الخطأ والخطيئة بالشأن العراقي: تأملات في كارثة من صنع الساسة

حجم الخط
0

الخطأ والخطيئة بالشأن العراقي: تأملات في كارثة من صنع الساسة

د. عبدالوهاب الافنديالخطأ والخطيئة بالشأن العراقي: تأملات في كارثة من صنع الساسةالذي يتأمل الاحتفال الذي عم بعض العواصم الغربية في الأيام القليلة الماضية بمناسبة اغتيال الإرهابي الغامض أبو مصعب الزرقاوي يدرك علي الفور الحضيض الذي انحدر إليه الزعماء الذين تولوا كبر الحرب في العراق. فحين تقطع كل محطات التلفزة بثها وتقضي الساعات تلو الساعات في التعليق علي مقتل فرد واحد كما لو أنه خبر فتح مكة، فلا بد من وقفة للتأمل في ما آل إليه حال العالم. وحين يخرج زعماء أكبر دول العالم علي الملأ لكي يبشروا بنصر مبين يتمثل في مقتل من كان نكرة حتي قبل سنة أو سنتين، وقد بدأ حياته كمجرم صغير وانتهي كذلك، فإنهم يعلنون في نفس الوقت أن هذا النكرة هو ند لهم، وأنه كان المهدد الأكبر لسلطانهم ومشاريعهم. وإذا كان هذا هو الحال فلا شك أن التهديد لهذه المشاريع يأتي من طبيعتها ومن كونها مرفوضة لدرجة أن من يعارضها ترتفع مكانته مهما كان وضيعاً في السابق، وبمساهمة من هؤلاء الزعماء أنفسهم الذين ظلوا ينفخون في أسطورة الرجل لتبرير فشلهم وعمق أزمتهم.ويكفي أن نتابع الطريقة التي تعامي بها المحتفلون عن الطبيعة الإجرامية للعمل موضوع الاحتفال، ألا وهو اغتيال مجموعة من الأشخاص هم جميعاً في عرف القانون أبرياء حتي يثبت جرمهم، وبطريقة وحشية لا تقل بشاعة عما يتهم به الزرقاوي. ذلك أن قصف منزل من الجو بصورة تتعمد قتل جميع من فيه علي أساس الاشتباه وبدون التأكد بدقة من هوية الموجودين ـ أو حتي بعد التأكد من هويتهم ـ هو جريمة حرب بحسب الشرائع الدولية. وقد ثبت أن طفلة في حوالي العاشرة قد قتلت في هذا القصف ومعها أيضاً امرأتان. وقد سبق أن قصفت القوات الأمريكية قبل ذلك علي الأقل ثلاثة منازل بدعوي أن الزرقاوي كان بداخلها، وثبت في كل مرة أن أبرياء فقط قتلوا في ذلك القصف. ولم يكن هناك ما يضمن أن المعلومات التي حصلت عليها المخابرات الأمريكية صحيحة هذه المرة. وحتي لو كانت فإن الطريقة القانونية لقوات تتحمل مسؤولية الحفاظ علي القانون تنحصر في بذل الجهد لاعتقال المشتبه بهم. ولم يكن هناك ما يمنع القوات الأمريكية من محاصرة المنزل الذي كان المشتبه فيه بداخله واعتقاله.كون القيادة الأمريكية قد تنكبت هذا الطريق يمكن أن يفسر بأكثر من تفسير، كلها لا يشرف. فإما أن تكون هذه القوات جبنت عن مواجهة فرد واحد كانت تعلم أنه كان بصحبة مرافق واحد ونساء وأطفال، وكان بحسب المعلومات التي تبرعت بها في منزل معزول تسهل محاصرته. وإما أن تكون القيادة تستخف بأرواح العراقيين ولم يكن يهمها لو قتلت ألف بريء للظفر بمجرم واحد، بخلاف المبدأ القانوني المشهور الذي يفضل نجاة مائة مجرم علي إدانة بريء واحد. هذه التعليقات ليست هامشية كما يبدو، حتي مع تسليمنا بأن الزرقاوي يستحق القتل وأكثر وأن في قتله خيرا كثيرا للعراقيين والأمة الإسلامية. ذلك أن جريمة الزرقاوي لا تتمثل في محاربة المحتلين الأمريكان، وإنما في الأسلوب الذي اتبعه، وهو الإسراف في القتل واستهداف الأبرياء واللامبالاة والاستخفاف بدماء البشر. ذلك أن الحجة الأكبر ضد الإرهاب والإرهابيين هي تحديداً الأسلوب الذي يستخف بأرواح الأبرياء حتي وإن كانت القضية التي يدافع عنها هؤلاء مشروعة. فلا أحد يجادل في حق من احتلت بلاده من قبل قوات أجنبية غازية محاربة في أن يدافع عن حريته بأي وسيلة مشروعة، شرط أن يلتزم شرائع الحرب وقواعدها المتمثلة في تجنب تعمد استهداف الأبرياء وتجنب هتك الحرمات واستخدام الأساليب الوحشية.فإذا استخدم المقاتل الأساليب غير المشروعة فإنه يقدح في مشروعية حربه حتي وإن كانت أهدافها نبيلة ومشروعة. وتزيد فظاعة مثل هذه الانتهاكات إذا كان مجترح هذه الكبائر يقدم عليها بدعوي محاربة الإرهاب. فإذا استخدم صاحب هذه الدعوي أساليب إرهابية فإنه يشرع تلقائياً للإرهاب لأنه يسقط الحجة الوحيدة ضده، وهي لا مشروعية وسائله. بل إن حجة الإرهابيين تصبح أقوي بكثير، لأن من يرتكبون الأعمال التي توصف بالإرهابية يعترفون بفظاعتها ولكنهم يحتجون بأن هذه هي الوسائل الوحيدة المتاحة لهم أمام عدو شرس لم يترك لهم وسيلة لمقاومته إلا عبر الانتحار. ولكن مثل هذه الحجة غير متاحة لزعماء أقوي دولة في العالم، جيوشها تملأ البر والبحر، وترسانتها تفقأ عين الحسود، خاصة وأنهم لا يدافعون عن بلادهم وإنما يدافعون عن احتلال غير مشروع لبلاد الآخرين.هذه الملاحظات تكتسب أهمية متزايدة في ظل التسابق بين القيادات التي قادت الحرب للاعتراف بـ أخطاء ارتكبت في العراق (كما فعل الرئيس الأمريكي جورج بوش الأصغر ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير في واشنطن الشهر الماضي) أو حتي بـ آلاف الأخطاء (علي ذمة وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس قبل حوالي الشهرين). ذلك أن هذه الاعترافات لم تكن نتيجة صحوة ضمير ونية توبة عن الخطأ، بل هي لا تعدو كونها حملة علاقات عامة لإيهام المتشككين في الحرب ومنتقديها والجمهور عامة بأن هذه القيادات واعية بما يحدث. من هنا فإن هذه الاعترافات بالخطأ تتحول بدورها إلي خطيئة تضاف إلي الخطيئة الكبري التي هي في نظري (كما أوضحت في لقاء ضمنا مع بلير منذ فترة) لم تكن غزو العراق بل تحويل إسقاط طاغية مثل صدام حسين إلي كارثة علي العراق وأيضاً علي بريطانيا والولايات المتحدة.بوش وبلير لا يفتران عن تذكير العالم بأن الحرب علي العراق كانت ضرورية لمكافحة الإرهاب ومنع أسلحة الدمار الشامل من الوقوع في يد الإرهابيين، وبأن الإرهاب لا علاقة له بحرب العراق، لأن هجمات الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) سبقت غزو العراق. بلير تحديداً يبدو أنه، بعكس فرانسيس فوكوياما، يري أن الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) كان بداية التاريخ، وينسي أن بعض