عناية جابر
أيضاً في باريس، ليست الفتنة فقط والسحر. الفتنة والسحر امران يصعّبان عليك وحدتك، وتملأك هذه حتي نخاع العظم.
هرعت الي مكتبة إبن سينا لهاشم معاوية. يبحث هاشم في ذاكرته لكي يُدفئني. يُريني صوراً علي جهازه لاصدقاء مقيمين وآخرين عابرين لا تفوتهم زيارته. بعض الصور يتعامل مع الحياة لاسباب واضحة باستثناء القليل التي يهمها اعتبار الوضوح شيئاً غير ثابت. هذا امر مفيد، لكنه خطأ.
شربت القهوة مع هاشم في الـ فلور وفي مكتبته، وشعرت انني اعرفه اكثر مما ينبغي وانتابني قلق عليه. معرفتي المستجدة بهاشم متأتية من طبيعته هو، اكثر مما قد تكون تكمن فيّ.
حسناً، كان برد باريس المفاجيء هو الباديء هذه المرة. لقد استوقفني وتحداني وما كنت قد استعددت له، امطرت بغزارة متخابثة وأثقلت علي ألفتي للمطر. مع ذلك استقبلت هجوم السماء بترفع، اعني بتركها تبللني، فلست ممن تقضي اوقاتها في تحسب الغدر. انني مقتنعة ببساطة بأن اختلافات التدرج بين ما احبه فعلا وانتظره، وبين ما يطرأ علي ويربكني ليست بالفارق الكبير. لذلك لم ارفض مثل هذه المشاركة الروحية العنيفة للمطر، اكتسحتني علي شوارع باريس، ولم تسهل علي غرامي بالمشي.
لم اعرف كيف استقبل مجاورة سيدتين متحابتين في المطعم الذي دخلته صدفة. احسست ان الارض بأسرها قد انقسمت حرفيا. الجوار القريب جدا ـ علي عادة الفرنسيين في المدي البخيل في بيوتهم ومقاهيهم ومحالهم، جعل مني شريكة نوعا ما، لعمليات الاغواء الجارية امامي بين السيدتين. اللمس الخفيف والايحاءات والوجد البائن. متخففات كن من ادوار العشق المعروفة، وله محضون بدواخلهن، لا يشارك فيه الرجل، ويمكن لعواطفهن التي تكونت من اجسادهن نفسها، ان تستثار من خلالها وحدها. شعرت بكل كثافة حبهن، من دون ان اعرف كيف يصرفن ذلك الحب. احداهن تشبه هرة صغيرة والاخري طويلة وممتلئة تضرب بثبات بشوكتها في صحن السومون امامها.
مثل نزهاتي التي اقتنصتها بين صحو وآخر، لم تكن بهدف المتعة وحدها، وانما ايضا من اجل الحصول علي دعم المارة الوحيدين. نزهات صحية، فضولية، ولكن شاحبة. نزهات ممسوسة بالرغبة في رقاد يدك بيد ضخمة. يد بحجم باريس. ان تتنزه وحيدا، متظاهرا انك في عجلة من امرك لملاقاة احد ما، امر لا ينطلي علي الفرنسيين.
كانت الشوارع تدافع عن نفسها بحمية امام هيكلي الصغير. في الشوارع الفرعية بدا الامر معقولا وملائما للهاثي الخفيف، فيما علي البولفارات راحت خطواتي في نكوصها الي الطفولة، كأنما جديدة، ومتعثرة. ليس بسبب الوحدة في المدي المفتوح جدا، وانما بسبب الاصرار عليها، ما يمحضني الحب والرعب المتصاعدين فيّ معا.
لم يفتني قط التقاط النظرات من هنا وهناك، وكنت احضنها من دون اسئلة كثيرة، حتي وان عبرت عن شيء اقل من الاحترام، ولا نحتاج في كل حال الي الكثير منه في باريس. عليك ان تقبل بمبلغ انوثتك علي هذه الارصفة. ان تعترف بها وتعي جسدك عضوا عضوا وان تحولت عنها احيانا، بمناورات مثالية كأن تتظاهر بأنك مستاء من امر ما، او تتآكلك كآبة بالغة لا يسعك معها ان تغوي وتغوي. ايضا مثل هذه المناورات لن تحميك.
في محلات الزهور فحسب، لا تعود تعني لي شيئا ثقافة الارقام والحقائق الواطئة في العالم الغربي، باريس تحديدا.
تصبح اللغة بيني وبين البائع لغة زهور فقط. اصبح قادرة مجددا علي الايمان بالاشياء الصغيرة، الوانها، رائحتها.
قدرة الوردة علي عدم التجريح بالروح، فائقة. تملك الوردة قدرة الارتفاع فوق برج ايفل، فوقه بكثير، حتي وان غالي البائع في سعرها. القدرة الروحـــية للوردة تمكنني من احتمال جبروت فرنسا المادي، تفاقمه. ادفع ثمنا سرياليا، لقاء باقة صغيرة اذهب بها الي غرفتي في الاوتيل، وعلي فمي ابتسامة رضي.
لم اقترب من محطات المترو ولم استقل احدها. اكره فعلا مثل هذه الاماكن الكهفية وآن لي ان اعترف. فوق الارض دائما. احتاج مثل هذا الارتفاع واحتاج ان اكون طائرا مجنحا اتشبث بالهواء في خوفي المزمن من ملاجيء بيروت وحرب بيروت، وفي ارتفاع السؤال دائما: هل ينبغي علي حية ان اتطابق مع موتي؟ هل يلزمني عبور الشارع ان آتيه من جوفه؟