حوار وطني فلسطيني أعلن عن فشله وهو لم يجر أصلاً

حجم الخط
0

حوار وطني فلسطيني أعلن عن فشله وهو لم يجر أصلاً

عبدالله الحورانيحوار وطني فلسطيني أعلن عن فشله وهو لم يجر أصلاًليس ترديداً لما تقوله حماس، ولا انطلاقاً من رؤيتها للحوار الوطني، أقول: إن الحوار الوطني الفلسطيني الذي أعلن عن انتهائه وفشله لم يجر أصلاً. ذلك أن الحوار الذي أعلن عنه تم أولاً، بين أطراف الاتجاه الواحد، وهم أطراف وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية، ولم يشارك فيه التيار الإسلامي الموجود خارج إطار منظمة التحرير، والممثل بحركتي حماس والجهاد الإسلامي، وهما أصحاب وجهة النظر الأخري التي يفترض أن يجري الحوار مع أصحابها حتي يحمل الحوار سمة الحوار الوطني الشامل.وثانيا: فإن الحوار الذي جري تم في مدينة رام الله فقط، وضم القيادات والشخصيات الموجودة في منطقة الضفة الغربية. وبذلك غابت عنه قيادتا حركتي حماس والجهاد الموجودتان في غزة، كما غابت عنه قيادات وشخصيات أخري تتواجد في قطاع غزة ولم تتمكن من الوصول إلي رام الله. وكان الأولي أن تعقد جلسات الحوار بين غزة والضفة لتكتمل مكونات الحوار الوطني ومقوماته. ثالثا: إن قطاع غزة هو عنوان المشاكل والخلافات والصراعات الحالية في الساحة الفلسطينية، وعقد الحوار علي أرض القطاع، كان سيعطي مزيداً من الجدية لهذا الحوار، ويفرض علي أصحابه التوصل إلي نتائج إيجابية للخروج من هذه الظروف الصعبة والمعقدة، كما يعطي قدراً من الاطمئنان والأمل للمواطن الفلسطيني للتخلص من المشاكل التي يتعرض لها يومياً. كذلك فإن لقاء الأطراف المختلفة علي طاولة الحوار في غزة، كان سيفرض علي هذه الأطراف وقف ممارسات الاقتتال التي تجري بين أعضائها وأجهزتها في ساحة غزة. وهذا في حد ذاته يشكل أولي إنجازات الحوار الوطني. ورابعا: فإن وجود الأخ أبو مازن، بوصفه رئيس منظمة التحرير ورئيس السلطة الوطنية ـ وليس بوصفه رئيسا لفتح ـ علي رأس الحوار الوطني يعتبر شرطا أساسياً من شروط الحوار ونجاحه، لأنه يوحي بجدية الحوار والحرص علي نجاحه. كما أن وجود الرئيس في غزة يعطيه فرصة المتابعة الدقيقة للمشاكل اليومية التي تعم القطاع، مما يوفر فرصة أكبر لوقف هذه التجاوزات أو التخفيف منها علي الأقل. وهو ما يشكل أرضية مناسبة للحوار، والتوصل إلي توافق وطني. ولهذا فإن الاستعجال في الإعلان عن انتهاء الحوار الوطني ـ الذي لم يجر أصلاً ـ وفشله، والانتقال للحديث عن الاستفتاء وبدء التحضيرات له، يثير تساؤلات حول مدي جدية نظرة هؤلاء المستعجلين، للحوار الوطني، كما يعطي انطباعاً بأن توجههم بالأساس لم يكن نحو الحوار، وإنما نحو الاستفتاء، خاصة وأن بعض هؤلاء بدا وكأنه يلعب دوراً قيادياً في الحوار، وينطق باسمه، وهو في الأصل لا يحظي بثقة الشعب الفلسطيني، نتيجة مواقفه السياسية المعروفة من قضية تعتبر جوهر الصراع الفلسطيني الصهيوني، وأهم ثوابت النضال الوطني الفلسطيني، وأهدافه. ومما يثير المزيد من التساؤلات حول موقف هؤلاء المستعجلين علي تجاوز الحوار، والقفز عنه، والذهاب فوراً إلي الاستفتاء، هو ادعاؤهم تبني وثيقة الأسري، والتذرع برفض حركة حماس لهذه الوثيقة. في الوقت الذي تتضمن فيه هذه الوثيقة بنوداً تتناقض تماماً مع مواقفهم السياسية. فمن بين ما نصت عليه وثيقة الأسري هناك تمسك بخيار المقاومة بمختلف الوسائل، وهو أمر تجاوزه هؤلاء وتخلوا عنه منذ زمن. كما نصت الوثيقة في أكثر من بند، علي التمسك بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلي ديارهم وممتلكاتهم الأصلية. وهو أمر لا يراه هؤلاء من بين الثوابت الأساسية للشعب الفلسطيني، وقد عبروا، في أكثر من مناسبة، وأكثر من وثيقة، عن استعدادهم للتنازل عنه، أو