حجج الإرهابيين هي تلك التي زودتها بهم وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت التي قالت مرة علي الملأ وفي لقاء متلفز أن موت نصف مليون طفل عراقي ثمن يستحق دفعه لاحتواء نظام صدام حسين. فإذا كان قتل الأطفال الأبرياء بمئات الآلاف مبرر ومشروع من أجل هدف ثانوي من أهداف السياسة الخارجية، ألا يعتبر قتل عشرات المدنيين الإسرائيليين مبرراً لمحاربة الاحتلال وتنبيه العالم إلي مأساة الفلسطينيين؟ أولا تصبح فظاعات الزرقاوي حسنات في مقابل مثل هذه القسوة؟إن الوضع الإشكالي الذي تشهده المنطقة العربية حالياً له جذور عميقة، بما في ذلك القضية الفلسطينية، وهي جذور ذات صلة بالسياسات الاستعمارية لبريطانيا وباستمرار التدخل الغربي في المنطقة. وحتي لو تغاضينا عن هذا الماضي القريب البعيد، فإن التدخل الغربي بقيادة الولايات المتحدة في حرب الكويت عام 1990 هو السبب المباشر في الأزمة الحالية. ذلك أن هذا التدخل الذي تذرع بتحرير الكويت عمد إلي تصفية حسابات قديمة وتطبيق مشاريع مخطط لها سلفاً تمثلت في تعزيز الهيمنة علي منابع النفط في الخليج وفرض الاعتراف بإسرائيل علي العرب، وتصفية القضية الفلسطينية وإقامة قواعد عسكرية علي أرض الحرمين. وقد كانت هذه الخطوة هي التي دفعت بأسامة بن لادن ليتحول من حليف للأمريكان كما كان في أفغانستان إلي عدو مبين لهم. وقد كان يمكن لثورة بن لادن وشيعته من الأفغان العرب أن تظل ثورة معزولة لولا تفاقم الغارة المعولمة علي العالم الإسلامي، خاصة في العراق والبوسنه والشيشان وفلسطين. فقد أصبحت صور هذه المآسي المتلفزة تشكل بدورها غزواً يومياً علي وعي الشباب يضاف إلي ما يعانيه هؤلاء من قهر في بلادهم وإحباط بسبب عجز وتواطؤ الحكومـــات، مما جعلهم تربة خصبة للتجنيد في القاعدة ونظائرها.الخطيئة إذن لم تكن غزو العراق وإسقاط صدام، لأن هذا العمل يعتبر أهون الشرين إذا كان البديل عند بلير وبوش هو الإبادة الجماعية للعراقيين عبر حصار لانهاية له (وهو أيضاً ما قلته لبلير في اللقاء المذكور). الخطيئة هي التمسك بهذ العقلية التي تعتبر الحصار للعراقيين والفلسطينيين والإبادة الجماعية لهم، وهدم المنازل علي من فيها بالشبهة، وإقامة معسكرات الاعتقال مثل غوانتنامو وما يمثله كل هذا من استخفاف عنصري ـ طائفي بأرواح الأبرياء وحقوقهم، أمراً مبرراً ومشروعاً. إن أصحاب مثل هذه العقلية لا يستطيعون رجم الزرقاوي ولا من هو مثله بحجر لأن خطيئتهم أكبر بكثير، وهم مقيمون عليها وعلي تصويرها بأنها قمة الفضيلة، في حين أن مثل هذه الخطايا التي تحول أمثال الزرقاوي من محترفي القتل إلي أبطال، بالقياس طبعاً. وما لم يتم الاعتراف بخطأ هذا المنحي والإقلاع عنه فإن الأرض لن تنبت زرقاويين جدد، بل بالعكس، ستخرج مقاومين حقيقيين كما حدث في لبنان، يحرمون المحتلين من التذرع بظاهرة الزرقاوي التي خلقوها لما يرتكبونه من جرائم زرقاوية منكرة.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية