حازم جواد وذكريات عن الشهيد فؤاد الركابي ( 2 من 3):

حجم الخط
0

جلال طالباني كان هاربا ويعيش في خيمة عند الملا البرزاني فكيف سيحرر أسيرا مثل الركابي من السجن؟

قصة المواجهة مع علي السعدي في دمشق وترحيل فؤاد من مطار بغداد الي القاهرة.. وخطأي بعدم التدخل

حاوره: ابراهيم درويش هذه مقابلة مع السياسي العراقي حازم جواد عن الشهيد فؤاد الركابي (1931 ـ 1971)، احد مؤسسي حزب البعث، وفيها يضع السياسي الذي يرتبط بصلة قرابة مع فؤاد النقاط علي الحروف في عدد من المسائل التي تتعلق بعلاقة الشهيد فؤاد مع حزب البعث، وانفصاله عنه وعلاقته بعبد الناصر والمشهد السياسي العراقي منذ الخمسينات من القرن الماضي حتي اغتياله في السجن في عام 1971. كما يتعرض الي علاقته مع الرئيس العراقي الحالي جلال طالباني الذي ارتبط بصداقة مع الشهيد فؤاد. ويكشف الحوار معلومات جديدة غير مطروقة في كتابات الباحثين عن فؤاد، والايام الاخيرة في حياته، وموقف النظام من اغتياله وتشييع جثمانه. وقد بدأنا الحوار بتوجيه اسئلة عامة عن المشهد العراقي الحالي، واشكالية الطائفية التي انتشرت كالمرض داخل المجتمع وعلاقة حزب البعث بها، وان كانت صنيعة ام نتيجة من نتائج ممارساته. “القدس العربي” جلال طالباني وقصة تهريب الشهيد فؤاد ما هي علاقة جلال طالباني بالأستاذ فؤاد وهل صحيح انه حاول تهريبه من السجن؟ دعني اتحدث بصراحة عن علاقة الاستاذ جلال طالباني بالاستاذ فؤاد وبي شخصيا. كان جلال منذ منتصف الستينات لصيقا بالمرحوم فؤاد ويتخذ من بغداد مقرا له مع الاستاذ ابراهيم احمد، الرجل الاول في حزبهم والقادة الاكراد الاخرين المنشقين عن الملا مصطفي البرزاني. عندما كنا نلتقي تلك الايام مع رفاق آخرين يبدأ الاستاذ جلال المشهود له بحسن الدعابة بالقول والله يا جماعة لقد كنت كرديا من اب وام الي ان التقيت بفؤاد فعربني. فيرد الاستاذ فؤاد عليه يا جماعة، لا تصدقوا اقوال الاستاذ جلال لانه يريد ان يخفي انه استطاع ان يكردني.

كان جلال يتعاون وليس ذلك سرا في ذلك الحين مع الحكومات المتعاقبة ايام عبدالرحمن عارف. وبعد انقلاب 17 تموز (يوليو) اتخذ هذا التعاون منحي اخر واقوي من السابق بحيث نستطيع ان نقول انه شكل تحالفا قويا مع حزب البعث وقيادة السابع عشر من تموز (يوليو)، وعندما اعتقل الاستاذ الركابي بقيت جماعة طالباني مع البعث. لم اسمع علي قدر معلوماتي ان الاخ جلال تدخل او حاول التدخل لصالح الاستاذ فؤاد بعد اعتقاله وكان باستطاعته ان يفعل ذلك، وظلت الامور هكذا الي ان زارني الاستاذ جلال بصورة مفاجئة، فهو تربطني به علاقة منذ ايام العهد الملكي تعززت بمرور الايام. واذكر تلك الزيارة التي تمت في 9 اذار (مارس) 1970 وكان جلال علي عجلة من امره ومرتبكا وقال لي ان مكتبه السياسي يجتمع الان في احد البيوت ببغداد وينتظر منه نتيجة مقابلته معي ولما سألته ما هو المطلوب قال انه يريد امرين:

صحة ما يشاع الان ان هناك صفقة قد تمت بين النظام العراقي وقيادة البرزاني وان بيانا قريبا سيصدر لاعلان هذه الصفقة او الحل والامر الثاني ماذا سيكون الموقف من النظام تجاهنا وما هي نصيحتي لهم.