مقايضته بحقوق أخري. كما لم تتضمن هذه الوثيقة أي نص يشير إلي تبني خطة خارطة الطريق، أو أي ذكر لها. في الوقت الذي تعتبر فيه هذه الخطة هي الأسلوب الوحيد الذي تعتمده السياسة الرسمية الفلسطينية كطريق لحل الصراع مع العدو الإسرائيلي. إذن، من الواضح أن هدف أصحاب هذا الرأي لم يكن الوصول إلي توافق وطني، علي أساس هذه الثوابت، عبر الحوار الوطني، بقدر ما كان استغلال هذه الوثيقة التي تحظي أغلبية بنودها بإجماع وطني، كما يحظي أصحابها باحترام وتقدير شعبهم، مما يجعلها مؤهلة لتحقيق نجاح واسع فيما لو طرحت للاستفتاء. ولهذا فهم يستعجلون الاستفتاء ليزيحوا الطرف المعارض له من مواقع السلطة، ويستعيدوا مواقعهم التي فقدوها. ومن ثم ينتهي دور الوثيقة، ولا تعود مضامينها وثوابتها هي التي تحكم السياسات المستقبلية. وهذا، للأسف الشديد، يوجه ضربة قاتلة للوثيقة، ولنوايا أصحابها، ويحولها من أداة لتحقيق المصالحة الوطنية، والوحدة الوطنية، إلي أداة لتأجيج الصراع علي السلطة، وتغليب المصالح الذاتية والتنظيمية علي المصلحة الوطنية. وهو ما لم يكن في حسبان معديها، وإلا لما فكروا فيها من الأساس. وحين ترفض حركة حماس الاستفتاء، فإن السبب الذي يقف وراء ذلك هو الخشية من فقدان السلطة، رغم ما تورده من أسباب أخري، كعدم قانونية الاستفتاء، أو عدم أحقية الرئيس في إجرائه، أو كونه يستثني أهلنا في الخارج، أو أن ذلك من حق الحكومة وحدها…. إلي غير ذلك من الأسباب. وهنا أيضاً تبرز أهمية السلطة، والتمسك بها لدي حركة حماس. فهي بعد أن وصلت إلي السلطة لا تريد التفريط بها، خاصة في هذا الوقت المبكر، رغم الاعتقاد الذي أوحت به حماس خلال سنوات الانتفاضة والمقاومة بأنها لا تسعي إلي السلطة ـ حتي لو فازت في الانتخابات ـ وأنها لن تتخلي عن دورها وطبيعتها كحركة مقاومة. بل إن تفكير حماس بالسلطة لم يعد يقف عند حدود سلطة الحكم الذاتي في الضفة والقطاع فإن نجاحها في الانتخابات ـ مع معرفتها بأن نجاحها هذا لم يكن سببه فقط مكانتها الجماهيرية وبرنامجها السياسي وإنما هناك أسباب عديدة أدت لهذا النجاح ـ أغراها بأن تطمح لأن تكون هي الممثل للشعب الفلسطيني بديلاً لمنظمة التحرير، أو علي الأقل أن تكون، لها الأغلبية داخل المنظمة إذا ما انضمت لصفوفها. وهذا الطموح للسلطة هو ما دعا حركة حماس لرفض ما قدم لها من آراء صادقة ومخلصة، بالابتعاد عن تشكيل الحكومة حتي لا تتورط في مشاكل السلطة والتزاماتها المحلية والدولية، تلك النصائح التي قدمت لها من باب الحرص عليها وعلي مصداقيتها، والاحتفاظ بها وببرنامجها المقاوم، كرصيد وطني يقف في وجه أية شروط قد تفرض علي القيادة الفلسطينية، لكنها، للأسف الشديد، قبلت الانخراط في السلطة، رغم توقعها لما ستتعرض له من ضغوطات لإخضاعها ودفعها للتخلي عن خيار المقاومة. وهذا يعني أن السبب الرئيسي للخلاف القائم في الساحة الفلسطينية هو الصراع علي السلطة، وحرص كل طرف من طرفي، أو أطراف، الصراع، علي أن تكون السلطة بيديه وحده. وأن حديث كل طرف عن حكومة وحدة وطنية، أو شراكة سياسية هو حديث نظري أكثر من كونه عملياً، ما لم يتم التوصل إلي التوافق علي برنامج وطني موحد يقوم علي التمسك بالثوابت الوطنية، ويقدم الاعتبارات والمصالح الوطنية والشعبية علي أية مصالح تنظيمية أو ذاتية. وعلي هذا الأساس يجب أن يتم النظر إلي مسألة الحوار الوطني، والتعامل معه. وإذا كانت حماس تجد مبرراً لرفضها الاستفتاء، وتخوفها من نتائجه، فما الذي يدعوها إلي رفض وثيقة الأسري، والادعاء بأن أسراها لم يوافقوا عليها، بل ودفعهم لأن يصدروا إعلاناً برفض ما توافق عليه إخوانهم الأسري الآخرون، بمن فيهم أسري ينتمون لحركة حماس، ـ مما ينقل الخلافات ويصعدها بين أسرانا البواسل، ويزيد من همومهم ـ إذا كانت بنود هذه الوثيقة، بأغلبيتها الساحقة، تشكل أساساً متيناً لبرنامج الوحدة الوطنية.إن علي حماس أن تنظر لهذه الوثيقة نظرة إيجابية، وأن تتعامل معها علي هذا الأساس. وإذا كان لها من ملاحظات عليها، فإن في الوثيقة من الإيجابيات، ومن التمسك بالثوابت الوطنية ما يفوق بكثير أية سلبيات تراها فيها. وهذا يحتم علي حماس أن تخرج من دائرة اعتبار رأيها وحده هو الرأي الصحيح. وأن علي الآخرين أن يلتزموا بكل ما تقوله وتتبناه. فمثل هذه السياسة لا تقود إلي الوحدة الوطنية، والبرنامج الوطني الموحد. فأي برنامج للوحدة الوطنية يجب أن يضم القواسم المشتركة التي يلتقي عليها الجميع. وهذا يفرض علي كل طرف من أطراف الحوار أن يلتقي الآخر في منتصف الطريق، وألا ينتظره حتي يأتيه إلي مواقعه. طالما أن الثوابت الوطنية مضمونة. هذا إذا كان الجميع يعتمد مبدأ المصلحة الوطنية، وتغليبها علي أية مصلحة أخري، لا أن يكون هاجس السلطة وحده والتفرد بها هو الذي يحكم تصرفاته. فحماس اعتمدت فكرة الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع في حدود الرابع من حزيران. بغض النظر عن اعتمادها الفكرة كحل مرحلي أو مؤقت طويل الأجل. لكن النتيجة هي اقتراب من برنامج المنظمة أو تطابق معه. كما أقرت مبدأ المشاركة السياسية، ودخلت غمارها ـ بغض النظر أيضاً عن قولها إن مشاركتها لم تتم علي قواعد اتفاقية أوسلو ـ مع أن كل القوانين والأنظمة التي تحكم حياتنا السياسية، خاصة في مناطق السلطة، انبثقت عن اتفاقيات أوسلو، وتعمل تحت سقفها. كما أن حماس أقرت مبدأ المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي حين أعلنت تفويضها للرئيس أبو مازن للقيام بهذا الدور. أما قرارات الشرعية الدولية التي تري حماس أن اعترافنا بها يعني تنازلاً عن حقوقنا التاريخية وثوابتنا الوطنية، فإن هذه القرارات لا تشكل الأساس الذي نستند إليه في إثبات أحقيتنا بوطننا. فأحقيتنا التاريخية في وطننا هي أقدم من وجود الأمم المتحدة ذاتها، وليس من قراراتها فقط، وأقدم من وجود إسرائيل ذاتها، وكل شجرة في هذه الأرض، أو حجر، أو حفنة تراب تنطق بذلك، كما تنطق به عظام الآباء والأجداد التي ظلت في أعماق الأرض تحرسها حتي يعود إليها الأبناء والأحفاد، ولكن الإشارة للقرارات الدولية هي فقط من باب استخدامها في المحاججات الدولية، ولكسب التأييد العالمي لحركتنا وحقوقنا. أما قضية منظمة التحرير فمن حيث المبدأ هناك اتفاق لدي كل الأطراف علي دخول التيار الإسلامي ممثلاً بحركتيه، حماس والجهاد، لمنظمة التحرير، أما آلية هذا الدخول فهي وحدها التي تخضع للنقاش، وليس من الصعب التوصل إلي اتفاق حولها إذا ما تخلينا، مرة أخري، عن التفكير بالأغلبية أو التفرد. وإذا ما فهمنا نقاط الخلاف علي هذا الأساس، فلا يبقي أمامنا جميعا إلا القبول بوثيقة الأسري، والحوار فقط علي آليات تنفيذ بنودها ومضامينها. وفي هذه الحال تنتفي الحاجة للاستفتاء الذي يسعي إليه البعض من أجل استعادة السلطة، والتفرد بها مجدداً، كما يزول التخوف الذي يتملك حماس من إمكانية فقدانها للسلطة. وينفتح الطريق أمام وحدة وطنية حقيقية، وأمام حكومة وحدة وطنية تقوم علي مشاركة حقيقية للجميع. وينقطع الطريق من ناحية أخري علي كل الذين يراهنون علي فرقة شعبنا وقواه السياسية، وعلي استمرار الصراعات والخلافات الفلسطينية التي تقود إلي تدمير الجميع. وتتساقط مبررات الحصار التي يتذرع بها أعداء شعبنا وخصومه لإطالة أمد الحصار وفرض شروطهم. تري هل يستجيب الجميع لهذه المفاهيم، ويتصرفون علي أساسها أم أن إغراءات السلطة ستعميهم جميعا وتدفع بهم وبشعبهم وقضيته إلي الجحيم؟.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية