حيث الإستثناء يعزز القاعدة ليكون…
خميس الخياطيحيث الإستثناء يعزز القاعدة ليكون…عادة ما تكون صورة القناة التونسية الأم (تونس 7، هوتبورد تردد 12149) لدي الرأي العام المحلي صورة غير محببة لسبب شعور عام ومشروع مفاده أنها لا تعطي صورة حقيقية عما يحدث في البلاد لمشاهدين هم مواطنون تقتطع من مداخيلهم ضريبة تمون ميزانية الإذاعة والتلفزة. لن ندخل في جدال حول ما نعنيه من تعبير صورة الحقيقة لكون الحقيقة تخضع للزاوية التي ينظر منها إليها وبالتالي فهي ظرفية ولكون القائمين علي هذه القناة بصفة عامة (وعلي الإذاعة والتلفزة التونسيتين بصفة أعم) هم في الاساس والجوهر من المؤمنين بمقولة ليس في الإمكان أفضل مما هو كائن . لذلك، لا يتسع صدر البعض منهم لقدر ولو قليل من النقد الصميمي كونهم من ورثة الحرس الإعلامي القديم الذي تربي علي الفكر الواحد والزاوية الواحدة والأمر النهائي. فسواء تعلق ذلك بعموم نشرات الأخبار أو بأغلبية ما يسمي جزافا بـ فضاءات الحوار ـ وهما الواجهة السياسية المبررة لوجودهم علي رأس أكبر وسيلة إعلامية في البلاد ـ أو بالبرامج الترفيهية من نوع الراحلة التي ستعود في رمضان المقبل ونعني برنامج دليلك ملك لسامي الفهري أو موسيقي وفرجة لخلف الله الخلصي أو كوكتيل الأحد ليسر صحراوي/عبد الجبار البحوري، فإن رؤية الإعلام ووظيفته قائمتان علي مفهوم القمع (بكسر القاف وضم الميم) حيث مسار الخبر عمودي ومصدره فوقي. فقليلا ما نجد إعلاما ثنائي الإتجاه في أي جنس من الأجناس المعروفة في الإعلامي المرئي الرسمي التونسي إلا في ما ندر.إلا أن القاعدة تتطلب إستثناء لتكون. ومن الإستثناءات الموجودة في الخارطة المرئية التونسية والتي تبرر قاعدة الإمساك الحاد بزمام الإعلام مجموعة من البرامج منها رواق الكتب للصديق الشاعر آدم فتحي وإخراج عبد المجيد الجلولي، برنامج صورة/صوت الذي يخرجه كمال يوسف و مدينة النجوم لوليد التليلي وإخراج نعيم بالرحومة، وهو برنامج جديد ضخ في الشبكة طاح لا دزوه و الأحد الرياضي للمنتج المعد المقدم رازي القنزوعي والذي تدفعه الريح إلي الأمام في هذه الأيام لجهة المونديال الألماني ووجود المنتخب التونسي هناك. لحظة بلحظة وأسر الواقع وينضاف إليهم برنامج جديد وفريد قيل ـ والعهدة علي المصدر ـ أن السلطة السياسية العليا بالبلاد أرادته بعد أن إستمعت إلي شبيه إذاعي له ضمن البرنامج الصباحي نسمات الحرية ، فأمرت به. عنوان البرنامج لحظة بلحظة يعده المذيع نبيل بن زكري ويخرجه عادل الدغاري. نبيل بن زكري من الأسماء الممتازة في جوقة الأصوات بالإذاعة الوطنية التونسية لجهة تسميته الاشياء بمسمياتها وابتعاده عن اللغو والإسهاب اللذين انحبس فيهما البعض من زملائه ليعطيا عن الواقع صورة تطبيلية أو من رومانسية السوبرماركيت . هذا لم يمنعه من أن يكون رئيس شعبة التجمع (الحزب الحاكم) بالمؤسسة. وما يحسب له أنه هو الذي اختار مخرجه في شخص عادل الدغاري الذي يكفيه أنه من المخرجين الذين يصيغون البرامج التي تصنع صورة القناة. لحظة بلحظة الذي ضخ هو الآخر في البرمجة دون سابق إنذار هو من تلك النوعية التي تسير علي السراط الملولب، فإما ينزل بك في خانة التمجيد والتثمين وإما يبعث بك لجهة تعرية النواقص ووضع الإصبع علي الجرح الذي ترفض دائما الإدارة، وكل إدارة بعيدة عن المواطن، النظر إليه ومداواته. إنه من جنس تلفزة الواقع ولكن ليس من زاوية ستار أكاديمي . كلنا يعرف أن الواقع إن أثرته، قولك (بالشدة علي الواو) في ما لا تحمد عقباه لأن الإستقرار عادة هو مبني علي إخفاء الواقع وتدجينه في حالة تغييب للحس المدني وللفضاء الإجتماعي… من هنا كان البرنامج كنفحة طيب غير معهودة في البرمجة التلفزية التونسية في أيامنا هذه (إلا في بدايات قناة 21) حيث قاعدة الإمساك بالواقع الحالي ـ وحتي المنقضي ـ وتنظيفه من شوائبه ليخضع للتصورات هي القاعدة. ما خالف ذلك هو إستثناء يتطلب جهاد هرقليس والبعض من التنازلات المفروضة عنوة وتكتشفها عند بث البرنامج… لحظة بلحظة جاء ليدحض هذه القاعدة. ومن المفارقات الغريبة أنه يعززها كذلك، لأنه لو لم يكن معده مسنودا بقوة عليا لما وجد طريقه للمشاهدين…فكرة البرنامج الذي يدوم تقريبا ساعة إلا ربع الساعة أسبوعيا (مساء كل أربعاء) هي إعطاء صورة حية عن بعض قطاعات الحياة العامة التونسية. وحينما نقول بحيوية الحياة، فذلك يعني الإبتعاد عن الـ رتوش التي تبرع في تصنيفها التلفزات المتخلفة. وقد توجد تلفزة متخلفة في بلد متقدم وتلك من معضلات الإعلام غير الحر في بلد ينعم بالحرية الإقتصادية. منذ فترة، قدم البرنامج بأسلوب شبه المباشرة وبلغة حرة إن علي مستوي الصورة أو المحاورة مجموعة من الصور غير المعهودة علي تونس 7 ومنها علي سبيل المثال ما جد في حلقة الحماية المدنية خاصة حلقة المراقبة الإقتصادية علي الأسعار المعروضة علي العموم. فكشف التحايل علي المواطن وعلي القانون علي حد سواء ليتعرض فريق البرنامج إلي محاولة اعتداء من طرف جزار. بين التفاهم المسبق بين عون المراقبة والبائع علي حساب المواطن إلخ… حلقة أخري تعلقت بالسكك الحديدية واختار فريق البرنامج سائق قطار القلعة الجرداء/تأتيه صباحا/يأتيك مساء علي حد قول الشاعر الطاهر الهمامي… وخامسة خاصة بمقر التلفزة الجديد وسادسة متعلقة بالرصد الجوي وهلم جرا…صور ليلية عارية الحلقة قبل الأخيرة أظهرت صورا عارية عن عمال ليليين من عمال تنظيف الشوارع. ولو لم يقم هؤلاء العمال المنسيون بإضراب عن العمل، ولو لم تتفاقم الوساخة في الشوارع، لما إنتبه إليهم… لا علينا. يكفي أن لحظة بلحظة اغتنم الحادث ليرفع التحدي. فكنا نري في لقطات مسترسلة إثنين من عمال التنظيف ـ الذين عادة ما يعملون بسواعد مرخية حتي أنهم يتركون نصف الأوساخ حيث هي ـ يعملون ليلا. واحد يكنس ويجمع والآخر يحمل ويضع في العربة. واحد لا يكفيه أنه هو المتكلم، بل يجر زميله الأبكم وراءه. واحد يعبر والآخر يبصر. لون البذلة أخضر داكن يميل مع أضواء الليل المتعبة إلي لون الطفيليات اللزجة وأفق الصورة أصم أبكم… ونعلم ما لم نكن نعلم… حتي المكنسة التي ينظف بها الشارع، فهي من صنع العامل… مكنسة لا تكنس إلا ما تريد والأيدي بدون قفازات واقية… والعامل الخلفي يجمع الأوساخ بقطعة من الكرتون السميك… والصوت، متعب مهموس، يبعث بإتهاماته تارة إلي الإدارة وطورا إلي المواطن ومرة إلي التلفزة متهما إياها بالرقابة… طيلة البرنامج، كانت القناة السابعة التونسية تصب علينا جام غضب مواطنين تونسيين منسيين لأنهم يعملون ليلا ويجمعون أوساخ الدنيا ولا صوت لهم من قبل. فكانت التلفزة صوتهم وأعيننا. وبحسب علمنا، لم يلعب المقص ولو لمرة واحدة في البرنامج ولم يتجمهر المواطنون لا ليلا ولا نهارا في الشوارع. فما أجمل قناة تلفزية من أموال عمومية حينما تعود لرشدها لتصبح صوت وأعين المواطنين. وهكذا، بين فريق لحظة بلحظة كما كان في السابق مع فريق المنظار قبل أن يرمي صاحبه بمقاومته أرضا ويهاجر إلي الجزيرة ، بيد أن الباب المفتوح ليس خطرا علي الإستقرار الإجتماعي وأن التلفزة المتفتحة هي صورة بلد متقدم. وقد نتيقن أكثر من نسمة الحرية التي يحملها برنامج لحظة بلحظة حينما تبث علينا التلفزة تلك الحلقة الخاصة بأعوان المرور وتجاوزاتهم… حينها، نؤمن أنه، خلافا عما نشاهد، القاعدة تسمح بالإستثناءات. فلتكن التلفزة التونسية في البعض القليل من برامجها إستثناء لا لسبب إلا لأنها تقف في صف الواقع وتعريته وليس من جهة ليس في الإمكان أفضل مما هو كائن … جملة مفيدة: يجوب الممثلون جميع بلدان العالم ولكن لا يشاهدون إلا إنعكاس ذواتهم من فيلم كينغ كونغ للمخرج بيتر جاكسون.ناقد وإعلامي من تونس[email protected]