محمود قرني
القاهرة ـ “القدس العربي” ـ احتفالية سبعينية جديدة اقامتها لجنة الشعر بالمجلس الاعلي للثقافة للشاعر فاروق شوشة بعد احتفاليتين سبعينيتين أقيمتا قبل شهور قليلة لكل من الشاعرين احمد عبدالمعطي حجازي ومحمد عفيفي مطر.
كان يوما حافلا ومشحونا بدأ بافتتاحية رسمية نرجو ان تعفينا منها لجنة الشعر في احتفالياتها القادمة، ولتترك الاحتفال للشاعر وحده ولنقاده وجمهوره من القراء والحضور، فما أثقل هذه التقدمات التي تضج بالرسمية والمجاملات المجانية، وما أبغض حضور كبار المسؤولين لبعض المكرمين وتغيبهم عن عمد عن البعض الآخر، وكأن صورة الدولة الكابوسية برمزية حضور مسؤوليها وتغيبهم تحتاج الي كل هذا الثقل الذي يضيع معه جزء لا بأس به من كل احتفال.
افتتاح فاروق شوشة لم يعدم هذه الصورة المتناقضة التي حضر فيها عماد أبو غازي نيابة عن أمين عام المجلس الدكتور جابر عصفور، وغاب عنها مقرر الاحتفالية الشاعر محمد ابراهيم أبو سنة لسفره الي عمان للمشاركة في احد مهرجاناتها الشعرية.
تضمنت الاحتفالية ـ بالاضافة الي حفل الافتتاح جلسة نقدية مطولة قدمت فيها العديد من الأوراق النقدية للنقاد أحمد درويش وصلاح فضل وعبداللطيف عبدالحليم ومحمد عبدالمطلب ومحمد فتوح أحمد ووفاء ابراهيم، ويوسف نوفل.
أما الجلسات المسائية فقد تضمنت حديثا حميما ومطولا من فاروق شوشة الي جمهوره حول تجربته الشعرية وسيرته الذاتية وقدمه لجمهوره الشاعر السكندري فؤاد طمان.
ثم تبع ذلك أمسية شعرية قدمها الشاعر أحمد بخيت وقرأ فيها من أشعار فاروق شوشة كل من الشعراء أحمد عبدالمعطي حجازي وأحمد سويلم وحكمت الشربيني وحلمي سالم وسيد حجاب وعبدالمنعم عواد يوسف وفؤاد طمان وفولاذ عبدالله الأنور، وكمال نشأت ومحمد حماسة عبداللطيف، ومحمد محمد الشهاوي.
وقد كان لافتا هذا السجال الذي دار في الجلسة النقدية بين الشاعر احمد عبدالمعطي حجازي وبعض الحضور حيث نفي أن يكون صاحب موقف سلبي من قصيدة وقال انه لن يتعامل مع شعراء قصيدة النثر كما تعامل العقاد مع نصوصه واضاف انه سوف يشد علي يد كل الشعراء الذين يقدمون قصيدة نثر جيدة لكنه إذا ما تخير بين قصيدة تفعيلية جيدة وقصيدة نثر جيدة فسيختار الأولي، واضاف ان معيار الشعر بالنسبة له هو الجودة فقط. وسوف نحاول هنا تقديم جانب من بعض الأوراق التي شهدتها احتفالية فاروق شوشة.
قدم الشاعر احمد عبد المعطي حجازي ورقة مطولة تحت عنوان فحولة السبعين تحدث فيها عن القرابات الروحية التي جمعته وفاروق شوشة وبعض شعراء جيله وجعلت بينهما الكثير من التقارب. يقول حجازي: ثقافتنا واحدة في أصولها علي الاقل، واصدقاؤنا مشتركون وإن لم تمنعنا هذه القرابات الحميمة كلها من ان يكون هو كما كان، وأن أكون كما كنت. ويضيف حجازي: اظن ان فاروق شوشة اكثر تحفظا، إذن فالرجل الذي نعرفه بهذا الاسم يختلف الي حد ما عن الشاعر الذي نقرأ له، الرجل محتاط، متوازن عاقل، منضبط، والشاعر صريح، منفعل، طروب، مندفع. وربما كانت هذه المسافة التي نجدها عند كل شاعر، بين نشاطه كفنان ونشاطه كانسان هي التي اطلعت خطي فاروق رجل الاعلام، وأمسكت خطي رجل الشعر بعض الوقت، فلم يبدأ مسيرته فيه إلا في الستينيات، وكان مؤهلا لأن يبدأها قبل ذلك. ويردف حجازي:
ان فاروق شوشة الذي تأخر في البدايات يتقدم ويسبق في النهايات، وإذا كانت شياطيننا نحن قد بكرت في الحضور حين كانت أدواتنا لا تزال محدودة ساذجة، فها هو شيطان فاروق شوشة نشيط يقظ متحفز مستعد، يقف رهن اشارته، ويتبعه كظله بعد ان نضجت تجربته واكتملت أدواته.
