ضعف ثقافة التشكيليين العرب جعلتهم متأخرين نصف قرن عن نظرائهم الاوروبيين!
أسعد عرابي بمناسبة معارضه بين دمشق وحلب:ضعف ثقافة التشكيليين العرب جعلتهم متأخرين نصف قرن عن نظرائهم الاوروبيين!دمشق ـ القدس العربي : يقام حاليا في حلب (وضمن تظاهرة حلب عاصمة للثقافة الاسلامية لعام 2006) معرض بالغ العناية للفنان أسعد عرابي وذلك بعد معرض ضياء العزاوي الذي اقيم في القلعة. استضافت المعرضين دار وصالة كلمات التي صمم لها العزاوي شعارا جديدا. سبقت معرض عرابي ثلاثة معارض متزامنة في دمشق بالاشتراك مع نحات شاب لامع هو فادي يازجي، اقيمت في المركز الثقافي الفرنسي وصالة عشتار وغالوري مصطفي علي، ومن الجدير بالذكر انه صدر خلال هذه التظاهرة كتاب اخير لعرابي بعنوان: صدمة الحداثة في اللوحة العربية ، ثم سحب من التوزيع من أجل تصحيحه واعادة اخراجه من قبل الفنان احمد معلا. بخصوص التظاهرة الثلاثية في دمشق، والمعرض الشخصي في حلب (مع محاضرة عن البعد الصوفي في اللون في المكتبة الوطنية في حلب ، أجرت القدس العربي مع عرابي الحوار التالي: ما هو الفرق بين معرض حلب الشخصي الراهن والمعارض التي سبقته (او تزامن بعضها جزئيا معه) اقصد الثلاثة المشتركة مع النحات فادي يازجي في دمشق؟ وهل دعوتك الي معرض حلب (غالوري كلمات) كانت نتيجة لاصداء تظاهرة دمشق هذه؟ الفرق الاساسي هو الذي ذكرته انت، ان معرض حلب دعوة شخصية ضمن تظاهرة حلب عاصمة للثقافة الاسلامية لعام 2006 والتي دعي اليها ضياء العزاوي قبلي، وهي مبادرة من دار للعرض والنشر يديرها عدنان احمد، دعيت فيها ليس فقط للعرض وانما ايضا لالقاء محاضرتين عن الفن الاسلامي (هو ميدان اختصاصي النظري)، اقتصرت علي الاولي بسبب وضعي الصحي بعنوان البعد الصوفي في اللون في المكتبة الوطنية. حملت احدي اللوحات الي جانب المنصة كمثال عملي عن هذه الاطروحة، وهنا نعبر الي طبيعة المعرض المغايرة لنظائرها في دمشق وهو الاختيار القصدي لاعمال لا تخفي تأثير المنمنمات (رسوم المخطوطات) سواء علي المناخات اللونية او العمارة الهندسية او حتي الموضوعات، فبطاقة الدعوة كانت صورتها التي تمثل اللقاء المستحيل بين الأمير الفارسي خسرو والأرمنية شيرين ما هو الا احتفاء بعبقرية بهزاد في تبريز وهيرات القرن الخامس والسادس عشر للميلاد. اما المعارض الثلاثية في دمشق فقد كان الاختيار يرتبط بهاجس المقاربة والمقارنة الاسلوبية الثنائية التي تصل حدود التشابه احيانا بين الموضوعات الميثولوجية. ثم ان دعوة معرض حلب سبقت تاريخ المعارض الدمشقية. لعل هذا يثبت ضعف دعوي تأثرك بالتصوير العربي الاسلامي (فن رسوم المخطوطات) او علي الاقل محدوديته غير الظاهرة، بسبب الحداثة او بالاحري ما بعد الحداثة التعبيرية التي ينتهجها اسلوبك منذ سنوات بعيدة، ثم تباعد الموضوعات غالبا كما اشرت انت نفسك؟ العديد من اصدقائي الفنانين يشاركونك هذا الحكم، انا اجد ان نصفه صحيح ونصفه يجانب واقع الحال. اذا اتجهنا مباشرة الي مركز هذا الالتباس وهو اختيار الموضوعات، وجدناها علي الغالب تبحث ضمن حداثتها التي تذكرها عن ميثولوجية معاصرة تستقي مدادها التخيلي من آلية الاساطير السورية ـ الرافدية، من كنعانية وآرامية الي تدمرية ونبطية ومتوسطية فينيقية او هلنستية الخ.. خاصة تلك التي تستعيد دورة الخلق والخصوبة والأمومة، لدرجة ان بعضها في دمشق معرض المركز الثقافي الفرنسي اتهم بالجرأة والاباحية (بتجنٍ غير بريء)، ولكن الابرز في هذه الموضوعات هو تمجيد الكينونة الحية (من جسد بشري او حيواني)، والشطح بسفينة نوح باتجاه التناغم والتعايش وتبادل اقاصيص الحب بين الاجناس الحية المتباعدة، مثل الغانية البشرية والفيل ووليدهما المشترك، بالقدر الذي تستحضر فيه هذه الموضوعات ردود الفعل الطوباوية او الايكولوجية المعترضة علي افناء الاجناس الحية وتدمير توازنها الديموغرافي في الطبيعة، بالقدر الذي تستحضر فيه طريقة الرسم بعضا من حساسية رسوم كليلة ودمنة او خاصة رسوم كتاب الحيوان (الجاحظ) المحفوظ في مكتبة الفاتيكان والمنجز منذ القرنين التاسع والعاشر الميلادي.ان معايشتي البحثية الدائمة لهذه الرسوم ولسنوات دراسية مديدة لا يمكن ان تخلو من التأثير. هناك استعارات بنائية مباشرة مثل نظام الهامش وهجرة الاشكال من الحيز الفرضي الداخلي الي الفراغ المطلق، ولكن الأهم من كل هذه الملاحظات هو الانخراط في افضلية اللون، ومقارباته مع المقامات الموسيقية، اي البحث عن اللون الصائت الذي يرفع الحدود بين البصيرة و السماعي وهو ما أشير اليه بالبعد الوجداني ـ الوجودي ـ الوجدي. يطول الحديث عن هذا الموضوع خاصة وانه يمثل مركز اختصاصي النظري. الا توجد محاذير من استغراق الفنان في الدراسات النظرية؟ خاصة الممارس للنقد المختص مثلك؟ الخطر الوحيد علي اللوحة هو نقص الموهبة والخبرة، وهذا لا ينطبق علي، فأنا اعيش وعائلتي من اللوحة منذ ما يقرب من نصف قرن، ومنذ ثلاثين عاما في مجتمع فرنسي لا تتطابق ذاكرته الثقافية معنا. انا اكسب معيشتي من بيع اللوحة (علي الاخص في اوروبا) وليس من كتاباتي البحثية (خاصة باللغة العربية). وقد تكون استقالة اغلب الفنانين العرب من الثقافة والفضولية المعرفية هي نقطة الضعف الاساسية التي جعلتهم مقصرين نصف قرن منذ عصر النهضة عن سياق التيارات الغربية، الفنان الاوروبي لا يخجل من الثقافة ويعتبرها جزءا من محترفه اليومي لذا لا يمكن ان نعثر علي فنان دون كتابة او فكر او حتي مكتبات تشكيلية فالفنانون هم الذين اسسوا للكتابة التشكيلية سواء الجمالية منها أو النقدية منذ سينياك وحتي قازاريللي مرورا بماتيس وبيكاسو وسواهم. هناك موهبة الاداء (فن الرسم والتلوين وسواهما) وموهبة الفكر، اغلب الفنانين يقتصرون علي الجانب الاول، لذلك تبدو اساليبهم غالبا صقلا واستعادة اجترارية للنماذج الغربية الجاهزة. انت نفسك تعترف بأكثر من مناسبة بتأثير الفنانين علي لوحتك؟ الا تقر مثلا بالتقارب مع فاتح المدرس؟ انا اعتبر فاتح المدرس (مثله مثل حامد ندا وصليبا الدويهي) يملك توازنا بين موهبة اليد والخيال والفكر. انا منحاز الي منهجه الذي يعتمد علي الصراع الدؤوب بين الخط والمساحة، ولكن الانحياز شيء والاستحواذ شيء آخر، انا لا اسمح لأي فنان مهما كان انحيازي له واعجابي به ان يدخل عالمي الابداعي دون ان اعيد الاستحواذ علي خصائصه وصهره حدسيا في عالمي الداخلي، العديد من الفنانين في الغرب منحازون الي بيكاسو ولم يصل اي واحد منهم الي القدرة علي الاستحواذ علي خصائصه كما فعل مثلا ساورا. الثقافة والمثاقفة قد تعطل عفوية وتلقائية الفنون الفطرية (مثل فاطمة حسن وباية محيي الدين وزغيب) ولكنها زاد الفنون النخبوية التواصلية. أحب ان اختم الحوار بسؤالين شخصيين، الاول عن سبب الالتباس حول تصنيف جنسيتك، انا نفسي لا اعرف هل انت لبناني ام سوري؟ ان التلاعب في هذا الموضوع كان بقصد الاقصاء والتطنيش لا اكثر، البعض يتمني ان اكون فرنسياً وانتهي بدافع الغيرة. الواقع انني ومنذ ولادتي في دمشق 1941 لبناني الجنسية، ومنذ ثلاثة عقود فرنسي من اصل لبناني وهكذا، واهلي اغلبهم يقطنون صيدا او المهجر، انتسابي الي المحترف التعبيري السوري يملك تاريخه فقد درست وعملت في الجامعة (كلية الفنون) عشر سنوات مثلي مثل عمر أنسي عندما كان في الاردن او جورجيت نخلة في الاسكندرية، وقد اعلن د. عفيفي البهنسي في ندوة دمشق الاخيرة التي اقيمت في غالوري مصطفي علي بمناسبة معرضي مع يازجي بان اللبناني اسعد عرابي يملك تأثيرا وتاريخا مديدا في الفن السوري، وهذا هو الاعتراف الأصح، فقد اخرجني سيزار نمور (رغم صداقتي العميقة معه) من جنة الفن اللبناني في كتابه الاخير باعتباري سورياً، ولم يذكرني مقصود في قاموسه عن الفن السوري لأني لبناني وهكذا. الثاني يرتبط بموضوع أشد حساسية وهو موضوع الاشاعة حول مرضك؟ لم يعد هذا الموضوع في حدود الاشاعة، فإصابتي بالسرطان، تجاوز تاريخ اكتشافها المتأخر العامين، لم تؤثر علي نشاطي الفني او الكتابي، وقد تكون انضجت تصويري اكثر فأنا احس بحمي الانتاج وقيمة الوقت وعبثية الزمن، عشت مثل هذه التجربة مع اصدقاء قريبين آخرها مع محمد القاسمي، حتي انه صورني في العديد من لوحاته الاخيرة. ذكرت في كتابي الذي صدر مؤخرا (حاليا يعاد تصحيحه) بأن اهم ما في تجربة الحياة واللوحة اننا لا نعرف وقت انقضائهما، ولا يمكننا ان نتوقع خصوصية اللحظة المعاشة في الاثنتين. لا شك في أن التصوير يدفع امثالي الي القبول بقدر العزلة والتوحد، فالانسان يولد لوحده ويموت لوحده ويصور لوحده.0