يتوجب وضع التمرد في حزب العمل ضمن الاطار النسبي الصحيح
المهلة الاضافية التي منحها رئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن لحماس ستنتهي اليوم. اذا لم تُعط مهلة اضافية ستضطر حماس الي اتخاذ قرار بقبول مطلب أبو مازن باجراء الاستفتاء حول وثيقة الأسري.
أبو مازن لا يملك أكثر من امكانية واحدة. هو لا يستطيع التراجع ولا يستطيع تغيير قراره. عليه أن ينهي النزاع الذي بدأه عندما تسلم وثيقة الأسري وتبناها بعد ذلك بساعة ونصف، ولم يكن لديه استعداد للتنازل حول مضمونها.
أبو مازن لم يسارع الي تبني الوثيقة من دون سبب: هو قام بذلك حتي ينتزع الادعاء الاسرائيلي ـ الذي كان صحيحا حتي تلك اللحظة ـ بأنه لا يوجد شريك فلسطيني للمفاوضات. الرئيس الفلسطيني يريد أن يقول: ها أنا موجود أمامكم. حصلت علي تفويض (استفتاء أو اجماع وطني) حول وثيقة ذات توجه ايجابي للشروط الثلاثة التي وضعتها الرباعية الدولية. الآن لم يعد بامكان اسرائيل أن تدعي أنني صوص منتوف الريش، إلا إن كان من قبل بعض الأطراف التي تخشي الدخول في المفاوضات، والتي تعتبر السياسة أحادية الجانب نوعا من الفرار من المواجهة الحقيقية.
لو كان شارون ما زال بيننا، لكان الاستفتاء الشعبي سببا في أرقه. شارون تبني خريطة الطريق لسبب واحد: هو لم يعتقد انها ستطبق لأن العرب لن يُلبوا الشرط الاول فيها، وهو تفكيك البني التحتية للارهاب.
إلا أن كل ذلك قد تغير الآن. اذا نجح أبو مازن في إجبار حماس علي اجراء الاستفتاء فسيحشر اسرائيل في زاوية غير مريحة بالمرة: ستكون هناك ضغوط هائلة علي اولمرت لاجراء المفاوضات مع الفلسطينيين من دون مطلب تفكيك حماس. رئيس الحكومة سيتعرض لمطالب عالمية تحثه علي الدخول في مسار خريطة الطريق من دون تطبيق البند الاول.
اذا كان أحد ما يعول علي بوش في هذه القضية فهو مخطئ: بوش سيدعم أبو مازن بحماسة جنونية. هو يعتبره حليفا عربيا مسلما، وهو لن يتنازل عنه. خلال لقائه مع اولمرت أكد له بصورة واضحة الحاجة للمحافظة علي أبو مازن. وفي واقع الأمر سيلقي أبو مازن التأييد من كل العالم اذا نجح في اخضاع حماس أو شقها أو اذا انتصر في الاستفتاء. هو سيصبح عزيز العالم الغربي، الرجل الشجاع الذي تصدي لحماس وأعاد تنظيم فتح وحقق اغلبية فلسطينية للتفاوض علي حدود حزيران (يونيو). وهذه مشكلة اسرائيل بالضبط: هي ليست جاهزة لهذه الامكانية. ليس لديها سيناريو لاجراء المفاوضات حول وثيقة بروحية المبادرة السعودية، والتفاوض مع زعيم فلسطيني لا يشطب حق العودة من جدول أعماله. ومن يُرتب أموره وفق فرضية واحدة (عدم وجود شريك) لا يكون جاهزا لوضعية التفاوض حول اخلاء كل المناطق وحول 3.5 مليون لاجئ مسجلين في القرار 194 الصادر عن الامم المتحدة كأصحاب حق هم وأحفادهم بالعودة الي اسرائيل.
بكلمات اخري: كل انجازاتنا التي حققناها في اقناع العالم ضد حماس وعزلها ستتحول الي ضربة مرتدة منذ اللحظة التي سينتصر فيها أبو مازن. لا غرابة اذا أنه يراهن علي كل الخزنة ـ علي مكانته في اوساط الفلسطينيين وفي مواجهة اسرائيل وامريكا والعالم أجمع. اذا نجحت مراهنته فستبدأ اسرائيل من نقطة منخفضة جدا. وثيقة الأسري التي تحولت الي برنامج أبو مازن السياسي، هي وسيلته لتحطيم عدم الاعتراف الفلسطيني التام بدولة اسرائيل. هذا لا يحدث من خلال الكلمات وانما كنتيجة محققة: أبو مازن يتطلع الي اقامة دولة فلسطينية حسب خطوط حزيران (يونيو)، إلا أنه يوصي بتركيز الكفاح الفلسطيني حول تلك التي لم تكن بيد اسرائيل حتي ذلك الحين. بذلك هو يفرض الاعتراف بدولة اسرائيل. ولنر بعد ذلك اذا كانت اسرائيل ستبدي معارضة للتفاوض.
حكومة اولمرت تتصرف بصورة ذكية حتي الآن. النزاع الذي نشب في هذا الاسبوع بين ديختر واولمرت ولفني يجسد ذلك. ديختر يدعي أن هذه ليست وثيقة أسري وانما وثيقة قتلة، وخلال ذلك اقترح تحويل بيت حانون الي مدينة أشباح. من الممكن فهم احباط رئيس الشاباك السابق الذي يضطر لتجربة مذاق صواريخ القسام وهي تنزل علي سدروت يوميا، ولكن التفهم لاحباط وزير الأمن الداخلي أقل من ذلك. وبالنسبة للوثيقة، فان اولمرت أوصي من حوله بعدم التركيز عليها. هو اعتبر ذلك قضية فلسطينية داخلية، ووجه الوزراء لعدم التعبير عن موقف والتريث لمعرفة ما سيحدث.
السؤال هو هل ينظر اولمرت وحكومته الي الأمام، وهل هم مستعدون للوضع الذي يتبلور فيه اجماع فلسطيني حول اجراء الاستفتاء وقرار البرلمان الفلسطيني بتبني وثيقة الأسري.
أو بكلمات اخري: هل سنُضبط في وضع نكون فيه غير جاهزين عندما تتحول هذه الوثيقة الي أساس للاجماع الوطني الفلسطيني والسياسة الداخلية والخارجية للشعب الفلسطيني؟.
من سمع أفيشاي برفرمان في هذا الاسبوع وهو يتحدث عن عمير بيرتس ـ وقد كان هناك كثيرون مثله ـ لم يُصدق ما يسمعه. ألفاظ مثل: مهيمن، مهووس بالأنانية، عرفنا أنه نابليون ولكن ليس الي هذا الحد، هي جزء من المعزوفة، هذا ناهيك عن التهجمات عليه من قبل رفاقه كوزير للدفاع.
ليس من اللطيف والمريح النظر الي قادة حزب العمل في هذه الايام. اشخاص ذوو مكانة مثل متان فلنائي وأيلون وبرفرمان وياتوم وأفيطال يقيمون بعد شهر واحد من تشكيل الحكومة جبهة تهدف الي اسقاط رئيس الحزب.
ادعاؤهم هو أنه معني بالانتخابات الداخلية، وأنه يريد الهيمنة علي الحزب. اذا كان ذلك صحيحا، وهو صحيح، فان بيرتس علي حق اذا: مؤسسات الحزب القائمة انتُخبت في عهد باراك وفؤاد وشالوم وسمحون. ليست لديه اغلبية في هذه المؤسسات، ستكون هناك منافسة علي رئاسة الحزب خلال 14 شهرا وفقا لدستور الحزب. هذه المجموعة تريد إجبار بيرتس علي خوض المنافسة ضمن المؤسسات القائمة التي مر أوان استبدالها منذ مدة طويلة. بيرتس قد يكون نابليون، إلا أنه ليس أحمق.
هم يدعون أنه ليس من المعقول أن يكون ايتان كابل وزيرا بلا حقيــبة وسكرتيرا للحزب في آن واحد، خصوصا أنه يعِد بالتنازل عن المنصب الثاني اذا أصبح وزيرا. هذا مطلب تحريضي من جهة لأن ظاهرة الجمع بين عدة مناصب كانت قائمة دائما، ورعنان كوهين هو مثال علي ذلك. وعموما، لا يوجد سبب يحول دون كون وزير بلا حقيبة سكرتيرا لحزب لديه الوقت والخدمات والوسائل الرسمية. من جهة اخري لا يوجد منطق لتبوؤ شخص واحد لمنصبين هامين في الوقت الذي تسود فيه ضائقة في المناصب في هذا الحزب. المشكلة لم تكن لتصبح بهذا الحجم لو انها لم تتحول الي نزاع حول القوة والمكانة الاعتبارية لبيرتس داخل الحزب، وإلا لنظر بيرتس الي مطلب الفصل بعين المنطق والتفهم.
يتوجب وضع التمرد في حزب العمل ضمن الاطار النسبي الصحيح. هذا تلميح أكثر من كونه تمردا، وربما أمكن القول إنه ليس هاما بصورة كبيرة. المتمردون يقولون لبيرتس اذا قررت الحكم من دوننا فأمامنا خيار الانفصال، وعليه يجدر بك أن تأخذنا في الحسبان، أو أنك ستكون رئيس حزب مع 13 ـ 14 عضو كنيست. حسن، فلنر قوتهم. وعموما من الأجدر أن يكون هناك قائد واحد متفق عليه عند الرغبة في اسقاط الرئيس وتقديم موعد الانتخابات وتغيير القيادة.
سيما كدمونمراسلة الشؤون الحزبية(هآرتس) 9/6/2006