أيام و ألوان
عائشة البصريأيام و ألوانوأنا طفلة، كنت أتحاشي الكذب أو النميمة أو حتي نهر قطة الجيران المزعجة، اعتقادا مني أن السماء يوم الجمعة شفافة جدا إلي درجة لا تحجب حتي خطايا الصغار. استلقين علي ظهوركن، وجوهكن للسماء، عيونكن مغلقة، استرخاء تام. تنفسن بعمق، حاولن عدم التفكير في أي شيء، أو ـ علي الأقل ـ فكرن في لحظة فرح عبرت أسبوعكن…. بهذه الكلمات كانت المدربة الجميلة تنهي حصتنا اليومية من التمارين الرياضية، وهي تسلمنا لأنفسنا، لنسافر عبر الظلمة في دهاليز الروح… ككل مرة، أعجز عن تحقيق هذا الفراغ في جمجمتي والذي تسميه المدربة رياضة ذهنية . ربما هو مستوي من مستويات التأمل لم تتح لي بعد.. أجدني دائما ـ في هذه اللحظة بالذات ـ أقلب رفوف الذاكرة. أطرق أبوابا بشتي الألوان. كل باب يخص يوما من أيام الأسبوع. وكل يوم له في مخيلتي لون يُعَيّنُهُ: الاثنين أحمر، الثلاثاء أصفر، الأربعاء أخضر، الخميس رمادي، الجمعة أبيض، السبت أزرق، الأحد أسود… كيف التصقت هذه الألوان بأيامي؟ لسنوات وأنا أبحث عن مبرر معقول لهذا التشكيل اللوني. لم أدرك السبب إلا مؤخرا حين عثرت في كراسات تعود لدراستي الإعدادية علي استعمال الزمن الذي كنا نعتمده كتوزيع لحصص الدراسة الأسبوعية كانت أيامه تحمل نفس الألوان. تذكرت حينها أنني اعتمدت نفس التوزيع منذ دراستي الابتدائية… لكن السؤال ظل يلح علي دائما: لماذا اخترت لونا ليوم بعينه؟ لماذا الأحمر ليوم الاثنين ـ مثلا ـ وليس الأزرق؟…. مر عمر ولم تتغير ألوان الأسبوع أو بهتت واحدة منها.. كلها احتفظت بحرارة اللون وتشخيص محدد يخصها.الاثنين: هو البداية، بداية الأسبوع، بداية الحركة، البدلة المدرسية، الكراسات والحقائب.. بالأمس كانت حقيبتي، وهي اليوم لابنتي، وغدا لحفيدتي. حركة دائرية يتآكل فيها الزمن مع تغيير للأمكنة فقط. كلما أردت أن أحدد موعدا مهما أو بداية لمشروع ما، أختار يوم الاثنين لجديته الزائدة عن باقي الأيام، كيوم عملي، جاد، منضبط وأنيق..الثلاثاء: أصفر، باهت يُكمل ما تبقي من أعمال الاثنين. مريض، يتكئ علي صدر الاثنين. لي انطباع أنه يشبه رجلا مراوغا وملتبسا وغير واضح.الأربعاء: أخضر، هو بداية أخري للحياة، متجدد، منتعش، طري، واثق من نفسه. هو يوم القرارات الحاسمة ومواعيد الحب.الخميس: رمادي كيوم باريسي غائم. هو تلك الغصة في الحلق التي ـ عادة ـ ما تسبق البكاء. تسيح رماديته علي الأشياء واللحظات فتكسبها طعم مرورة لذيذة. رغم ذلك فهو يصلح خلفية لكتابة قصيدة وجودية. كراهب ينحت أبدية صغيرة لهذا الوجود من كلمات يابسة، أو كورقة خريف تبحث من مجري يأخذها بعيدا عن شجرة عارية. هو لأيام الخريف أقرب.الجمعة: أبيض، نظيف، شفاف، يندس في السبت ليِؤطر حدوده الزمنية، رغم أنه امتداد لانهائي للأبدية. وأنا طفلة، كنت أتحاشي الكذب أو النميمة أو حتي نهر قطة الجيران المزعجة، اعتقادا مني أن السماء يوم الجمعة شفافة جدا إلي درجة لا تحجب حتي خطايا الصغار. في كتاب ما، قرأت أن الجمعة يوم المرأة. أما الأيام الستة المتبقية فهي للرجل.السبت: أزرق، ليس بزرقة البحر أو السماء، زرقته قاتمة. لولا خلفية الجمعة البيضاء لكان أبغض الأيام وأقساها. متجهم وممل، متقلب المزاج. صباحاته بلا رائحة كركوة قهوة بائتة. هو لا يعرف كيف يبدأ دون تثاؤب ورغبة ملحة للعودة للسرير.الأحد: أسود، خامل وصامت كمقبرة في ضواحي مدينة، سكانها ميتون مع وقف التنفيذ. صباحاته كامرأة خرجت من توها من سهرة طويلة، أتلفت زينتها ولخبطت الأصباغ وجهها المتعب. الأحد يوم لا يصلح إلا للوداعات المؤلمة، وللجنازات وتبادل التعازي، أو لإعلان حرب ما.. أو لمشادات بين زوجين تعديا السبعين من عمريهما ولم يفكر أحد منهما، في مغادرة الحياة الزوجية، أو مغادرة الحياة بأكملها… في لحظة، تضاء الصالة، فيستعيدنا الضوء من متاهاتنا، وصوت المدربة يتمني لنا ليلة سعيدة. نترك ظلالنا مستلقية في استرخاء تام. نبتسم لبعضنا بتواطؤ من يعرف كينونة الآخر. فجارتي في الصف تعيش لحظة التأمل الذهني هذه، بطريقتها الخاصة، كثيرا ما كنت أضبطها متلبسة بدمعة في الظلام. خمنت أن كل أيامها أحد. أو أنها تمر بأزمة منتصف العمر وتتألم في صمت. نلقي بأجسادنا تحت رشاش الماء، لنغتسل من هواجس وأحلام مستحيلة… لا بأس، هي أحلام بسيطة. فقط تعديل بسيط علي وجه حياة مقطبة باستمرار. بعد قليل ستعود كل واحدة إلي بيتها: رائحة البصل، بخار الطبيخ، صراخ الأولاد، ولا مبالاة الزوج المستفزة . سيعدن لأيام تتشابه وبلا ألوان. أرعبتني فكرة أن ينتشر الرمادي فوق الأشياء بقوة. ماذا لو هجرني الشعر يوما وفقدت لذة الكتابة. ماذا سأفعل بأيام بلا ألوان؟ شاعرة من المغرب0