وثيقة الاسري تتجاوز الاحزاب وتُبشر بإمكانية انفجار كظهور كديما فلسطيني وشعار لا يوجد شريك الذي ألصقه شارون بأبو مازن مُعرض للخطر
الرئيس الفلسطيني يتجاهل الاجيال الشابة في فتح.. وبدل أن يُعيد بناء صورة الحركة يحصر اهتمامه في القضاء علي حماس وثيقة الاسري تتجاوز الاحزاب وتُبشر بإمكانية انفجار كظهور كديما فلسطيني وشعار لا يوجد شريك الذي ألصقه شارون بأبو مازن مُعرض للخطر في يوم الاحد وقفت قافلة طويلة عند مدخل حانوت ملابس عرائس في شارع المنارة في مركز رام الله. جاء الرئيس محمود عباس مصحوبا بكتيبة حُراس ومحاطا بطائفة من الصحافيين. اهتم الضيف رفيع القدر بوضع اعمال الأعراس في المدينة الكبيرة. قال رب البيت العمل ضعيف جدا . أما المراسلون فكتبوا، الناس لا يتزوجون. بل لا يملكون مالا ليأكلوا . لم يكن أبو مازن يحتاج الي أن يوضح لماذا لا يُسمع صوت العريس والعروس في أزقة رام الله. كل طفل فلسطيني يعلم لماذا طردت الدول المانحة نفسها من السلطة وسلبت الأب أجرته.عاد المساعدون والناطقون الي المقاطعة راضين. لاول مرة منذ رمتهم حماس من المكاتب الفخمة وسلبتهم مفاتيح السيارات الفارهة، عاد القليل من اللون الي الوجوه الساقطة لنشطاء فتح.انهم يشمون رائحة الانتخابات. السيد، كاره كبير للاعلام، ابتدأ يتعاون بل يخرج الي الشارع ويصافح المارة. علي نحو عام لا يهدر وقته علي العلاقات العامة ولا علي نقاشات استراتيجية وخطط بعيدة الأمد. في الأكثر، يُصرف أموره من يوم ليوم، يحل أزمة وينتظر الأزمة التي تليها. وثيقة الأسري وخطة الاستفتاء الشعبي تصبان الأدرينالين في دم الرجل، الذي امتاز أكثر بعد عرفات لا بعد اسماعيل هنية في مرتبته. يصل أبو مازن الي مكتبه علي نحو عام في العاشرة صباحا، ويترك الي بيته في الثانية بعد الظهر ويعود في الخامسة بعد الظهر ليعمل اربع أو خمس ساعات. كان يبدو في الايام الأخيرة أن الأضواء في المقاطعة تضيء ساعات أطول. بعد اشهر كثيرة من الحداد، يبدو أن شيئا ما يحدث هناك.كان أبو مازن في الثالثة عشرة عندما هرب والداه من صفد في الشمال، الي سورية، حيث أنهي دراسته للقب الاول في القانون في جامعة دمشق. في الثمانينيات حصل علي شهادة الدكتوراه من روسيا. لم يُعلموه في تلك الاماكن كيف تُبني المؤسسات الديمقراطية وتُجري الاصلاحات السياسية. وبمقابلة ذلك، تعلم من البلاشفة كيف يقضي علي الخصوم، ويشك في شبان طامحين ويُقل من التغييرات. حتي بعد أن صوت الجمهور الفلسطيني بجموعه تصويتا مضادا للوزراء الفاسدين والنشطاء الشرهين، يواصل أبو مازن توزيع الأجور عليهم ويفضل قُربهم، عن قُرب أناس الجيل الشبان في الحزب. وهكذا، بدل أن يُعيد بناء صورة فتح ويُحسنها، يحصر اهتمامه في القضاء علي حكومة حماس وفي تسويد وجه المنظمة المنافسة.تجول ياسر عبد ربه، أحد المبادرين الي مبادرة جنيف ، اسابيع كثيرة في المقاطعة محاولا أن يقنع أبو مازن بأخذ المبادرة من أيدي رئيس حكومة اسرائيل ايهود اولمرت، وحماس. انضم مستشارو الاعلام الي التوصية واقترحوا إبلاغ العالم أن الرئيس يطلب بدء تفاوض علي أساس مخطط كلينتون أو مبادرة جنيف. كان الجميع متفقين علي أن تبادل الضربات الكلامية مع خالد مشعل، والمغالبة علي السيطرة في المعابر وقوات الأمن والقطيعة الاقتصادية ـ كل واحد منها وكلها معا ـ تفضي الي مسار تصادم.قال المستشارون، إن مبادرة سياسية، تضطر الامريكيين الي الضغط علي اسرائيل والتضييق عليها لتترك الانطواء ، ستُمكّن الفلسطينيين من تصريف المواجهة في ملعبهم البيتي.فوز بالنقاطتردد أبو مازن، كعادته، وارتبك، وتهرب وبقي مع قرار الجامعة العربية. أصبح ذلك القرار الثوري، الذي صدر في آذار (مارس) 2002، رمزه التجاري، وصعب عليه أن يستبدل به صيغة جديدة. واصلت اسرائيل تجاهلها إياه، وصمتت الولايات المتحدة وتهربت اوروبا. لكن تردد أبو مازن في هذه المرة جاء بنتيجة. لقد قام مروان البرغوثي ورفاقه الأسري بعمله. لم يكن أبو مازن يستطيع أن يجد اصدقاء أفضل من أبطال مناضلة الاحتلال. تُبين جميع استطلاعات الرأي العام أن تسريح الأسري المسجونين في اسرائيل هو أهم موضوع في نظر الجمهور الفلسطيني.وهكذا في اليوم الذي صدرت فيه وثيقة المصالحة الوطنية ، المعروفة باسم وثيقة الأسري ، دقت إسفينا بين أفراد حماس الذين يمكثون في الداخل وبين اولئك الذين في الخارج. لو كان أبو مازن أو فتح وقعا علي وثيقة كهذه، لكانت حماس مزقتهما إربا إربا مع الوثيقة. لكن يصعب اتهام سجناء مؤبدين، جزؤهم الأكبر من حماس، وهم شبان باعوا أفضل سنيهم من اجل شعبهم، بالاستخذاء. الاختلافات في الرأي في صيغة الوثيقة عمقت الهوة بين حماس في المناطق وحماس في دمشق، وبين حماس في الضفة وحماس في غزة. تتجاوز الوثيقة الاحزاب وتُبشر بامكانية انفجار ـ اقامة كديما فلسطيني، يعرض مخططا للتفاوض علي تسوية دائمة بدل اجراءات أحادية. يستطيع فوز كاسح في استفتاء الشعب علي تأييد الوثيقة ـ وهي مبادرة أعلن عنها أبو مازن في دراماتية في اطار لقاءات الحوار الوطني ـ أن يهب له قاعدة سياسية لاقامة حكومة وحدة براغماتية.بحسب استطلاع هاتفي أجراه معهد بحث امريكي بالتعاون مع معهد سويسري، لو كان الاستفتاء أُجري هذا الاسبوع، لكان فوز أبو مازن مضمونا. نتائج الاستطلاع، التي نشرت في الصحيفة اليومية المقدسية القدس ، تُبين أن 85 في المئة من الجمهور يؤيدون المبادرة الجديدة. لقد رفعت نسبة تأييد فتح الي 45 في المئة، أي أنه ارتفاع نسبته 11 في المئة بالقياس الي الاستطلاع السابق. وبمقابلة ذلك، انخفض تأييد حماس من 42 في المئة الي 29 في المئة. توجد علامات، علي نحو يشبه قصة حزب المتقاعدين، علي أن كثيرين من مصوتي حماس ـ اولئك الذين أرادوا الاحتجاج علي سلطة فتح ـ لم يخطر في بالهم أن اصواتهم ستُدخل الحزب الي الحكومة.بحسب الاستطلاع أصبحت مبادرة الاستفتاء قد جاءت بتحسن ملحوظ لمكانة أبو مازن. يؤيد 62 في المئة الرئيس، بمقابلة 38 في المئة يؤيدون رئيس الحكومة هنية (قبل المبادرة ـ هنية 49 في المئة، وأبو مازن 51 في المئة).وهذا المعطي القادم لا يقل أهمية: ان اقتراح أبو مازن جلب الوثيقة ليستفتي الشعب فيها يحظي بتأييد 81 في المئة من الجمهور ـ وهي نسبة تأييد سيصعب علي كتلة حماس في المجلس التشريعي أن تُفشل معه قانون استفتاء الشعب. وبين ظهراني مؤيدي فتح، يصل التأييد الي 95 في المئة، لكن 72 في المئة من مصوتي حماس و71 في المئة من المصوتين غير المنتمين معنيون بالاستفتاء. يؤيد 71 في المئة حل الدولتين علي أساس خطوط 1967.يؤيد سكان قطاع غزة المبادرة أكثر من سكان الضفة. يبدو انه توجد علاقة طردية بين عمق الضائقة الاقتصادية ونسبة تأييد تسوية سياسية.لكنهم يُحذرون في معسكر أبو مازن من الفرح قبل الأوان. فحماس ما زالت لم تسقط، وفتح لم تنهض بعد من كبوتها. يُقدرون في المقاطعة أن الفوز في الاستفتاء، إن شاء الله، لن يكون بالضربة القاضية، بل بالنقاط. والسؤال الكبير هو بأي فرق. يعلمون أن نسبة تصويت منخفضة وفرقا ضئيلا، ولن نتحدث عن خسارة، ستلعب لمصلحة حماس وتُقرب نهاية أبو مازن. بحسب الدستور، في اليوم الذي يمضي فيه أبو مازن الي البيت، سيحل رئيس المجلس التشريعي، وهو من حماس، محله لمدة 60 يوما، وبعد ذلك ستُجري انتخابات. ولست أخال فتح التي لم تبدأ بعد انتعاشها من السقوط في غضون اربعة اشهر، ستجد وقتا كافيا للنهوض في غضون شهرين. في جهاز الأمن الاسرائيلي، علي أية حال، يأخذون في الحسبان أن مسكن الرئاسة ـ الجسر الأخير للسلطة ـ سيسقط هو ايضا في أيدي حماس.وثيقة لاستهلاك بيتيهذا التخوف لم يعق أحدا في جهاز الأمن عن تسريب أمر قرار تمكين قوات أبو مازن من التسلح بالسلاح وبالذخيرة، واظهاره متعاونا مع اسرائيل. فرك أفراد الادارة السابقة في رام الله أعينهم عندما رأوا عاموس جلعاد يوضح في التلفاز عن مبلغ أهمية هذا التسليح لأمن اسرائيل. انهم يذكرون أنه عشية الانفصال، عندما عرّض وزير الدفاع السابق، شاؤول موفاز، في لحظة ضعف بأنه سيكون مستعدا أن يزن القضية، كان جلعاد هو الذي فتّ في عضده. إن تحفظا اسرائيليا من وثيقة الأسري وعرضها كـ متشددة يلعب خاصة لمصلحة أبو مازن.يستطيع أبو مازن أن يفترض أنه في غد الاستفتاء، لن يضيع اولمرت فرصة معاتبته لمواد الوثيقة التي تدعو الي استمرار مقاومة الاحتلال (في مناطق الضفة أساسا)، أو التلويح بالكلمات السحرية حق العودة . يصعب حتي علي يوسي بيلين أن يبتلع هذه المواد. ولكن في وضع أبو مازن وفي الأساس حيال وضع فتح، لا يجرؤ أبو مازن علي المس بالنسيج اللطيف الذي حاكه قائد التنظيم، مروان البرغوثي، وكبير أسري حماس، عبد الخالق النتشة. في جوهر الأمر، لا يهمه كثيرا ما الذي سيقوله اولمرت، أو ماذا سيكون رد رئيس الولايات المتحدة، جورج بوش. ليست له توقعات من خافيير سولانا، أن يأتي في الاسبوع المقبل من بروكسيل لزيارة فصلية. تهدف وثيقة الأسري في ظاهر الأمر الي استهلاك بيتي، والي ضبط حماس وسراويلها الي الأسفل.لو كان علِم ارييل شارون أن الأسري الفلسطينيين سيكونون في يوم ما هم الذين يهددون بهدم مكانة لا يوجد شريك التي بناها بجهد كبير لأبو مازن، لما كان أمر وزير الأمن الداخلي آنذاك، جدعون عزرا، بأن يُجيز للبرغوثي أن يشد الخيوط السياسية من زنزانته في سجن هداريم . هذا التقليد، وربما يكون صادرا عن القصور الذاتي، يستمر ايضا في حكومة اولمرت. لو كان الوزير الجديد، آفي ديختر، معنيا باحباط مبادرة الأسري، لكان عرف كرئيس سابق للشاباك كيف يشوش علي اجراء كهذا.يمكن أن نفترض، أن رفاقا لديختر في الشاباك أبلغوا اولمرت أن الرئيس الفلسطيني حرص علي إشراك الامريكيين في السر. قبل يوم من توجيهه الإنذار الي رؤوس حماس في قضية استفتاء الشعب، لقي أبو مازن قنصل الولايات المتحدة في القدس، جاك وولس. لقد حدّث عِلم الدبلوماسي الامريكي وهذا أبلغ فورا واشنطن. وعندما اقترح نظراؤه في وزارة الخارجية علي المراسلين الامريكيين ألا ينجروا وراء فرحة الانطواء لنظرائهم الاسرائيليين وحماستهم للهتافات في الكونغرس، علموا أن لقب لا يوجد شريك الذي ألصقه شارون بأبو مازن بجهد كبير جدا مُعرض للخطر.عكيفا الدارالمراسل السياسي للصحيفة(هآرتس) 1/6/2006