دمشق علي مِرجَل الإرهاب

حجم الخط
0

محمد برهان

إحباط هجوم مسلح في قلب العاصمة السورية دمشق، بل ضمن محيط أهم المرافق الحيوية فيها ليس خبراً عادياً في دلالاته. ولم يعد ممكناً لأي قارئ للأحداث مهما كان مبتدئاَ أن يفسره بالعمل الفردي غير المنظم كما حدث في واقعة هجوم المزة قبل عامين. دلالات هذا الهجوم تأخذ حجمها من تكرار أخبار الاشتباكات مع الجماعات المماثلة في أماكن متفرقة من سورية ومن الوضع الإقليمي المحيط الذي تغيرت معطياته منذ احتلال العراق. العملية الأخيرة تلح في طرح الأسئلة التي بدأت تدور في أذهان السوريين منذ الإعلان عن وجود تنظيمات تكفيرية في بلدهم:

لماذا تنشط الخلايا الإسلامية المسلحة في سورية في هذا التوقيت تحديداً بعد أن كانت البلاد في مأمن من عملياتها منذ أواسط الثمانينيات؟ وهل هذه العمليات مرشحة للتفاقم خلال الفترة المقبلة؟

ما علاقة ما يجري في العراق وإيران ولبنان بنشاط التكفيريين في سورية؟

وهل سيستطيع الأمن السوري السيطرة علي نمو واتساع هذه الخلايا المسلحة؟

تبدأ المحاولة للإجابة علي هذه التساؤلات من تثبيت مجموعة من المعطيات وربطها بقراءة تاريخية قريبة. فعشية الحرب الأمريكية علي العراق وفي غضون السنة الأولي لاحتلاله لم يكن نشاط الجماعات التكفيرية المسلحة في سورية قد اتخذ طابعه المسلح الذي يستهدف مرافق سورية رسمية. فالموقف السوري الرسمي الرافض للحرب علي العراق أجّل انتقال هذه التنظيمات إلي العمل الميداني.

إن ظاهرة المتطوعين السوريين الذين عرفوا طريقهم إلي العراق بدعم وتسهيل رسمي عشية وأثناء الحرب. إلي هذه المرحلة بدت الخلايا التكفيرية المسلحة في سورية غير راغبة بفتح جبهة داخلية ما دامت تحظي بطريق سهل إلي الأمريكيين (الهدف الأدسم والأهم). لكن الضغوط الأمريكية المتنامية علي النظام السوري والإعلان للحكومات العراقية المتعاقبة عن تذمرها من التهاون السوري في قطع دابر المتسللين اضطر سورية إلي العمل حثيثاً لإقفال النافذة العراقية.

ومما حفز هذا النشاط ارتفاع حدة التجاذب الطائفي في العراق إلي مستوي الحرب الأهلية وبروز تنظيم أبو مصعب الزرقاوي (الجناح العراقي للقاعدة) ككفة سنية في هذه الحرب. إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاهل القدرة الأخطبوطية للتنظيمات التكفيرية في التواصل فيما بينها إن لم يكن بالعمليات الميدانية فبالأهداف اللوجستية.

ولكن ما الذي يجعل سورية هدفا لوجستياً لهذه الجماعات؟

ما يجري في العراق يغطي جانباً من السؤال ولكن الإجابة عن السؤال في معظمه تتطلب إدخال إيران ولبنان في المعادلة. إن الحرب السنية الشيعية التي تشهدها أرض السواد اليوم والتي لم يعد يختلف اثنان علي ضراوتها لا بدّ وأن تصل رياحها الدموية إلي الجيران.. وسورية هي من أقرب هؤلاء الجيران؟ وبما أن سنة العراق يخوضون هذه الحرب واضعين إيران في عين العداء فإن صديق عدوهم هو عدوهم بطبيعة الحال.. من هنا تبدو العلاقة السورية الإيرانية مصدر تخوف لخلايا المواجهة السنية في العراق.. والذين لن يتوانوا عن زج سورية في الصراع.

ما يدعم تخوف هذه الجماعات أيضاً ويثير امتعاضها هو العلاقة الاستثنائية التي تربط سورية بحزب الله (الشيعي) في لبنان.. والذي يبدو هو الآخر مبعث قلق ليس فقط للتيار السني اللبناني بل للجماعات المتشددة (السنية) في العراق. علي هذه الخليفة يأتي الاتهام الأخير الذي طعن الزرقاوي به مصداقية حزب الله مشيراً إلي أن الحزب يرفع شعارات كاذبة في تحرير فلسطين بينما في الواقع هم يقفون كحاجز أمني لا يسمح لأهل السنة بتخطي الحدود لمهاجمة اسرائيل علي حدّ تعبيره. بل إن الزرقاوي ذهب إلي أبعد من ذلك ليردد بعض مقولات قوي الرابع عشر من آذار (المناهضة لسورية) عندما يتساءل لماذا يستثني حزب الله ولا تنطبق عليه بنود اتفاقية الطائف والتي تقضي بنزع سلاح جميع الميليشيات؟.

وبالرغم من أن الكلام مثير للسخرية نوعاً ما لأنه يظهر الزرقاوي كرجل دولة ملتزم إلا أنه (إذا ما صدقت نسبته إليه) كلام خطير لأنه أول موقف علني للقاعدة ينقل مستوي المواجهة السنية الشيعية خارج العراق. وربما يشكل أيضاً رسالة واضحة وصريحة لسورية تفيد بعدم رضا التنظيم وخلاياه الميدانية عن السياسة السورية.

من هنا حرص النظام علي معالجة الملف سياسياً أيضاً فأظهر توجهاً جديداً يفتح باباً كان مغلقاً في سورية أمام إسلام سياسي معتدل (موالي) يكون الكفة المعادلة في الميزان.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية