ما الذي سيؤدي إليه العرض الأورو ـ أمريكي الجديد لإيران؟

حجم الخط
0

ما الذي سيؤدي إليه العرض الأورو ـ أمريكي الجديد لإيران؟

د. بشير موسي نافعما الذي سيؤدي إليه العرض الأورو ـ أمريكي الجديد لإيران؟توصل وزراء خارجية الولايات المتحدة والدول الأوروبية الرئيسية في اجتماعهم بفيينا يوم الخميس الماضي إلي اتفاق طال انتظاره حول الموقف من الملف النووي الإيراني. تضمن الاتفاق مجموعة من السياسات التي تحدد طبيعة التعامل مع إيران خلال المرحلة القادمة. أول هذه السياسات هو إعلان الولايات المتحدة استعدادها التفاوض المباشر مع طهران، فيما يتعلق بالملف النووي فقط. وكانت واشنطن قد تعرضت لضغوط كبيرة من حلفائها الأوروبيين للانضمام إليهم في عملية التفاوض، بعد أن أظهر الإيرانيون مراراً عدم اطمئنانهم للوعود الأوروبية وتشكيكهم في قدرة الدول الأوروبية إلزام الولايات المتحدة بما يتم الاتفاق عليه. ولكن العرض الأمريكي بالتفاوض جاء مشروطاً بتعليق طهران جهود تخصيب اليورانيوم (وليس التخلي عنها نهائياً) والسماح لخبراء وكالة الطاقة النووية بالتفتيش علي منشآت التخصيب. إلي جانب انضمام الولايات المتحدة إلي طاولة المفاوضات، ثمة حزمة من الحوافز التي يمكن تصنيفها في باب الجزرة وأخري من الإنذارات التي تصنف في باب العصا. علي صعيد الحوافز، هناك وعود بتسهيلات تجارية، وتسهيلات تتعلق بنقل التكنولوجيا، إضافة إلي استعداد الأوروبيين تزويد إيران بمفاعل نووي للاستخدام السلمي يعمل بالماء الخفيف. أما حزمة التهديد، فتتعلق بالعمل علي إصدار قرارات دولية تفرض عقوبات اقتصادية علي إيران، والتلويح بهجمة أمريكية عسكرية. وكان من المفاجيء بعد يوم واحد من الاتفاق الأورو ـ أمريكي ان صرح وزير الخارجية الروسي معرباً عن أمله بإمكانية التوصل إلي حل مرض للملف النووي الإيراني، ومؤكداً علي ان الدول الرئيسية في مجلس الأمن اتفقت أيضاً علي استبعاد الخيار العسكري في التعامل مع إيران.جاء الرد الإيراني الأول علي العرض من الرئيس أحمدي نجاد، الذي قال ان بلاده ترفض أي صفقة لا تتضمن القبول بحق إيران في تخصيب اليورانيوم لأهداف سلمية. ثم صدر تصريح آخر من مصدر رسمي في طهران، مشيراً إلي ان الحكومة الإيرانية ستدرس العرض الأورو ـ أمريكي بجدية. وكان الرئيس الأمريكي جورج بوش الأبن قد قال ان أمام إيران أسابيع وليس شهوراً للرد. وفي تلميح إلي الطبيعة العاجلة للدبلوماسية الأورو ـ أمريكية، تقرر إيفاد مسؤول الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي إلي طهران للتباحث حول العرض الجديد. فما الذي يعنيه العرض الأورو ـ أمريكي الأخير لإيران، وكيف ستقرأ طهران هذا العرض؟ وهل يتحرك الملف الإيراني النووي نحو حل ينقذ ماء وجه جميع الأطراف، أو أن العرض الجديد لن يؤدي إلا إلي إسراع الخطي نحو الحرب؟ليس ثمة خلاف جوهري بين الأوروبيين والأمريكيين حول الهدف النهائي؛ كلاهما يريد منع إيران من الانضمام إلي النادي النووي، ليس فقط بمنعها من امتلاك السلاح النووي، بل أيضاً بمحاولة منعها من امتلاك الوسائل التي تؤهلها لتصنيع هذا السلاح في المستقبل. إعلان إيران البدء في تخصيب اليورانيوم، ومن ثم الإعلان لاحقاً عن القدرة علي تصنيع أجهزة الطرد المركزي، كان تطوراً بارزاً بلاشك. وهناك من الأدلة ما يشير إلي ان القوي الغربية قد فوجئت بالإعلان الإيراني، علي الأقل ذلك المتعلق بتصنيع أجهزة الطرد المركزي. فإن كان برنامج التخصيب الإيراني الحالي، القائم علي عدد محدود من أجهزة الطرد المركزي، لا يؤهلها إلا لتوفير اليورانيوم للاستخدام السلمي، فإن إضافة مئات أخري من أجهزة الطرد المركزي سيجهلها قادرة علي التخصيب للاستخدام العسكري، إن قررت ذلك. بذلك دخل الملف النووي الإيراني مرحلة جديدة، لا يمكن للقوي الغربية تجاهل دلالاتها ولا معطياتها. ومن هنا جاء العرض الجديد مشفوعاً بطلب تعليق عملية التخصيب، لا التخلي عنها في شكل قاطع ونهائي كما كانت المطالب الغربية السابقة. فالجميع يدرك الآن أنه حتي لو دمرت المنشآت الإيرانية عن بكرة أبيها (وهي لو كبيرة بالتأكيد)، فإن المعرفة العلمية والتقنية لا يمكن تدميرها، وسيكون بإمكان إيران البدء من جديد في أي وقت أرادت. ثمة اعتراف أورو ـ أمريكي ضمني بأن السماح لإيران بدرجة ما من التخصيب (ربما عن طريق وسيط روسي) بات أمراً لا مفر منه.من جهة أخري، يزداد التورط الأنكلو ـ أمريكي في العراق تعقيداً، في الوقت الذي تفقد فيه الحرب أي دعم ذي قيمة في الرأيين العامين الأمريكي والبريطاني. وحتي في أوساط المعلقين الرئيسيين علي جانبي الأطلسي، كما في الأوساط السياسية في لندن وواشنطن، ثمة توجه متصاعد للتعجيل بالانسحاب من العراق، حتي لو كان الثمن تقسيمه إلي ثلاث وحدات إثنية وطائفية. تشكيل الحكومة العراقية بعد معاناة سياسية طويلة في المنطقة الخضراء فشل في ترك الأثر السحري المنشود علي الأوضاع، بينما فقدت العلمية السياسية حتي قوة الدفع المحدودة التي اكتسبتها أثناء الانتخابات الأخيرة. ولكن العقدة العراقية لا تقتصر علي هذا التورط المتزايد. فقد اشتم معلقون أمريكيون في ما سمي بانتفاضة الجنرالات الأمريكيين المتقاعدين خلال الشهر الفائت ما يمكن أن يشير إلي موقف المؤسسة العسكرية الأمريكية من المخططات التي يجري إعدادها للهجوم علي إيران. ما قاله الجنرالات المتقاعدون في تصريحاتهم ومقالات الرأي التي نشروها والمقابلات التي أجريت معهم ان الجيش لا يجب ان يحمل مسؤولية الفشل في العراق علي أي نحو من الأنحاء، وان هذه المسؤولية تقع علي عاتق القيادة السياسية في البنتاغون، بمن في ذلك وزير الدفاع ومجموعة المحافظين الجدد التي أحاطت به. أما ما لم يقله هؤلاء الجنرالات صراحة، ان الجيش الأمريكي لا يجب ان يزج به في حرب مع إيران، لا تعرف عواقبها وتكلفتها، بينما هو غارق في العراق في غمار حرب لا تعرف نهاية لها. إن كانت هذه القراءة صحيحة، فهذا ما يفسر انتصار ما يسمي أحياناً بالخط البراغماتي الذي تمثله وزيرة الخارجية الأمريكية علي الخط الهجومي الإمبريالي الذي مثله نائب الرئيس ووزير الدفاع والمجموعات التي تحيط بهما داخل وخارج الإدارة.بيد ان هناك عاملاً آخر لا يقل أهمية، ساهم في عودة الجانب الأورو ـ أمريكي إلي الساحة الدبلوماسية، يتعلق بالموقف الروسي ـ الصيني. فبالرغم من الضغوط الأمريكية المتصاعدة خلال الشهور القليلة الماضية، رفضت بكين وموسكو الموافقة علي إصدرار قرار من مجلس الأمن يتضمن التهديد باستخدام القوة، تصريحاً أو تلميحاً. تعلن كل من الصين وروسيا موافقتهما علي منع إيران امتلاك السلاح النووي، ولكنهما تتخذان موقفاً ثابتاً من احتمالات نشوب حرب جديدة في الشرق الأوسط. رفض التصعيد باتجاه الحرب يتعلق أولاً بعلاقات التحالف الإيرانية مع الصين وروسيا، وثانياً بما قد تؤدي إليه الحرب من الإضرار بالمصالح الروسية والصينية الاقتصادية والسياسية في المنطقة، وثالثاً بالقلق الروسي والصيني المتزايد من محاولات الزحف الأمريكي الاستراتيجي في الشرق الأوسط، وآسيا الوسطي، وأوروبا الشرقية. العامل الروسي ـ الصيني يتفاعل أيضاً بطريقة معاكسة في تأثيره علي الموقف الأورو ـ أمريكي. فمن أفغانستان إلي فلسطين إلي العراق، ثمة عدد من المؤشرات علي ان روسيا عادت لتلعب دوراً نشطاً في الشرق الأوسط؛ وإن نظرنا إلي المصالح الصينية الاقتصادية المتعلقة بالتجارة والطاقة فقط، فإن الصين لن تتخلف بعيداً عن خطي حليفها الروسي. وليس هناك في أوروبا ولا الولايات المتحدة من يريد رؤية روسيا والصين تحققان المزيد من المكاسب في الشرق الأوسط علي حساب الفشل الدبلوماسي الغربي.تشكل إيران بالطبع الجانب الآخر الرئيسي في هذه الأزمة؛ إذ ما لم تكن إيران علي استعداد للتعامل مع العرض الأورو ـ أمريكي الجديد، فإن الدبلوماسية ستصل إلي طريق مسدود علي كل الأحوال. ومن الواضح ان الموقف الإيراني أكثر مرونة واستعداداً للتفاوض مما يفهم أحياناً من تصريحات الرئيس أحمدي نجاد ووزير خارجيته. ولكن المرونة الإيرانية ذات سقف وليست مطلقة. ما يمكن فهمه من السياسة الإيرانية، ان طهران علي استعداد لتقديم ضمانات سياسية وعملية (بما في ذلك القبول بنظام دقيق للمراقبة) للمحافظة علي الطابع السلمي لبرنامجها النووي. ولكن الإيرانيين، حتي الآن علي الأقل، يرفضون التخلي الكامل عن برنامج التخصيب، الذي يعتبرونه حقاً تكفله المعاهدات الدولية. وهنا، ربما، ستكون عقدة التفاوض. فإن كان الطلب الأمريكي بتعليق عملية التخصيب هو طلب يتعلق بفترة المفاوضات، وأن المفاوضات ذاتها ستتمحور حول طلب التخلي الكامل عن العملية مقابل حزمة من الحوافز السياسية والاقتصادية والتقنية، فالأرجح ان العملية الدبلوماسية في هذه المرحلة لن تصل إلي شيء ملموس. ولكن هناك من يتوقع ان يلجأ المفاوضون الأوروبيون والأمريكيون إلي حل وسط، يرحل الأزمة إلي المستقبل، مثل مطالبة إيران بتعليق عملية التخصيب لعدة سنوات قادمة، يجري خلالها محاولة استيعاب الجمهورية الإسلامية في النظام الاقتصادي والسياسي الدولي، كما في النظام الإقليمي الأمني والاستراتيجي. مثل هذا العرض سيصعب ربما علي المفاوض الإيراني رفضه، وسيدلل طرحه علي سعي أورو ـ أمريكي حقيقي لتجنب الحرب.المشكلة الكبري في الملف النووي الإيراني أنه في حقيقته ليس ملفاً أمريكياً ولا أوروبياً؛ إذ حتي لو افترضنا ان الجهود الإيرانية ترمي في جوهرها إلي امتلاك السلاح النووي، فإن القنبلة الإيرانية لن تشكل خطراً يذكر علي المصالح الأمريكية والأوروبية. إيران المسلحة نووياً لن تجرؤ علي التلويح بالقنبلة في وجه قوي تستطيع بسهولة إيقاع دمار أسطوري بها. الملف الإيراني هو في كليته ملف إسرائيلي؛ ليس لاحتمالات تهديد الدولة العبرية بالسلاح النووي، بل لما لامتلاك التقنية النووية من أثر علي الميزان الاستراتيجي الإقليمي، ولما للحالة الإيرانية من أثر علي خيارات التوجه نحو اكتساب التقنية النووية لدي دول أخري في المنطقة، مثل مصر والجزائر وتركيا. ولهذا فإن السباق القادم ليس بين الدبلوماسية الإيرانية والدبلوماسية الأوروبية والأمريكية، بل بين المعسكر الإسرائيلي والمعسكر المخالف له في الدوائر السياسية الغربية. وقد كانت كلمات رئيس الوزراء الإسرائيلي في الاجتماع المشترك لمجلسي النواب والشيوخ الأمريكيين بالغة الدلالة علي سعي القيادة الإسرائيلية إلي دفع الموقف الأمريكي نحو شن الحرب علي إيران. ولذا فإن كان العرض الأورو ـ أمريكي الجديد يقصد به فعلاً التوصل إلي حل دبلوماسي مرض لكل الأطراف، فهو مؤشر علي خسارة المعسكر الإسرائيلي لهذه الجولة من التدافع، وربما كانت خسارته كبيرة بالفعل. أما إن كان المقصود منه كسب الرأي العام الأوروبي والأمريكي، ومن ثم دفع طهران إلي الزاوية برفض الحوافز المقدمة لها، أو القبول بتسوية مهينة، فإن العد العكسي للحرب قد بـــدأ بالفعل. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية