د. محمد عجلاني
لكل دولة آلية ونمط واسلوب فضائحها السياسية، ففي سورية عندما يخرج السياسي من صلب الطبقة السياسية بالاقالة او الاستقالة يصبح مرتشياً فاسداً يلاحق قضائياً مثال (خدام والزعبي)، بينما عندما يكونون في الحكم لا يستطيع احد ان يمسهم بشعرة وخاصة اذا كانوا تحت سلطة المعلم الكبير.
في الدول الانكلوساكسونية الحياة الخاصة لدي ابناء الطبقة السياسية مهمة جداً، واي خلل في هذه الحياة ينعكس بشكل سلبي علي حياتهم العامة بينما في فرنسا نادرا ما نجد صحافيا يتناول الحياة الخاصة للسياسيين الفرنسيين.
لكن في فرنسا ايضا، يظهر مسلسل فضائح السياسيين وتصرفاتهم غير القانونية قبل سنة او اكثر من موعد الانتخابات الرئاسية.
فقبل عام او اشهر من تاريخ الانتخابات يتدفق امامنا مسلسل فضائح تطال رئاسة الدولة، وقبل ذلك لا نسمع عنها شيئاً، فقبل اشهر من انتهاء فترة حكم الرئيس الفرنسي السابق جيسكار ديستان سمعنا ان هذا الرئيس تلقي جواهر ثمينة من امبراطور افريقيا الوسطي بوكاسا، وانتحر وزير الاسكان بولان في حكومته بسبب تسجيل اراض عقارية باسم زوجته، وعلمنا ايضا ان الرئيس ديستان كان ينظر الي مواقع اسرائيلية متقدمة من الاردن، وبعد ذلك تم اثبات ان هذه الصورة غير صحيحة ومركبة من طرف الجاليات اليهودية لاسقاط ديستان ولصالح المرشح فرانسوا ميتران.
اما الرئيس ميتران فقد نال قسطا وافرا من هذه الفضائح وعلمنا امورا لم نكن نعلمها عنه عندما كان في الحكم، فقد علمنا قبل انتهاء فترته الرئاسية بانه كان علي علاقة قوية مع اعضاء نافذين في حكومة فيشي، توفييه (واشخاص اخرين)، وبأن له ابنة من امرأة اخري غير زوجته، وانتحر رئيس وزرائه بيير بيرغفوا في ظروف غامضة، وكذلك مستشاره وامينه المالي دوكروسوفر، وعلمنا ايضا ان صديقه المقرب باتريس بللا الذي منح قرضا ماليا لرئيس وزرائه المنتحر بيير بيرغفوا قد مات بسكتة قلبية مفاجئة.
اما الرئيس الفرنسي جاك شيراك اليوم وقبل انتهاء فترته الرئاسية فقد وافتنا الصحف بأخبار عديدة تتناوله وتتناول حتي رئيس وزرائه وهي الفضيحة المعروفة باسم كلير ستريم وهو اسم المصرف المالي في دولة لوكسمبورغ، وتتلخص هذه الفضيحة في ان رئيس وزرائه دوفيلبان وبايعاز من شيراك طلب من ضابط في اجهزة المخابرات الفرنسية الكشف عن حسابات مالية موضوعة في مصرف في لوكسمبورغ باسم خصمه سركوزي والمرشح الاكثر منافسة لدوفيلبان خلال الانتخابات الرئاسية القادمة، والغريب ان التحقيق لم يظهر اي نتائج ملموسة حول وجود حساب مالي مصرفي للوزير سركوزي في هذا المصرف.
والقصة كلها غير نظيفة من اولها الي اخرها، لان ما زال هناك ملابساتها الغامضة، وكيف تم تسريب الاخبار عن هذه التحقيقات، والتي هي ليست من مهمة اجهزة الامن الفرنسي، وانما هو تدخل في صلب صلاحيات السلطة القضائية.
فهل سيسكت سركوزي عن ذلك الامر، ام سيثيره في داخل المجالس القضائية والهيئات العليا كما قال في الوقت المناسب؟ علي كل حال الحياة السياسية في فرنسا عودتنا علي هذا المسلسل من الفضائح ولا ندري ماذا سنسمع عن شيراك بعد انتهاء ولايته الرئاسية، ربما سيكون متورطاً في قضايا مالية اخري، وله حسابات مالية في اليابان كما بدأ يشاع عنه، وله ارتباطات عاطفية هناك.
علي كل حال وضعية دوفيلبان من خلال هذه الفضيحة الاخيرة اصحبت ضعيفة، وفقد الشخص الكثير من مصداقيته ورد الاعتبار اليه لا يتم الا من خلال شفافية قضائية كاملة حول هذه الفضيحة الاخيرة، ويبدو وكأن هذه الامور الاخيرة تلعب كلها لصالح الخصم العنيد لشيراك ودوفيلبان اي وزير الداخلية الحالي نيكولا سركوزي الذي يشق طريقه نحو الرئاسة بقوة وصلابة ورباطة جأش وهدوء لم نعهدها بمرشح رئاسي سابق.
فهل سينجح ام سيتعثر بفضائح اخري ستظهر في اللحظة الاخيرة؟
ہ رئيس مركز دراسات الحياة السياسية السورية في باريس8