محمد بوبوش
منذ وصول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلي السلطة في الكريملين في 28 شباط (فبراير) 2000، والولايات المتحدة الأمريكية تنظر بعين الشك إلي روسيا الاتحادية، خاصة وأن الرئيس الروسي الجديد لديه طموحات حول استعادة مكانة روسيا الدولية والإقليمية، ورفضه الواضح لانفراد الولايات المتحدة بقيادة النظام العالمي الجديد، ومن ثم، اتجهت السياسة الخارجية الأمريكية إلي محاولة إقناع بوتين بأنه لا يمكن أن تستعيد روسيا مكانة الاتحاد السوفييتي السابق لاعتبارات عديدة أهمها الضعف الاقتصادي الروسي، إضافة إلي المخاطر التي تهدد روسيا الاتحادية ذاتها بالتفكك. وقد استخدمت في ذلك عدة أساليب منها تشجيع روسيا للاتجاه نحو أوروبا، وضم روسيا إلي قمة الدول السبع الصناعية الكبري، وتشكيل لجنة خاصة بالأمن في نطاق منظمة الأمن والتعاون الأوروبي (OSCE)، تكون روسيا عضوا فيها.
من ناحية أخري، اتجهت الولايات المتحدة إلي توسيع حلف شمال الأطلسي لاحتواء روسيا من جهة أوروبا وكذلك اتباع سياسة نشطة في دول آسيا الوسطي من أجل الحد من النفوذ الروسي في هذه المنطقة التي ازدادت أهميتها بعد الاكتشافات البترولية. كما أعاد الرئيس جورج وولكر بوش مبادرة درع الصواريخ إلي الوجود مرة أخري، ورأي أنه لا بد من إلغاء المعاهدات الموقعة سابقا مع الاتحاد السوفييتي لأن الظروف الدولية قد تغيرت، واستبدالها بمنظومات إقليمية تحجم روسيا وتعمل علي تقزيم خطرها ووضعها في دائرة صغري لا تستطيع من خلالها الخروج من عزلتها الحالية إلي فضاء سياسي رحب.
وتسعي روسيا في عهد بوتين إلي الاعتراف بها كقوة عظمي، واستعادة بعض الجوانب التي كان يتمتع بها الاتحاد السوفييتي في الماضي، مثل قوة عظمي ووجود سلطة مركزية ووجود مجتمع مستقر، ويقوم بوتين بذلك في بعض الأحيان علي حساب الدول المجاورة أو الحقوق المدنية للمواطنين الروس، ولا زالت روسيا تعتبر أن مبيعات الأسلحة والتكنولوجيا كمصدر هام للأموال، وتستخدم تلك المبيعات كوسيلة لتحسين صلاتها بشركائها الإقليميين، مثل الصين والهند وإيران.
وتنظر روسيا إلي تلك العلاقات باعتبارها القوة للحد من النفوذ الأمريكي علي المستوي العالمي، وتعمل روسيا علي استعادة مكانتها باعتبارها القوة المطلقة في المنطقة، وقد مارس بوتين ضغوطا علي الدول المجاورة له لدفع الديون الخاصة بالطاقة.
كما أنه زاد من التمويل المخصص للمجال العسكري لعلاج المشكلات المتراكمة في القوات المسلحة في العهد السابق، وبالرغم من صعوبة موقف الجيش الروسي في الشيشان، إلا أنه يري من الضروري حسم الصراع الدائر في الشيشان لأنه يشعر بأن هذه المسألة تمس بمكانته الشخصية.
وبالرغم من الحنين الكبير الذي يكنه بوتين للاتحاد السوفييتي البائد، إلا أنه يدرك تماما أن روسيا يجب عليها السماح بوجود الأسواق المفتوحة والاندماج داخل الاقتصاد العالمي، وإنها في حاجة إلي الاستثمار الأجنبي الذي يعد عاملا أساسيا لتحقيق النمو الاقتصادي.
وقد تزايدت في الآونة الأخيرة انتقادات حادة من بوتين لسياسة واشنطن في العالم والهيمنة الأمريكية علي شؤون المجتمع الدولي. ففي خطابه حول حالة الإتحاد الروسي بتاريخ 10 ايار (مايو) 2006، وجه بوتين انتقادات شديدة اللهجة إلي السياسة الأمريكية في العالم، وإن لم يسمها بالاسم، فقد قال بوتين بعضهم ما زال يعيش في حقبة الحرب الباردة، ويسعي إلي تعزيز نفوذه في المناطق التي يعتقد أننا ضعفاء فيها، وعلي روسيا أن تستعد لذلك.
لقد ورث بوتين عن سلفه بوريس يلتسن سياسة خارجية غير مستقلة، حيث تطلعت روسيا في تلك المرحلة إلي الاندماج في الغرب والتقيد بسياساته بأي ثمن مما جعل روسيا منقادة للولايات المتحدة وتنتهج سياسة اللين والمهادنة تجاهها. وفي هذه المرحلة قبلت روسيا بدور الشريك المتواضع للغرب وتبنت سياسة خارجية جديدة تقوم علي اعتماد التقارب بدل المواجهة مع الولايات المتحدة. وهذا هو الخيار الذي دأب علي تحقيقه وزير الخارجية الروسي آنذاك أندريه كوزيريف لدرجة أن بعض منتقديه اتهموه بأنه موظف في خدمة وزارة الخارجية الأمريكية أكثر مما هو وزير الخارجية الروسية. ومنذ أوائل عام 1996 ومع تعيين يفغيني بريماكوف وزيرا للخارجية الروسية، حاولت روسيا القيام بدور عالمي مستقل بدل التبعية المطلقة للغرب، ودون التفريط بمبدأ الشراكة مع أعداء الأمس أي الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين.
أما بالنسبة لفلاديمير بوتين، فقد بدا منذ الوهلة الأولي وكأن الرجل يمتلك حسا وطنيا مغايرا، ورغم أن العديد من مواقف السياسة الخارجية للاتحاد الروسي اتسمت بطابع استقلالي، أخذت طابعا إعلاميا ودعائيا، أكثر منها حزما وفاعلية، إلا أن التطورات كشفت في الوقت نفسه عن اتجاه متزايد نحو المزيد من الاستقلال والقدرة علي الفعل، بل وقيام روسيا صراحة بتحدي إرادة الولايات المتحدة بشأن إنهاء بعض الأزمات التي اندلعت في أوروبا والشرق الأوسط. والملاحظ أيضا هو انضمام روسيا إلي معسكر الدول التي تنتقد سياسة الغطرسة والقوة التي تفرضها الولايات المتحدة علي العالم من أجل تحقيق مصالحها الخاصة تحت شعار إقامة نظام عالمي جديد، أو بدعوي أن قراراتها تمثل إرادة المجتمع الدولي.
إن الموقف الروسي إزاء العديد من القضايا والأزمات الدولية، مثل الاحتلال الأمريكي للعراق، ووصول حركة حماس إلي السلطة، والملف النووي الإيراني، والعلاقات السورية ـ اللبنانية، تظهر مدي التحول الكبير في الدبلوماسية الشرق الاوسطية لروسيا الاتحادية.
ففيما يخص الأزمة العراقية، الملاحظ أن موقف روسيا، كان جنبا إلي جنب مع الموقف الصيني والروسي، سببا في حجب الشرعية الدولية عن الغزو الأمريكي للعراق، واعترض بوتين علي إجراء الانتخابات العراقية في ظل وجود الاحتلال الأمريكي للعراق.
أما عن الشأن الفلسطيني، فقد تميز الموقف الروسي بالجرأة، حيث تم استقبال وفد عن حكومة حماس المنتخبة ديمقراطيا في 26 شباط (فبراير) 2006 ، بقيادة خالد مشعل، حيث تم تبرير هذا الموقف بضرورة إقناع الحركة بضرورة نهج سلوك التفاوض مع إسرائيل، بل إن روسيا قامت بتقديم مساعدات مالية وعاجلة للسلطة الفلسطينية بسبب سياسة الحصار والتجويع المفروضة علي الشعب الفلسطيني من طرف الولايات المتحدة وأوربا، عقابا له علي اختياره الديمقراطي.
أما بالنسبة للملف النووي الإيراني، فالملاحظ أن هناك تقاربا روسيا ـ إيرانيا حول هذا الملف منذ البداية، ولا زالت الدبلوماسية الروسية تحاول حل الملف بالطرق الدبلوماسية، ومحاولة إقناع الطرف الإيراني بمبادرتها القاضية بقيام إيران بتخصيب اليورانيوم علي الأراضي الروسية، واستمرار التعاون بين الطرفين في مجال الطاقة النووية، عبر إنشاء محطات جديدة للطاقة النووية، بل إن روسيا ومعها الصين ترفضان فرض أي عقوبات علي إيران في إطار الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، أو اللجوء إلي القوة العسكرية لحل هذا الملف، إدراكا من روسيا لعواقب هذا الإجراء والذي قد يجر المنطقة إلي ما لا تحمد عقباه، وما العراق إلا خير نموذج علي ذلك.
وفيما يخص العلاقات السورية ـ اللبنانية، فروسيا التي لها علاقات متميزة مع دمشق، تعارض أي تدخل دولي في هذا الملف، وإن كانت مع ضرورة التحقيق الدولي في اغتيال الحريري، ذلك أن روسيا إلي جانب الصين امتنعتا عن التصويت علي القرار 1680 الصادر عن مجلس الأمن والذي يدعو سورية إلي إقامة علاقات دبلوماسية مع لبنان وترسيم الحدود بين البلدين. ولا شك أن هذا القرار يعد سابقة خطيرة في العلاقات الدولية وبدعة في القانون الدولي، ذلك أنه ينتهك سيادة سورية، فمن المعلوم أن إقامة العلاقات الدبلوماسية وترسيم الحدود هو شأن داخلي للدول ونابع من إرادتها ويمكن ارجاعه إلي ما يسمي بـ المجال المحفوظ للدول أو اختصاص الاختصاص. غير أن الأمم المتحدة خرجت عن الشرعية الدولية وتجاهلت صراحة ما نص عليه ميثاقها في المادة 2 الفقرة 7 والتي تنص علي أنه: ليس في هذا الميثاق ما يسوغ للأمم المتحدة أن تتدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي لدولة ما، وليس فيه ما يقتضي الأعضاء بأن يعرضوا مثل هذه المسائل لأن تحل بحكم الميثاق، علي أن هذا المبدأ لا يخل بتطبيق تدابير القمع الواردة في الفصل السابع.
وبالعودة إلي خطاب الرئيس الروسي، يلاحظ أنه تضمن ما يمكن اعتباره خطة لاستعادة روسيا مكانة الدولة العظمي، وذلك عند حديثه عن مقومات القوة الروسية، مشيرا إلي الأخطار الراهنة التي تهدد بلاده وعقبات تحديث جيشها وأمنها القومي، بل إنه استخدم بعض المصطلحات التي كنا نعتقد أنها اختفت من القاموس السياسي للكريملن منذ اختفاء الاتحاد السوفييتي عن الساحة الدولية، مثل توازن القوي الإستراتيجي، وضرورة وضع الجيش الروسي علي أهبة الاستعداد كي يكون جاهزا في أقرب وقت ممكن لمواجهة آنية لنزاع إقليمي أو دولي، وتعهد بأن يشمل التسليح أنظمة نووية وتقليدية متطورة جدا مستقبلا.
وفي رد استباقي علي اتهامه المحتمل بأنه عازم علي استئناف سباق التسلح العالمي، أشار بوتين إلي أنه من السابق لأوانه الحديث عن نهاية سباق التسلح مستشهدا بتضخم الميزانية العسكرية الأمريكية التي تتجاوز نظيرتها الروسية بـ25 ضعفا. كما أكد بوتين علي تعزيز دور بلاده في مجال الطاقة، وأوضح أن أخطاء الاتحاد السوفييتي لن تتكرر الذي وجه قسما كبيرا من موارده نحو التسلح متجاهلا الأوضاع المعيشية للمواطنين.
وقد أيدت النخب الروسية بمختلف توجهاتها السياسية خطاب بوتين معتبرة الخطاب الرئاسي يؤسس لتوجه جديد للسياسة الخارجية الروسية خلال الأعوام المقبلة حتي سنة 2010. وترجع أهمية هذه النقطة إلي ما تؤكده من أن رؤية بوتين تنبع من رؤية أوسع للنخبة الروسية التي توجد مؤثرات قوية علي شعور يغمرها بالمرارة من جراء التراجع الهائل لمكانة وطنها في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي.
يعتقد الكثير من المحللين السياسيين أنه من الصعب علي الدب الروسي أن يستعيد صولته الشرق الاوسطية، علي الأقل في المرحلة الراهنة، فروسيا تمسك بالعصا من الوسط، فهي من جهة تحاول إرضاء حلفائها في آسيا والشرق الأوسط، ومن جهة أخري فإن مصالحها الاقتصادية مرتبطة أكثر بالولايات المتحدة وأوروبا، كما أن مواقفها من بعض القضايا الدولية تظل ذات طابع دعائي وإعلامي.
إن ما ينقص روسيا هو استقرار سياسي وقيادة وطنية مقبولة ومسؤولة وذات رؤية إستراتيجية واضحة وقادرة علي تحقيق إجماع وطني يوظف الموارد الروسية في مشروع جديد لإعادة المكانة الدولية لروسيا الاتحادية.
ہ باحث في القانون الدولي والعلاقات الدولية ـ كلية الحقوق ـ أكدال ـ جامعة محمد الخامس ـ الرباط.