الهجوم علي الجزيرة في رام الله: هل هذا ثمن التعاطف مع فلسطين؟
سعيد دويكاتالهجوم علي الجزيرة في رام الله: هل هذا ثمن التعاطف مع فلسطين؟مسكينة هي قناة الجزيرة! لم تبق تهمة في الكون لم تلصق بها، ولم تبق دولة لم تعادها، ولم يبق جهاز مخابراتي عربي أو غربي لم تتهم بالعمل لحسابه حتي جزر القمر! وأصبحت قناة الجزيرة ضالة الخاسرين واليائسين والبائسين، اذ أنهم اكتشفوا بعد طول عناء، أن الجزيرة هي سبب يأسهم وبؤسهم وخسرانهم، ولم يقف الأمر عند الأنظمة بل تعداها الي الحركات والأحزاب والجماعات والأفراد، فقد أصبح أحدهم ان خسر في انتخابات (مخترة البلد) أو (مشيخة العائلة) يحمل خسارته لقناة الجزيرة!، ومن يدري فربما هناك بعض الآباء والأزواج يعدون لوائح اتهام ضد الجزيرة، وذلك لأن أبناءهم وزوجاتهم خالفوهم الرأي متأثرين بقناة الجزيرة التي ترفع شعار ـ الرأي والرأي الآخر ـ مما أدي الي محاولات تمرد وانقلاب داخل الأسرة تتحمل الجزيرة مسؤوليتها!ان ما جري مؤخرا من حرق لسيارات الجزيرة في مدينة رام الله يشكل وصمة عار في جبين من قام بهذه الفعلة المشينة والتي عبرت عن ضعف وعجز تامين عن مواجهة الكلمة بالكلمة والحجة بالحجة، فكان اللجوء الي أساليب الخفافيش التي لا تتقن العبث الا في ساعات الظلام!لقد شكل هذا العمل الأرعن صدمة لكل فلسطيني غيور، لأنه وجه ضد قناة حملت همنا وقضايانا الي العالم وجعلت من انتفاضتنا محور حديث الناس في كافة بقاع الأرض، أهكذا تكون مكافأتنا لها؟ نكرانا للجميل ورفضا للمعروف! وحتي لو افترضنا أن هناك من يحتج علي تغطية الجزيرة لموضوع ما، فهل يكون الاحتجاج بالحرق والتدمير لسيارات القناة وأجهزة بثها التي طالما نقلت للعالم آلامنا ومعاناتنا تحت الاحتلال؟! هل نسينا الجزيرة وتغطيتها للاجتياح الكبير، وطواقم مراسليها تحت النار في رام الله وجنين ونابلس وبيت لحم وحصار كنيستها المشهور، وبرامج تحت الحصار وفلسطين تحت المجهر ومنبر الجزيرة.!لقد دفعت الجزيرة ثمنا غاليا من دماء و حرية العاملين فيها، وقصفت مكاتبها مرات ومرات، وأغلقت مرات أكثر، فمن شهيد الصحافة طارق أيوب الي العراقية الأبية أطوار بهجت، الي اسبانيا حيث تيسير علوني يدفع ثمن تمسكه بدينه ومهنيته وفضحه للجرائم الأمريكية في العراق وأفغانستان، ولا ننسي سفير الجزيرة في غوانتانامو المصور سامي الحاج، ولا يفوتنا ذكر المكاتب المغلقة في العراق وايران ومنعها أصلا في العديد من البلدان.ووصل الأمر والضيق من القناة حد التفكير بقصفها دون النظر الي كم الأرواح البريئة التي ستسقط جراء هذا الاجرام.!ربما يكون للكثيرين تحفظات علي أداء الجزيرة في بعض الأحيان وخاصة حول بعض المراسلين الذين يدلون بوجهات نظرهم الشخصية وينسبونها للشارع! ولكن مع ذلك من منا بلا أخطاء؟ ولماذا نطلب من الآخرين كمالا نحن مفتقرون اليه! ثم هب أن الجزيرة أخطأت من وجهة نظر بعضنا في أمر من الأمور فهل الحرق والتدمير هو الوسيلة المثلي لتصحيح الأخطاء؟ أم المصارحة والمكاشفة وعرض وجهات النظر والاستماع لوجهات النظر الأخري؟علي الجميع أن يعرفوا أن وسيلة الاعلام تكتسب مصداقيتها عندما لا ترتهن لأي جهة كانت، وأن علي كل واحد فينا، فردا أو فصيلا أو دولة أن لا يتعامل مع وسائل الاعلام بصورة مزاجية أو انتقائية يشيد بها اذا امتدحته، ولا يبقي عيبا الا وأ لصقه بها اذا هي نقلت خبرا لم يعجبه! من منا يرضي لنفسه أن يسعي لاسكات صوت صادق يحكي للعالم هموم شعبنا؟من ذا الذي يرضي لنفسه أن يكون في خانة الذين قصفوا مكاتب الجزيرة وقتلوا وسجنوا مراسليها؟ أفلا يقارن هؤلاء بين من يقدر شهداءنا ومقاومتنا، وبين من يسمي انتفاضتنا أعمال عنف، ويسمي شهداءنا قتلي وصرعي ومنتحرين! عذرا منك يا قناة الجزيرة، نشعر بالخجل والخزي مما جري ونأمل ألا يؤثر هذا العمل الشائن علي مسيرتك الحافلة بالخير والعطاء، وعلي حياديتك واستقامتك، عزاؤنا جميعا هو هذه الوقفة الصادقة من كافة أطياف الشعب الفلسطيني التي جاءت لتعبر عن تضامنها ووفائها وتقول لك: نحن معك ونحن ساخطون وغاضبون لما جري، نقدر من يقدرنا ولسنا ممن ينكر الجميل، ورغم بعض الهنات هنا وهناك الا أنك تستحقين كل اعجاب وتقدير..أحبتنا في قناة الجزيرة نعلم أنكم في حيرة من أمركم، من ترضون ومن تغضبون، ولسان حالكم يقول: الله يحير اللي حيرونا..ابحثوا عن اسم آخر يفترض في تلفزيون فلسطين بداهة أن يكون أداؤه موافقا لاسمه، أي أن يكون معبرا عن آمال وتطلعات كل الفلسطينيين، وأن يكون الناطق باسمهم بل ونافذتهم علي العالم ينقل الصورة والصوت منهم وإليهم، فيدافع عنهم ويوضح صورتهم، صورة الشعب المقهور المطحون بآلة الاحتلال التي لا تبقي ولا تذر، وقد أتت هذه الآلة علي كل شيء فجعلته خرابا يبابا! فيما تتفنن الآلة الإعلامية الإسرائيلية والجوقة التابعة لها في الغرب في تصوير الشعب الفلسطيني (الضحية) علي أنه ليس أكثر من مجموعات من المجرمين والقتلة، وأن ما تفعله إسرائيل بهم ليس أكثر من دفاع عن النفس! وحماية للمشروع الصهيوني الحضاري من هؤلاء الإرهابيين!! بل إن هذا الإعلام يقوم وبصورة منهجية ومنتظمة بحملات هائلة لتبرير الحصار علي الشعب الفلسطيني وتجويع أطفاله تحت ذريعة انتخاب حكومة فلسطينية إرهابية لا تعترف بإسرائيل!فماذا كان موقف النافذة الإعلامية الفلسطينية تلفزيون فلسطين إزاء ذلك كله؟! كان منتظرا من هذا التلفزيون أن يوضح الحقائق أمام الناس (حسب قدراته)، ويبرز الحقيقة الدامغة، وهي أن الاحتلال مستمر في بطشه واغتيالاته وحواجزه قبل مجيء الحكومة الجديدة والتي لم يزد عمرها عن أسابيع! بينما يمتد عمر البطش الاحتلالي إلي ما يزيد عن نصف قرن من الزمان، وأن ترديد أسطوانة عدم وجود شريك للسلام بدأت منذ عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات (بدعوي رعايته للإرهاب)! ولم تنته باغتياله ـ رحمه الله. واستمرت مع استلام الرئيس (أبو مازن) وهذه المرة بدعوي أنه ضعيف! وتجددت الاسطوانة بعد فوز حركة حماس وتشكيل الحكومة الجديدة وكانت الذريعة الإسرائيلية هذه المرة هي وجود حكومة لا تعترف بإسرائيل شكلتها حركة إرهابية!المفاجأة لم تكن فقط في تقصير التلفزيون الفلسطيني عن القيام بدوره المرتجي منه والرد ـ قدر الإمكان ـ علي الدعاية الاسرائيلية الأمريكية الكاذبة، بل في الهجوم غير المسبوق علي الحكومة الفلسطينية (التي يفترض أنها حكومته)، لدرجة إنه سن لنفسه سنة تكاد تكون يومية تتمثل بالهجوم علي الحكومة وتحميلها ـ بطريقة مباشرة وغير مباشرة ـ مسؤولية الحصار وتجويع الشعب الفلسطيني! والسبب عدم اعترافها بالشرعية الدولية والعربية وافتقارها للواقعية السياسية، وعدم التزامها بالاتفاقيات الموقعة! والترجمة الحرفية لتلك الشرعية وهذه الواقعية هي أن مسؤولية الحصار علي الشعب تتحمله الحكومة لأنها لم تعترف بإسرائيل! وهو ما لم يجرؤ أحد من ضيوف ومنظري ومقدمي البرامج علي ذكره صراحة، بل غلفوه بغلاف الشرعيات متعددة الجنسيات سالفة الذكر لأنهم يعلمون تماما ما هو موقف الشعب منها، وحتي تكتمل حلقات الهجوم طعم القائمون علي البرامج برامجهم باتصالات ومقابلات تفوح منها رائحة الترتيب والتلقين المسبق، وليس أدل علي ذلك من قطع الاتصال مع من لا يروقهم كلامه تحت بند ـ وصلت رسالتك ـ مع أن المتصل لم يكد ينتهي من ذكر البسملة. أو نأسف لانقطاع الاتصال الذي لا يحدث ـ سبحان الله ـ الا مع المخالفين لوجهة نظر القائمين علي البرنامج، بينما يفتح الأثير ذراعيه للشاتمين مانحا إياهم الوقت ومدخلا إياهم في الحوار تكريما لشتائمهم اللطيفة.ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل إن اللقاءات والتي بمجموعها تستمر لساعات طويلة تصب جام غضبها علي طرف بعينه بصورة يحسب البعض أن المقصود هو الاحتلال ذو القتل والتجريف والاغتيالات والحواجز والمستوطنات، لكنه لا يلبث أن يكتشف أن اسم الاحتلال سقط سهوا، ولم يذكر بسبب الانشغال بالهجوم الكلامي الكاسح علي ذلك الطرف المقصود.ان حصاد عمليات التعبئة والشحن وزرع الضغائن سيكون كارثيا علينا جميعا، حيث يأتي بعض ضيوفكم وبعض مذيعيكم في العديد من برامجكم، فيطلقون من عبارات التحريض والفرقة، الواضحة منها والمبطنة، المقصودة وغير المقصودة ويغادر! لكنه لا يدري ماذا زرعت كلماته وتركت وزادت في النفوس من تراكمات وشحناء، ومرة تلو الأخري تزداد الشحناء وتكبر الضغينة حتي تنفجر إلي أحداث مؤسفة نكتوي بنارها جميعا، ما كان لها أن تقع لولا عملية التعبئة والشحن التي انحرفت بوصلتها إلي الاتجاه الخاطئ. إن حرية النقد حق خالص لكل إنسان وليست منة من أحد، وتكميم الأفواه شيء بغيض، وقد اكتوي الكثيرون منا بناره عبر سنوات خلت، وليس صحيا علي الإطلاق أن نكون علي نسق واحد من التفكير، أو مجرد مقلدين نهز رؤوسنا بالإيجاب حتي لو لم نعرف لمادا نهزها! ولكن هناك فرق كبير بين النقد وبين الطعن وشحن النفوس.يسجل لتلفزيون (فلسطين) وبجدارة أن يكون أول تلفزيون يلقي باللائمة علي حكومته في قضية الحصار، وأول تلفزيون يهاجم حكومته ويسخر منها في طريقة تعاملها مع الحصار المالي. تري عندما يسمع ويشاهد المتعاطفون مع شعبنا والرافضون للحصار الظالم ودعاواه الباطلة، والذين يدافعون عنا ويجمعون لنا التبرعات، ويحشدون لنا التأييد السياسي، عندما يسمعون ويشاهدون (تلفزيوننا) وهو يسخر من حكومة شعبه ويحملها مسؤولية الحصار؟ كيف سيكون موقفهم وما هو حالهم أمام الآخرين؟وأخيرا أنقل ـ وبصدق ـ للقائمين علي هذا التلفزيون، وجهة نظر الكثيرين من أبناء هذا الشعب، وهي باختصار تقول: إما أن يكون التلفزيون بحق تلفزيون فلسطين لكل الفلسطينيين، يتصف بالنزاهة والموضوعية ويتعامل بحيادية وشفافية ويعمل علي ترسيخ المحبة والأخوة والوحدة الوطنية الحقيقية ويكشف ويفتح بكل جرأة ملفات الفاسدين والمفسدين ممن أكلوا قوت الناس وتركوهم جياعا، ويوجه بوصلة الشعب وقدراته نحو الهدف الصحيح، ويرفع المعنويات ويشد العزائم ويشد علي يد المتمسكين بالثوابت، وإلا فابحثوا له عن اسم آخر يناسب طبيعة ما يطرح فيه، لأننا لسنا بحاجة إلي فرقة تزيد فرقتنا، وضعف يضاعف ضعفنا… يكفينا ما نحن فيه! كاتب من فلسطين[email protected]