أن نسمع تمثاله يتثاءب مشيرا إلينا بانتهاء المجلس. وكنّا نناقش بعض الرّؤي السّلفيّة في الجلسات الفكريّة المفتوحة علي العموم دون أن تبلغنا رسالة تهديد ودون أن يشاع في المربد أنّنا حملة فكر تنويري، وجبت مقاطعتنا أكاديميّا وشعبيّا حتّي أنّ موظّفة الاستقبال كانت تضربنا كلّ صباح بالورد، كما أنّ عاملات التّنظيف لا يعبسن في وجوهنا مع أنّنا نعلن احترازنا من إيمان العجائز وصلوات الباحثين عن الحور العين والولدان المخلّدين.كان الصّديق ماجد السامرائي يلهو ضاحكا باختراقاتنا الشّعريّة ويلازمنا محبّة وتواشجا مع رغبتنا في اقتناص لحظة شعريّة جديدة وكان النّاقد التّونسي خالد الغريبي يتوهّج في الجلسات النّقديّة بحرّية كبيرة في حضرة الشّاعر حميد سعيد الذي كان وجوده بمثابة سحابة سلام وصمّام أمان. قد أستعيد هذه اللّحظات الخاطفة لشعوري بأنّ ما حدث أخيرا لا يعكس مجرّد خدش بسيط لذاكرة شخصيّة أو لذاكرة المربد وإنّما لإدراك قويّ بأنّ متغيّرات كثيرة حدثت في العراق لا تنبيء بخير، فأن يتلو شاعر قصيدا فيه حديث مع الذّات الإلهيّة وتعتبر التّلاوة مسّا بالدّين فتلك استعادة للحظة حلاّجيّة. إذ أنّ من قطع يدي الحلاّج ورجليه ثمّ ضرب عنقه وحرق جثّته في النّار ونصب رأسه للنّاس علي سور السّجن الجديد هو سيّاف عابر للزمان والمكان لأنّ أحفاده تفطّنوا قبل العلم إلي وصفة الفياغرا. إنّ أمثال هذا السّياف هم بلا ريب من هدّدوا الشّاعر الصّائغ بقطع اللّسان وهم ينتشرون في كلّ رقعة ويتّخذون من التّظاهرات الأدبيّة والفكريّة مرصدا لهم، حيث ينصتون جيّدا للأدباء ويشحذون جيّدا سكاكينهم ولا يتكلّمون ببنت شفة إذ يكفيهم لسانهم المعدني. فلو كانت رؤاهم تتّسع للحوار لميّزت بين أن يتناول الأديب المسألة الدّينيّة من زاويته الخاصّة وبين أن تتناول هذه المسألة من جانب الفقهاء. لكنّ الشّارع العربي الواسع ما زال يتلقّف القصيدة باعتبارها فتوي ويعاملها إمّا باعتبارها اجتهادا غير مباح أو يجرّم أصحابها ولعلّ مردّ هذا اللّبس عجز التّلقّي العربي العمومي عن اجتياز القدسيّة الرّهيبة التي مني بها الشّعر طيلة قرون فجعلته، رغم كلّ شيء قريبا من النّصّ الدّيني. وقد ساهم العجز النّقدي المستفحل في تعمية هذا الوضع إذ أنّ القصيدة العربيّة تلقي علي محبّي الشّعر فيتلقّونها بنفس الآليّة التي يتلقّون بها درسا وعظيّا أو خطبة جمعة. وهو ما يساعد علي انتشار ذائقة إرهابيّة. إنّ النّصّ الشّعري اليوم مهدّد بقطع اللّسان أكان السيّاف ناقدا مدّعيا أم محبّا للشّعر وقد منع حبيبته أن تخرج في الحبّ عن سنن القدامي الذين حرّموا القبلة قبل الزّواج، فهدّدها بقطع العلاقة. يتجدّد القطع إذن وهو في كلّ أشكاله ثابت واحد مفاده أنّنا ما زلنا لم نقطع حبل السّرّة في المعرفة وفي الذّائقة الفنّية والأدبيّة وفي أنظمة الحكم وبقي لنا ما تبقّي من الحلاّج: اقتلوني يا ثقاتي إنّ في قتلي حياتي ومماتي في حياتي وحياتي في مماتي شاعر من تونس0