وجوه متعبة وأجساد عارية وبركان من اللهيب والجحيم يغلف بغداد

حجم الخط
0

وجوه متعبة وأجساد عارية وبركان من اللهيب والجحيم يغلف بغداد

في معرض للفنانة العراقية سعاد العطار شهادة عن الغزو والمدينة التي احترقت:ابراهيم درويشوجوه متعبة وأجساد عارية وبركان من اللهيب والجحيم يغلف بغدادالفنانة العراقية المعروفة سعاد العطار كان هاجسها في رحلتها الفنية الطويلة الانسان والشجر والتراث، ففي اعمالها الفنية نلاحظ فنتازيا العراق وتراثه من ملحمة غلغامش الي الفن الاشوري وقبله السومري والفنون العربية الاسلامية خاصة اعمال الفنان يحيي الواسطي فنان مقامات الحريري. الطبيعة والفضاء في لوحات العطار فنتازية ذات جمالية خيالية ومتخيلة تماما كما هو اهتمامها بالوجوه، المرأة والرجل، وفوق هذا صورة المدينة التي تدخلها في العادة في ميدان الحلم وتمزج في تنوعات لونية واشكال متعددة بين زمن المدينة في الواقع وزمنها في المتخيل. تطور العطار دائما في تجريبها سواء علي صعيد الشكل او اللون، وهذا التجريب يتساوق مع تجربتها الفنية التي بدأت عندما كانت في سن التاسعة من عمرها، واول ما تعرفت عليه في مجال الفن العالمي كان بطاقات بريدية حاولت تقليدها ثم قدم لها والدها مجموعة من الصور التي رسمها الفنان الفرنسي المعروف جون بول غوغان، المعروف بالوانه الوحشية والاكزوتيك خاصة في صوره عن الاستواء ونساء تاهيتي. ومع اهتمامها بالتجارب الفنية وتأثرها في اللاوعي بعدد من الفنانين العالميين، حيث تقول انها تدرس وتهتم باعمال فنان في مرحلة وعندما تتشبع منها فانها تتحول لفنان اخر وهكذا.ولكن الحديث عن فن العطار هو حديث عن المصادر والبئر التي شكلت منها وعيها الفنية واغترفت منها الوانها، موضوعاتها واشكالها، وهنا فالبئر ظلت وتظل العراق/ بغداد، وهي المكان والزمان الذي يحضر في اعمالها، العطار حافظت علي موضوعاتها، مع تغيير دائم في الاساليب والاشكال، ولكن معرضها الاخير دموع المدينة القديمة في ليتون هاوس الذي بني فيه اللورد ليتون غرفة عربية الطابع والشكل، يمثل اتجاها مختلفا وتحولا في رحلتها الفنية المتميزة، هنا لوحات مغموسة بالحزن والغضب والعذاب الذي يمثله العراق اليوم بعد السقوط والاحتلال وفيها ايضا امل ما بحدوث شيء مختلف علي صعيد بلد تحولت مهمته لتصدير الجثث الي القبور كل يوم، هنا فن حرب، فن يمزج الانطباعية بالتجريدية، فن يبحث في الغيوم السوداء والحرائق الكثيرة التي اندلعت في الوطن عن وجه بغداد. واللوحات في هذا المعرض آخر ما انتجته الفنانة ولم تعرض لوحاته من قبل، فـ مدينتي المحترقة عمل فني مهم في استلهامه لحرائق الوطن واول عمل فني في مرحلة ما بعد الاحتلال يوثق فنيا لما حدث منذ سقوط بغداد في التاسع من نيسان (ابريل) 2003 فعندما تعاين اللوحة من اكثر من زاوية، ومن بعد تعثر علي تفاصيل مهمة تقدم ضوءا علي زمن بغداد، واول ما يتبادر للذهن وانت تتابع بركان اللون المتفجر علي اللوحة، هو ما حدث في ذلك اليوم، من حرق للمكتبة الوطنية ونهب المتحف الوطني وبيع الفن العراقي العريق في المزاد في السوق السوداء. كتل من اللون السوداء والحمراء القانية اللون تتعانق مع البياض الملتهب الذي يشير لاعلي درجات النار والجحيم اللذين غلفا بغداد في ذلك اليوم وذلك الزمن ومن بين هذه الكتل اللونية المركزية والمتنوعة في التركيز، وتتراوح بين درجات الظلمة والاضاءة تظهر بيوت العاصمة كالاشباح، بعيدة وقريبة، تماما مثل القناديل المعلقة في شوارع مدينة قديمة تهزها الريح. تقول العطار التي جلست معها في قاعة العرض تحيط بنا هذه الاعمال الجديدة ان المعرض اخذ منها اكثر من ثلاثة اعوام مــن التفرغ، حيث كانت تعيد رســــم وصياغة الالوان، تمحي هذه الطبقة اللونية وتضيـف عليها طبقة اخري، تمسحها مرة وتركز الخلفية اللونية التي تمثل اساس العمل، ومع هذا الجهد والتجريب الدائم والتغيير تتشكل مفردات اللوحة وموضوعاتها. لوحة مدينتي المحترقة يمكن ان تقف امامها لساعات طويلة والتحديق بها وتحليل ابعادها، وهي اللوحة التي قدمتها مع شرح شعري للشاعرة المعروفة ليلي بنت لكيز التي استوحت بعض اشعارها في اعمال اخري، هنا الشعر يشرح ويضيء علي المعني والضوء الذي تقدمه اللوحة. ليلي بنت لكيز تتحدث عن الالم والحزن الذي ذاب في احشاء قلبها، وهو الحزن الذي غمر وذوب كل شيء وغمره اللهيب، وهنا تعبر بنت لكيز التي عاشت في القرن الرابع الهجري عن حالة اللهيب والبركان او الجحيم الذي غمر بغداد كلها، واحرق تاريخها وتراثها. حرائق مدن بغداد تتقاصر امامه حرائق المغول فيها قبل اكثر من ستة قرون. من جحيم النار، والبركان المتفجر يلمع هلال صغير، ربما يعبر عن حلم الفنانة بالولادة، وبداية موسم الخصب في بلد كان مركز الهلال الخصيب.هنا في لوحات العطار الست التي تشكل اساس المعرض، نعثر ايضا علي معايشة دائمة ويومية مع العراق، فالتشكيلات والمخططات الاولي واليوميات التي كانت تكتبها بعد الحرب تشكل ارضية لغوية للوحة، فمفردة اللوحة تتشكل اذن من تلك المخططات التي تذكر بمخططات فنون الحرب وفن التشخيص الذي يجمع بين التفصيل والكاريكاتير والفن الشخصي العام، ولكن ما يطبع هذه المخططات هو نظرات الاشخاص، ففيها صرخة صامتة وهذه هي اقوي وافعل من العويل المباشر والواضح، فالعيون تحكي القصة، فيها الكثير من الاسئلة وتحكي كل القصة دون ان تقول شيئا. في الصرخة وجه بعين واحدة يطل من غلالة من طبقات اللون المضيئة نوعا ما، العين الاخري مع الخد مغطاة بطبقة سوداء، الفم شبه مفتوح وسن حمراء تفسر نقاط الدم المراقة في اسفل اللوحة. العين الواحدة التي تظهر رجلا انهكه الهم والتعب، فيها تعابير عن الفداء والالم والتضحية، وتذكر بصورة السيد المسيح في الفن الغربي، المسيح الفادي، صاحب الالم والتضحية. في هدوء الالوان البني الفاتح والابيض والاسود غير المركز نقف امام صرخة احتجاج علي زمن الحرب، الوجه لا يقول كفي حزنا او قتلا ولكنه في صمته الاحتجاجي يعبر عن وجه من وجوه الحرب الفظيعة. في الصرخة الصامتة تبدو رضوض الحرب، وحشيتها وقسوتها اكثر وضوحا، هنا وجه رجل وطفل ليس كالطفل عيونه تحمل ابتسامة مكتومة او حزنا عميقا، نقطة دم قرب خده، رأس كبيرة تبدو كالخوذة، خوذة الجندي، فم مغلق. الوجه الاخر للرجل نصفه مغطي بكثافة لونية سوداء، عين مفتوحة ولكنها ساكنة، فم مفتوح بدهشة، يعبر عن صرخة وغليان في داخل، اندهاش وصمت الذي لا يستطيع القول امام فداحة ما يحدث، الفك مرتخ والفم مترهل نوعا ما، ينفث الحزن والدم القاني. لوحة فيها تعبير واضح عن زمن الحرائق مشفوعة باشعار ابن الرومي الذي خلد حريق البصرة. لوحة تنقل ما يدور في داخل النفس الانسانية من احتجاج ورفض لما يحدث مع عدم القدرة علي فعل شيء امام ما حدث. في لوحة صرخة بلاد الرافدين وجه متعب، كأنه خارج من القبور، معفر بالتراب، والوحل عيناه تحدقان في المجهول، متعبة ولكن ليست مجهدة فيها بارقة امل، فيها تشريح لبنية العذاب والجوع، عظام الصدر بارزة، الفم مفتوح ولكن ليس باتساع فم الصرخة الصامتة ، ممددا علي جنبه ويرفع يده، الاضاءة عالية علي خلفية سوداء، الالوان تتوزع وتتراوح من البهوت الي القتامة، نقاط الدم الحمراء القانية تكسر حدة المشهد، وقوة المشهدية في اللوحة هي الوجه، والوجه المحاط بغلالة من السواد الرمادي. آه يا بلدي. قلبي يتناثر كالغبار ، لوحة كأنها خارجة من ركام التاريخ وطبقاته في مهد الحضارة، الوان ذهبية لرجل يحمل التاريخ، تبدو من بعيد علي رأسه عمامة الفلاح او العامل او المواطن، عيناه بعيدتان، مفتوحتان ومغمضتان في نفس الوقت، رافعا يده، مثل تمثال حرية، نتوءات قفصه الصدري بادية، علامة علي الجوع، الذي عبر عنه الشاعر السياب، الذي قال ان البلد الذي ينثر الخير والبركة يجوع كل عام، لا تبدو في اللوحة قسوة الحرب، بقدر ما تشير لثقل التاريخ، و رجل المحامل ، وهذه اللوحة تفارق الاخيرة في المعرض دموع الروح او احزانها، يبدو فيها الوجه وكأنه حفرية اركيولوجية علي صخرة قديمة، عين واحدة نصف مفتوحة تحكي قسوة الحرب، الوان قاتمة يتسيدها الاحمر المتشظي هنا وهناك، فم مفتوح بلا اسنان، وجه منهك بكل ما في الكلمة من معني. علي خلاف الرموز الانسانية في لوحاتها، فالرموز الفردية باستثناء الصرخة الصامتة وان احتفظت بعلاقة مع عملية حفر وتمثيل الا انها بدت عارية، تعيش حالة من القهر والعنف والالم، والفنانة في الوقت الحالي لا تمنح هذه الرموز اي بارقة أمل للخروج من دوامة الالم، هناك اشارات عن هذا الامل الذي يبدو بعيدا. تؤخذ اللوحات في المعرض كلها علي انها دراسة، وتحول في مسارالفنانة التي بدأت تتخلي عن الحلم الفنتازي، الحدائق المعلقة، الوجوه الحلمية، القادمة من عوالم خيالية، منذ ان تركت الوطن عام 1976، فالبعد والهجران وان ظهرا بدرجات كبيرة في اعمالها الاخري الا انها عبرت عن حرية خاصة، فالبعد عن الوطن قابله تحرر، وعليه زاوجت الفنانة بين الصورة للوطن كرمز/ اسطورة، واستطاعت استحضار الوطن، بكل رموزه التي كان في مركزها الانسان والمدينة عبر استلهام فنون العراق القديمة والكلاسيكية، ومزجها بلغة فنية معاصرة. العطار اكدت انها في تجربتها الفنية، لم تقلد بل استوعبت، وهضمت ثم اعادت انتاج صور جديدة. ففي الثمانينات والتسعينات قدمت لغة سردية قائمة علي مفهوم تداعي الحلم، فنتازيا للجنة، المليئة بالمخلوقات، مثل سفينة نوح، وفيها تاريخ، وسرد يتداخل مع الرمز عن تاريخ العراق القديم. وفي لا وعي العمل نقرأ ان الفنانة كانت تهجس في البحث عن مدينتها الضائعة. في لوحتها مدينتي الملونة (1991) نشاهد تشكيلات ملونة وتنويعات عالية، غطي هذا الحس الكرنفالي بطبقات من النار واللهيب في لوحتها الجديدة مدينتي المحترقة (2003)، مما يشير الي التحول في مسيرة الفنانة. وعليه يمكن قراءة اللوحات الست باعتبارها تعبيرا عن رحلة الخمسة عشر عاما الاخيرة من حياتها وتاريخ العراق، ففيها عانت من مآس شخصية، مقتل شقيقتها الفنانة المعروفة ليلي العطار عام 1993 بصاروخ امريكي مع زوجها، في بيت عائلتها في بغداد، وفاة امها، وانعكس هذا علي اعمالها التي انتجت في نهاية التسعينات من القرن الماضي، حيث بدأت الرموز الباحثة عن الجنة بالاختفاء لتحل محلها قتامة في اللون مرسوم عليها مخلوقات كبيرة مجنحة، فالملائكة هجرت الجنة اذن. ومع بداية الغزو ووفاة والدتها عام 2004 التي تمكنت من زيارتها قبل بداية الحرب، ومشاهدتها علي التلفاز مشاهد الدمار في العاصمة، بدأت سعاد تكتب تاريخها اليومي المتماهي مع تاريخ المدينة التي احبتها حيث انتجت عددا من اليوميات، والتي ركزت كثيرا علي صور الاطفال ومعاناتهم. ومن خلال هذه الاعمال الاولية فكرت الفنانة بانتاج لوحة واحدة غورنيكا عراقية تجسد المعاناة واثر الحرب والخراب، لتكون شهادتها عما رأته وعايشته. وبدلا من لوحة واحدة، انتجت الفنانة في لحظة من الفيضان العاطفي سلسلة من الرسوم المتداخلة وذات العلاقة النسبية، حيث كانت ترسم طوال الليل، تمحو الالوان بيديها، قبل ان تضيف طبقات جديدة عليها، ومع تراكم الطبقات. كان عالم المدينة المختزن في الذاكرة، ومحاولة استحضاره عبر رسوم حافلة بالحركة والفنتازيا، والزخرفة ملجأ للفنانة للتواصل مع العالم الذي كان لاحيائه، ولكن بهذه اللوحات يبدو ان هناك استحالة للعودة الي المناخ الذي احكمت الفنانة مداميكه، في هذه اللوحات، صورة عن التشوهات التي تركتها الحرب، علي الفرد، وعلي الفرد كممثل للشعب وعلي المدينة، وهي كلها تمثل شهادة فنية تشجب الحرب التي لم تترك للعراق والعراقيين الا الاشلاء والحرائق التي تشتعل في مدن المدن، انها عن الثمن الانساني للحرب، ثمن الحرية التي لم تحرر العراقيين بعد. واللوحات هي تاريخ شخصي للفنانة التي ولدت في مدينة بغداد عام 1942 لعائلة كان والدها يعمل محاسبا وامها فنانة درست الفن في بيروت. فبيتها في بغداد كما تقول الفنانة كان مليئا بالكتب. وعندما اهداها والدها البوما لبطاقات معايدة رسمها فنانون مثل كرو و ديفيد ، حيث قامت بتقليدها ولا تزال تحتفظ بالالبوم معها. ودرست اولا في مدرسة مختلطة، حيث تعلمت حرفتها الاولي في دروس الرسم، والرحلات، والمسرحيات المدرسية، وهي الدروس التي كانت تدور علي خلفية مدينتها، بيوتها، اسواقها، مساجدها، ونخيلها، والتي يقسمها نهر الفرات الي قسمين. في الليل كانت سعاد واخواتها يصعدن لسطح البيت ويراقبن النجوم المشعة في السماء. تخرجت سعاد من كلية الفنون الجميلة في بغداد وعملت بالتدريس فيها قبل ان تترك بغداد مع زوجها وابنائها للندن التي تعيش فيها منذ عام 1976، وفي لندن درست عددا من مساقات الفن في معاهد لندن، واقامت 24 معرضا شخصيا. وكانت العطار اول فنانة عراقية تقيم معرضا شخصيا لها في العاصمة بغداد. وتحتفظ العديد من المتاحف العالمية، وجامعو الفن بعدد من لوحاتها، فهي موجودة ضمن مقتنيات المتحف البريطاني، ومجموعة غولبنكيان في برشلونة. وحصلت علي جائزة بينيالي القاهرة الدولي عام 1984، وجائزة التميز الفني في بينالي عقد في مالطة عام 1995، وصدر عام 1994 كتاب يؤرخ لمسيرتها الفنية.ناقد من اسرة القدس العربيTears of The Ancient City New Paintings by:Suad AL-Aar5 May – 15 JuneLeighton House12 Holland Park RoadLondon, W1 8Lz0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية