محمد عبدالحكم دياب
رغم العلم المسبق بنتائج المغامرة بالكتابة في الشأن السياسي السوري، حيث يستكثر علينا بعض المثقفين والسياسيين السوريين، ذوي الميول الانعزالية.. يستكثرون ان نبدي رأيا في شأن يعتبرونه خاصا بهم. في نفس الوقت الذي لا يمنعون اي من هب ودب من هذا الحق. ما دام غير عربي. فـ زمار الحي العربي لا يطربهم، وهم في دعاواهم يعتمدون قاعدة حق يراد بها باطل، وهي ان اهل مكة ادري بشعابها ونحمد الله اننا نحمل رخصة تعطينا حق اهل مكة تقول شروط حملها اننا ابناء وطن يمتد من المحيط الي الخليج، يحق لنا تناول مشاكله وهمومه. ومن الصعب ان يقف عربي متفرجا، بعد ان تابع وشاهد مراسيم واجراءات اعلان قيام جبهة الخلاص السورية في لندن منذ ايام، بشكل اعاد الي الاذهان سيناريو المعارضة العراقية، التي عادت الي بلدها علي ظهور دبابات الغزو وفي ركابه، وعملت وما زالت تعمل لحسابه، خاصة ان الطرفين الرئيسيين في تكوين هذه الجبهة ليست لدي اي منهما مناعة ضد الوباء العراقي، فعبد الحليم خدام، فر من النظام الذي بناه مع الرئيس الراحل حافظ الاسد، عندما تصور ان سفينته بدأت في الغرق، ومثله لا يمانع من الاقتداء بالسيناريو العراقي اذا ما توفرت له الحماية من ملاحقة النظام السوري، ولا يمانع من ان يكون رجل المرحلة القادمة، اذا ما تأكد من حماية الغرب له. والا كان قد شارك القوي السياسية المعارضة في الداخل معركتها وحول نفسه الي جزء من الحراك السياسي الذي تشهده سورية. وعلي صدر الدين البيانوني، مراقب عام الاخوان المسلمين، في سورية، يعي انه اقل حجما ووجودا علي الارض من جماعة الاخوان المصرية او الفلسطينية، وقد يري ان الغطاء الخارجي قد يساعده كطرف في معادلة التغيير المخطط لها غربيا وصهيونيا، ويهتدي بنموذج الاخوان المسلمين العراقيين، الذين كانوا بنفس الحجم والظروف، ورأوا ان تعاونهم مع قوات الغزو والاحتلال يتيح امامهم فرصة المشاركة، في العملية السياسية التي تدار بمعرفة واشراف سلطات الغزو والاحتلال، ليحصلوا علي نصيب وحصة في حكم البلد المحتل.
ظهور جبهة الخلاص يبعث علي القلق، ورغم صحة تحليلات تقول بأن غوص قوات الغزو في مستنقع العراق ووحله، يشغل الادارة الامريكية عن سورية، لكن لا يجب ان نسقط في وهم استبعاد التدخل الامريكي تماما، خاصة اذا ما استرجعنا الاسباب التي تحرك الادارة الامريكية صوب الوطن العربي والعالم الاسلامي، وفيها سوف نجد ان السبب الايديولوجي الديني هو اهمها، وغالبا ما تتراجع المصالح امام الهوس الديني، ويقدم اصحابه كل غال ونفيس، من مال ونفس وسلاح. فهذا ليس الا ضريبة واجبة الدفع لاعلاء كلمة الحق في مواجهة الشر وهذا تقول به وتدعو اليه المسيحية الصهيونية، التي يؤمن بها جورج دبليو بوش وتتوافق مع منطلقات اليهودية الصهيونية، التي يؤمن بها ملايين الامريكيين، بالاضافة الي ملايين اليهود الذين استوطنوا فلسطين، من هنا فتوجيه ضربة لسورية بناء علي هذا التحليل عمل غير مستبعد.
واذا اضفنا الي ذلك ان خطر حزب الله المتزايد، ودوره في تراجع سيناريو الثورة البرتقالية اللبنانية، كرهان وضعته الادارة الامريكية، وزكاه الاتحاد الاوروبي وتطلعت اليه الدولة الصهيونية وذلك لاستغلال لبنان وتحويله، الي قاعدة تلعب دورا مماثلا لدور الكويت حين فتحت اراضيها ومياهها وسماواتها لاسلحة ومعدات وطائرات وبوارج وعساكر الغزو.. ومن ناحية اخري يأتي قرب نشر تقرير برامرتس، حول اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الاسبق، رفيق الحريري، بما قد يوفر من ذرائع واغطية دولية (غربية وصهيونية وعربية واسلامية مصهينة) لعمل عسكري مضاد لسورية، بهدف تصفية الحلف المعادي لامريكا، والمشكل، بالاضافة الي سورية، من ايران وحزب الله ومنظمة حماس والمقاومة العراقية، واذا ما تلاشي الدور السوري او ضعف فان ذلك يكسر هذا الحلف ويفك الايدي الامريكية والصهيونية المغلولة في التعامل مع ايران ولبنان وفلسطين والعراق.
ومع ذلك فان سورية تعيش وضعين متناقضين، يقف احدهما في مواجهة الاخر، وكأن للسياسة السورية وجهين احدهما تحد الحدود السياسية والجغرافية، والثاني تراه خارج هذه الحدود علي المستويين الاقليمي والدولي، ففي الاول لا تملك سورية اوراق قوة بالمعني الحقيقي، عكس الثاني، ودون اوراق قوة لتغطية الوضع الداخلي فقد تذهب الاوراق الاقليمية والدولية ادراج الرياح، فالطبيعة الاستبدادية للسياسة الرسمية وانتشار الفساد الحكومي، والزواج غير الشرعي بين الاثنين بدا وكأنه الاستبداد والفساد اساس حكم الرئيس بشار الاسد. وهذا عطل الاستعداد الذي ابدته قوي وطنية لترشيد السياسة السورية، وكانت قابلة بأن يقوم الرئيس السوري نفسه بقيادة هذا الترشيد، لكن خاب املها باستمرار النهج الامني وسطوته وتسيده فوق المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، الجماعية والفردية، وهذا ابقي علي الفساد متحكما في مؤسسات الدولة وقراراتها ومفاصل الحزب وحركته، فرائحة الاثراء غير المشروع زكمت الانوف وتهريب الاموال الي الخارج استفز كافة القوي، وعواصم الغرب التي لجأ اليها كبار المسؤولين السابقين، في الحزب والدولة مع عائلاتهم، في عصر بشار فقط، اي منذ سنة 2000 وحتي الآن، صدمتها مشاهد سفه، غير مبرر، من هؤلاء في صالات القمار وعلب الليل والملايين التي تصرف فيها تكفي لسد كثير من احتياجات المواطن العادي، فضلا عن الفضائح والشائعات التي تنتشر نتيجة حرائق تشب في مؤسسات صناعية ومالية وخدمية، وكأنها تتم عن عمد للتغطية علي ما يجري فيها من فساد واختلاسات ونهب.
ويظهر نظام الحكم في سورية مهما حسنت نوايا بعض المحسوبين عليه والقائمين علي شؤونه، يظهر غير قادر علي استثمار اوراق القوة التي لديه، اقليميا ودوليا، في فتح ابواب الانفراج الداخلي، للتخفيف من الضغوط الواقعة عليه.. وامتصاص الاحتقان الداخلي لحاجته الي جبهة محصنة ضد المخاطر الخارجية.. ومن الممكن ان تنفرج الاوضاع من خلال اعادة صياغة البناء السياسي للدولة السورية علي اسس ديمقراطية سليمة، تقيم دولة القانون، وتنشر الحريات وتحترم حقوق الانسان وتؤمن بالتعددية الحزبية والتنوع الثقافي والسياسي والفكري، وتقوم علي مرتكزات وطنية وانسانية توفر الامان والعيش الكريم للوطن والمواطن، وبالقطع فان احتمالات الكسب اكثر من احتمالات الخسارة، وحتي اذا لم يتحقق المكسب بالدرجة المطلوبة فلن يكون الوضع الداخلي بأسوأ مما هو عليه حاليا، فالنظام السياسي السوري وصل الي مرحلة تفرض عليه، اما ان يستمر اسير التعامل الامني وراضخا لتحالف الاستبداد والفساد، بكل الاثر البالغ السوء علي بناء الدولة السورية ذاتها. مما قد يدفع الي فوضي تبحث عنها القوي المتربصة، وهي كثيرة. او يجرب نهجا يخفف من حدة الاحتقان ويفتح الابواب امام الانفراج والمصالحة علي قواعد وطنية وديمقراطية سليمة.
وعلي الرغم من كل المستجدات المفيدة للسياسة الرسمية السورية، الا ان اشكالية العلاقة اللبنانية ما زالت تحد من التأثير الايجابي لها، وتعقيدات هذه العلاقة ليست كلها بسبب القوي اللبنانية المناوئة، انما لعب فيها السلوك السوري نفسه مع اللبنانيين، لعب دورا سلبيا منذ دخول قوات الردع العربية الي لبنان 1976 والتطورات التي مرت بها حتي اختزلت في قوات سورية فقط، بعد انسحاب القوات العربية الاخري، فقام هذا السلوك علي التعامل الامني، وعلي الرغم من ان شعار الوحدة العربية هو الشعار الاول في ترتيب الشعارات الثلاثة التي ترتكز عليها ايديولوجية حزب البعث الحاكم، الا ان هذا الشعار لم ينزل الي حيز التطبيق الفعلي في العلاقة بين البلدين الشقيقين، ومع الفروق في التركيبة الطائفية للبنان، والبناء القبلي والعشائري في اليمن، الا ان نظام الرئيس علي عبد الله صالح بكل الملاحظات التي عليه والذي لم تكن الوحدة العربية من بين شعارات نظامه، كان تعامله مع اليمن الجنوبي مختلفا، وعندما لاحت فرصة توحيد الدولتين استثمرها واعاد اليمن بلدا واحدا موحدا، واصبح مثل مينا موحد القطرين في مصر القديمة. وهو يخطو خطوات حثيثة نحو الديمقراطية في مجتمع قبلي تقليدي، وهذا يحتاج التدقيق، والرد علي سؤال مفاده كيف تنجز الدولة القبلية ما تعجز عنه الدولة المركزية؟ ليس هذا فقط بل ان الامر انتهي بانسحاب ما كان احد يتمناه للقوات السورية، والتي جاءت نتيجة موقف النخب الحاكمة التي ادارت مصر مع بداية النفوذ الاجنبي، في القرن التاسع عشر وحتي منتصف القرن العشرين، وفيها استجابت للمنطق البريطاني وتعاملت مع السودان كجزء من املاك التاج المصري، الذي كان في حقيقته لا يملك من امر نفسه شيئا، وكان هو نفسه تابعا للتاج البريطاني وعندما جاءت الثورة في 1952 لتصحح هذا الوضع كانت الفرصة قد فاتت وما زالت الحساسية السودانية من مصر قائمة حتي الآن.
ومع ذلك نقول ان ما وقع قد وقع، ولا يطلب احد ارجاع عقارب الساعة الي الوراء. وعلي اي مسؤول يواجه الخطر ان يهييء المناخ للانفراج وامكانية هذا الانفراج متاحة، ولو ان بشار الاسد اقتنع بخطر الدولة البوليسية علي نظامه لاعاد النظر في مجمل سياساته. وامامه النموذج المصري في تجاوز الدولة البوليسية لكل القيم والاعراف السياسية والاخلاقية، وحتي القيم المهنية للامن الوطني ضاعت نتيجة صدمة الموت المفاجيء لحكم عائلة مبارك مما احدث فراغا في السلطة ملأته اجهزة الامن وجماعات البلطجة الفاشية، ولولا الصحوة الوطنية ونزول الناس الي الشارع مستعدين لتقديم التضحيات لتحللت الدولة الصمرية وذهبت ريحها، ولا نريد للنظام السوري ان ينتهي نهاية نـظام عائلة مبارك والبداية بأن يبعد عن نفسه شبح القلق من الدور المزدوج لبعض ما يطلق عليه، غربيا، منظمات المجتمع المدني فاذا كان بعضها نشأ لاضعاف دور الدولة فان وضعها في الاطار الصحيح يسمح بالانفراج، وذلك بتمكينها من الدفاع عن القضايا التي تنادي بها، كقضايا المواطنة وحقوق الانسان، وان تتولي الدولة تمويلها لكي لا تقع في اسر مخططات ليست لها، تفرضها الاطراف والجهات الممولة، مع استثمار استعداد السوريين للتغيير لاقامة جسور فعالة مع القوي ذات التأثير في الحراك القائم، وفتح قنوات التعبير والحوار معها، ومشاركتها في وضع مشروع تغيير وطني يقوم علي تجريب الخروج من عباءة الفساد والاستبداد والثقة في الشعب وفي حقه المشروع في الحرية والديمقراطية والمساواة، وهي حقوق يجب ان تترجم فورا الي اجراءات قبل فوات الاوان فالفرصة ما زالت سانحة.