زهير اندراوس
من نوافل القول التأكيد علي أن العرب الفلسطينيين الذين يعيشون في إسرائيل ما زالوا يتخبطون في مسائل المواطنة والهوية والانتماء. 58 عاما مرت علي إقامة هذه الدولة وما زالت هذه الأقلية القومية تبحث عن تعريف نفسها من الناحية القومية والوطنية، نتحدث عن المواطنة الكاملة والمساواة التامة، ولكننا لا نفحص ونمحص تداعياتهما وأبعادهما. وما من شك أن الــــولوج في هذه القضية صعب وشائك ومعقد، خصوصا إذا أخذنا بعـــــين الاعتبار انه في صفوف فلسطـــينيي الداخــــل هناك العديد من التيارات الســــياسية التي تفرز اجتهادات مختلفة تتعلق بمسالة علاقتنا مع الأكـــــثرية اليهودية وتعاملنا مع الدولة، أو بالأحري تعامل الدولة معنا.
نسوق هذا الكلام عشية افتتاح العاب المونديال في ألمانيا الأسبوع القادم. لا يخفي علي احد أن أعلام الدول المشاركة في بطولة كاس العالم لكرة القدم ترفرف علي البيوت في القري والبلدات والمجمعات العربية من الشمال مرورا بالمثلث وانتهاء بالنقب، والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق: ما هو الدافع الذي يجعلنا نؤيد هذا المنتخب أو ذاك؟ هناك بطبيعة الحال أسباب رياضية بحتة، ولكننا نميل إلي الاعتقاد أن هذا التصرف الجماعي نابع من منطلقات سياسية، وقد يكون تعبيرا صادقا وحقيقيا وتجسيدا دقيقا للعلاقة المركبة بين إسرائيل و ومواطنيها العرب الفلسطينيين. علي أية حال نري انه من الضرورة بمكان التوقف عند عدد من النقاط المحورية في هذه القضية المركزية التي تلقي بظلالها علي رؤيتنا القومية والوطنية:
أولا، علي صناع القرار في هذه الدولة أن يوجهوا لأنفسهم سؤالا، طبعا إذا أرادوا: قبل عدة أسابيع أحيت إسرائيل استقلالها، لماذا حتي هذا اليوم ما زال عرب إسرائيل يعتبرون هذا اليوم يوم نكبة شعبهم؟ لماذا لا ترفرف أعلام دولتنا علي شرفات بيوتنا؟. ما هي الأســــباب والدوافع التي أدت إلي تأجيج العلاقة بين الفلسطينيين في الدولة وبين إسرائيل؟. لا شك لدينا أن حكومات إسرائيل المتعــــاقبة انتهجت سياسة مدروسة وخبيثة منذ العام 1948 والقاضية بتهميشنا والتعامل معنا علي أننا مجموعة طوائف وقبائل وحمائل، وكنتيجة طبيعية لهذه السياسة البغيضة اتسعت الفجوة بيننا وبين إسرائيل، وباعتقادنا فإن هذه الفجوة آخذة بالاتساع يوما بعد يوم، وبالتالي لا يستغربن احد إذا وقعت المواجهة القادمة علي نمط عدوان أكتوبر 2000 الذي راح ضحيته 13 شابا عربيا فلسطينيا برصاص قوات الأمن الإسرائيلية. نقول ذلك في ظل تنامي ظاهرة العنصرية المؤسساتية والشعبية في إسرائيل ضدنا والمطالبات المتكررة بطردنا من بلادنا، ونحن الأبناء الأصلانيين في هذا الوطن.
ثانيا، لست من عشاق لعبة كرة السلة، ولكن عندما يلعب فريق مكابي تل أبيب في بطولة أوروبا، فإنني لا اخفي بأنني أتابـــــع المباريات علي مضض، وأشجع بطريقتي الخاصة الفريق الخصــــم لمكابي تل أبيب، ولا يهمني إلي أية دولة ينتـــــمي، المهم أنني بتصرفي هذا أري نوعا من التحدي للدولة التي تضــــطهدني علي مدار الساعة، وتعاملــــني بفوقية واستعلائية، ولا ضير في هذه العجــــالة أن أقول بأنني كنت في غاية السعـــادة عندما خسر الفـــريق الإسرائيلي أمام الفريق الروسي في المباراة النهائية الشهر الماضي.
ثالثا، قضية أعلام الدول التي ترفرف علي المنازل العربية من الشمال إلي الجنوب هي ظاهرة طبيعية لأقلية تتواجد في وضع دفاع عن نفسها وكينونتها وصيرورتها. فالعلم الإسرائيلي لا يعني شيئا بالنسبة لنا والنشيد الوطني الإسرائيلي يتحدث عن اليهود، وبالتالي فإننا نبحث عن أعلام أخري للتضامن معها بهدف التعبير عن رفضنا القاطع التماثل مع الدولة العبرية، التي تعمل بكل ما أوتيت به من قوة لتعزيز هذا الشعور لدينا.
رابعا، بشكل شخصي فانا أؤيد المنتخب الايطالي وأتمني ان يفوز بكاس العالم في ألمانيا. لماذا؟ لأنني في العام 1982 عندما كنت طالبا في روما تابعت المباريات وتابعت أيضا العدوان السافر الذي تعرض له أبناء شعبي في المخيمات من قبل آلة الحرب الإسرائيلية وعملائها من الكتائب المسيحية اللبنانية. وفازت ايطاليا بكأس العالم وشعرت من حيث ادري أن هذا البلد تحول إلي موطني الثاني، ولم اشعر خلال خمس سنوات تواجدي هناك بأنني غريب، كما تحاول إسرائيل بأذرعها المختلفة أن تنمي لدي شعور الغربة والاغتراب في وطني.
خامسا، فلننطلق من أنني أيدت ايطاليا وما زلت لأنني درست فيها وعوملت من قبل مؤسساتها وشعبها بصورة حضارية، ولكن لماذا يقوم ابني في الثانية عشرة من عمره بتأييد ايطاليا؟ الجواب باعتقادي بسيط، فهو يسير علي التربية التي تلقاها في البيت، وهذا يذكرني بأمر يغيظ الإسرائيليين جدا: عندما اجتاحوا لبنان بهمجية، كتب ضابط إسرائيلي رفيع المستوي من الناحية العسكرية، وليس من الناحية الأخلاقية، في مذكراته بأنه فوجئ عندما كان يسأل أطفال المخيمات من أين هم؟ فهذا كان يجيبه أنا من لوبية، والثاني من صفد، والثالث من اليازور، لان قوة الشعب العربي الفلسطيني في مسألة العودة تكمن في أن الوالدين اللذين شردا من وطنهما خلال النكبة يربيان أولادهما علي الانتماء لوطنهم باعتبار أن مخيمات اللاجئين ستزول بعد عودة المهجرين إلي أراضيهم.
سادسا، يتحتم علينا أن نتحدث بصراحة في زمن المحاسبة والمكاشفة والمساءلة: حتي لو شاركت إسرائيل في مباريات كاس العالم، فإننا كنا سنتصرف علي شاكلة تشجيعنا لخصوم مكابي تل ابيب، لأننا لا نشعر بأي انتماء لهذه الدولة، ولذلك فانه من الطبيعي أن نشجع المنتخبات التي تلعب ضد إسرائيل، وهذا الأمر يحتم علي الحكومة الإسرائيلية دراسته بشكل معمق وعدم استغلاله لتأليب الرأي العام الإسرائيلي ضدنا.
ہ كاتب فلسطيني ورئيس تحرير صحيفة كل العرب ـ الناصرة8