أما الدكتور احمد درويش فقدم ورقة تحت عنوان حروف الفصل والوصول بين الحب والبكاء يقول فيها: يطالعنا هذا الفارس الجميل من فوق صهوات جياده السبعين، ينتقل بينها في فتوة وخفة ورشاقة ودربة علي فنون الفروسية، والعنوان الذي يحمله آخر دواوين فاروق شوشة أحبك حتي البكاء يحمل هذا الزخم الجميل، ويغري بالدخول الي دائرة يختلط فيها الممكن بالمستحيل ـ انه عنوان ـ كما يقول جينيت وهو يتحدث عن عتبات النص، يطرح شباك الغواية، ويجعل العنوان يحمل فعلا تنازعه طرفان، ثم ينتقل احمد درويش الي قصيدة المحبوبة ويراها من القصائد التي يمس سحرها خلايا الذين يصابون بعدوي الابداع فتتسع الأحداق لديهم اكثر مما ينبغي وتزداد رهافة السمع بأكثر مما يجتاح العصر البليد المستسلم. وتزداد طاقات الخلايا تفتحا وحركة فترتطم خلال دورانها الذي يعد فيضا طبيعيا لفورة الابداع، بكائنات تجهد لكي تعوق الفلك الدائر عن الدوران، وبأصوات المهرجين التي تشوش علي أصوات المبدعين، وتحاول اجهاضها. ويختتم احمد درويش ورقته بالقول:
ان التجربة الفريدة في ديوان أحبك حتي البكاء تكاد تبكي عصرا يتهاوي، وفنا يضمحل، وأحلاما تنزلق مسرعة الي هوة الاحباط، ولكنها في الوقت ذاته ما تزال أعنة بعضها في قبضة فرسان يملكون الحب، ويطلقون صرخة النذير والبكاء قبل ان تبتلع الهوة كل شيء.
اما الشاعر بهاء جاهين فقد قدم ورقة بعنوان رحلة سندبادية في بحور الشعر مع فاروق شوشة يبدأ جاهين بالإقرار بأن من الشعراء من يفوق حبهم للشعر حبهم لأنفسهم، وفاروق شوشة واحد من هؤلاء، فمن خلال مقالاته الأدبية التي ينشرها اسبوعيا في الاهرام، والتي صدرت في سلسلة مكتبة الاسرة في كتابين أولهما زمن للشعر والشعراء و الشعر اولا والشعر آخرا من خلال تلك المقالات يظهر فاروق شوشة محبا للشعر غيورا عليه، رافضا مقولة ان الرواية صارت ديوان العرب المحدثين، لا لأنه شاعر ولكنه من شدة عشقه للشعر وغيرته عليه، ومعظم المقالات عن شعراء مصريين وعرب معظمهم محدثون، وكثير منهم معاصرون له.
ويضيف جاهين ان فاروق شوشة يظهر ايضا من خلال هذه المقالات عالما بالشعر العربي قديمه وحديثه، مُلماً بتجلياته وتياراته المختلفة لا في المشرق العربي وحده بل في المغرب ايضا بدوله الثلاث، ومتذوقا للشعر العامي، علي دراية بأهم رموزه، ومدركا لامكانياته التعبيرية العالمية خصوصا لدي كبار شعرائه ممن يتميزون بثقافة غنية في تراث الفصحي، دون ان يجعله التحزب والتعصب يتحيز للنوع الأدبي الذي يمارسه وهو الشعـر الفصيح، فإذا تأملت هذه المقالات التي تغطي مناطق تعبيرية وتيارات مذهبية متنوعة للشـــعر العربي الحديث لوجدت فاروق شوشة ناقدا معتدلا ومتزنا لا يتســرع لرفض شاعر لمجرد انه يكتب الشعر العمودي التقليدي بدعوي انه مقلد أو آخر لأنه يكتب قصيدة النثر رغم ايمانه الشخصي بجوهرية الايقاع في فن الشعر، بل يزن الامور بميزان العقل والذوق السليم معاً، فنجد في أغاني فاروق شوشة اخبارا عن عبدالله البردوني تجاور اخبار أدونيس وسعيد عقل وبيرم التونسي وأمل دنقل وعبدالحميد الديب. أما الكاتب والناقد رجاء النقاش فقد قدم ورقة عبر كتاب الاحتفالية حملت اسم فاروق شوشة، يبدأ النقاش ورقته بالقول:
ان شوشة هو زهرة جيلنا الذي لم يختلف عليه أو معه احد، ويرجع ذلك الي اخلاص فاروق في العمل والانتاج الادبي والفكري والاعلامي مع ترفعه التام عن الخوض او التوسع في العلاقات الشخصية وهذا هو السبب نفسه في ان انجازات فاروق شوشة كثيرة من ناحية الكم، كما انها مرتفعة القيمة من ناحية الكيف والنوع، ويري ان التعدد والتنوع اللذين يملكهما شوشة لم يدفعاه الي التشتت ونجا من هذه المعادلة القاسية فهو متعدد المواهب وقد استطاع ان ينجح في كل الميادين، ويضيف أن أمسيات فاروق شوشة في التليفزيون هي دائرة معارف كاملة وبديعة لعصرنا الثقافي بكل قضاياه ومشاكله وشخصياته، أما برنامجه الشهير الذي بدأه منذ عام 1967 لغتنا الجميلة لا أظن ان هناك ما يفوقه في جماله وأصالته وبساطته، فهذا البرنامج هو القاموس العصري المحيط للجماهير العربية في كل مكان، ليس بما فيه من معلومات موضوعية فقط بل بما فيه من فن ايضا، ويمكننا ان نقول بلا تردد عن لغتنا الجميلة انه برنامج ادبي لغوي موسيقي، وعن طريق هذا البرنامج استطاع فاروق شوشة بصوته القوي الجميل الذي هو قطعة من صوت طه حسين أن يكشف لنا بصورة يومية عن العبقرية الموسيقية للغة العربية.
اما الناقد السيد ابراهيم فقدم دراسة عن طقوس الحركة في المسارات المدارية: بحث في تقنيات الكتابة الشعرية عند فاروق شوشة. يبدأ ابراهيم بالقول انه عبر حقبة زمنية تمتد نحوا من خمسين سنة، استطاع فاروق شوشة ان يرسخ معالم للكتابة الشعرية التي تمخض عنها عالم شعري خاص، ساطع كالنهار في وضوحه ـ عالم لا يتأتي لكائنات الشعر الليلية السكني فيه، له مذاقه الخاص، الذي لا يشتبه بشيء مما سجله تاريخ الشعر القديم أو الحديث، وإن كانا معا يجريان في عروقه ويمتدان في أنفاسه، تموج فيه الاضواء وتنحسر فيه العتمة، تنفتح مساحاته للتأويل وتعدد المعاني، ولكنها تتجافي عن التصنيع، ذلك لأنه يداهم المتلقي المشافه الحاضر الذي يصغي للخطاب الشعري المباغت فانطبع لذلك بطابع الشعر الشفوي الذي يتميز بخصائص ملحمية ظاهرة.
اما الدكتور عبداللطيف عبدالحليم فقدم ورقة بعنوان مدخل الي شعر فاروق شوشة، يحيل علي الثقافة الاصيلة لفاروق وتعمقه الحصيف في الشعر العربي في نماذجه العليا، ويري ان ذلك كله وراء كثير من شاعريته الباذخة، ويضيف قائلا: قليل من اصحاب الشعر الحر من يتورك علي مثل ثقافة شاعرنا، حفظا للشعر الفصيح، وفقها له، وتذوقا لروائعه، نكاد نعدهم علي اصابع اليد الواحدة، لأن اغلب الذين يكتبون الشعر الحر الآن بضاعتهم قليلة، ومحصولهم ضئيل، ووقوفهم علي الموسيقي التي لا غني عنها في الشعر.
تضمن الكتاب التذكاري الصادر ضمن الاحتفالية عن المجلس الاعلي للثقافة عددا من الدراسات الاخري لكمال نشأت، محمد عبدالمطلب، السيد فضل، فاطمة الصعيدي، محمد فتوح أحمد، محمود الربيعي، مصطفي ناصف، هبة العوضي، وفاء ابراهيم، يوسف نوفل، بالاضافة الي مختارات من شعر فاروق شوشة.