وقد سألته ألم يخبرهم صدام او احد من افراد القيادة بما كان يجري بين النظام وقيادة الملا، فاجاب بالنفي. ومعني ذلك ان الامر قد دبر بليل كما تقول العرب. اكدت له ان الصفقة قد تمت وان البيان علي وشك الاعلان في اي وقت هذا اليوم او الذي يليه، وفي تقديري ومعرفتي باساليب النظام، فجلال وجماعته سيكونون كبش الفداء واول ثمن يدفعه النظام لهذا الاتفاق الوشيك، فبدلا من ان يعتقلهم النظام ويسلمهم الي قيادة الملا فعليهم (وانا انصح بذلك) ان يغادروا فورا واكرر فورا ودون تأخير قبل ان يذاع البيان المشترك هذا اليوم او غدا، وان يلجأوا للملا بارادتهم وان كان ذلك صعبا عليهم وليس ضمن صفقة النظام وذلك افضل لهم ولسمعتهم ولمستقبلهم. نهض الاستاذ جلال من فوره وقبلني وقال ان هذا هو رأيه ايضا وسينقل رأيي حرفيا الي قادة حزبه المجتمعين وسيأخذون بنصيحتي فورا. وودعني وودعته وبعث لي بعد يوم او يومين الاستاذ عمر مصطفي دبابة ليخبرني ان الجميع قد رحلوا في نفس اليوم الذي قابلني فيه جلال وان الملا استضافهم قرب مقر قيادته ونصب لهم مخيما لهم ولعوائلهم. هكذا كان وضع وموقع الاستاذ جلال تلك الايام عندما كان فؤاد سجينا في بعقوبة فهل يستقيم الحديث عن محاولة لخطفه من سجن بعقوبة الذي هو قلعة بحد ذاته وتهريبه الي شمال العراق وهم كانوا شبه اسري عند الملا الذي حل محلهم في التحالف مع النظام؟ وكيف سيقومون بخطف المرحوم فؤاد وما هي ادواتهم لتنفيذ ذلك؟ ام انهم ارادوا خطفه عندما كانوا متحالفين مع نظام البكر ـ صدام؟ وهذا لا يستقيم ايضا، ولم يزعم او يدعي الاستاذ جلال او احدا من جماعته او حزبه انه كان ينوي القيام بما ذكر عنه.

فؤاد وحزب البعث الشهيد فؤاد علي الاقل من مؤسسي حزب البعث، ما هي قصته مع الحزب ولماذا خرج منه؟ لا احد ينكر خدمات فؤاد الركابي لحزب البعث وقد كرس شبابه ووقته لهذا الحزب ونشر افكاره ومواقفه وتوسيع قاعدته وكان يشرف ولو من بعيد علي كل صغيرة وكبيرة. وتجب الاشارة دونما تبجح الي ان المرحوم قد تفجرت قدراته السياسية عندما استقر وبشكل مبكر في بغداد 1950 وليس قبلها عندما كان في الناصرية وظل فؤاد الركابي، رجل الحزب الاول دون منازع ويتمتع باجماع قادة الصف الاول والثاني عليه، رغم صغر الحزب في تلك الايام، واثمرت جهود فؤاد بقيادة الحزب لمعركة اسقاط حلف بغداد وانتفاضة الشهرين عام 1956. وتوجت بمشاركة الحزب بثورة 14 تموز (يوليو) المجيدة وتمثيله للحزب في قيادتها الثورية وكان هو الوزير والقائد الاقرب للقيادة العسكرية الثورية لثورة 14 تموز (يوليو)، ثم حدث ما حدث من انقسامات داخل معسكر الثورة مع الاسف، وخاض فؤاد معركة جديدة لحماية عروبة العراق والتشبث بمبادئ وافكار ورجال ثورة 1958 واضطر للاختفاء خشية الاعتقال او السحل، ربما للمرة الاولي في حياته في تلك الايام السود الارهابية الخانقة التي كانت الحبال ترمي فيها علي اي قومي، عربي او بعثي بغض النظر عن انتمائه السياسي، وكان فؤاد المطلوب رقم واحد من نظام عبدالكريم قاسم والاوساط الشعوبية والعميلة المتواطئة معه، منذ حركة الشواف الي ان غادر العراق في تشرين الثاني (نوفمبر) 1959. وكما اشرت سابقا عن الخطط التي وضعها الركابي للاطاحة بقاسم التي نقلت الي العقيد الشهيد رفعت الحاج سري وماذا كان تعليقه عليها، فقدكان ايضا مرنا ومواكبا للظروف المتغيرة في تلك الشهور العاصفة من تاريخ الثورة، فجمدا اي عمل للاطاحة بقاسم بعد ان وجه الركلة الاولي لحلفائه في حزيران (يونيو) 1959. وانصرف الحزب بقيادته مرة ثانية للعمل السياسي الي ان نفذ قاسم مجزرة ام الطبول في 20/9/1959 والتي اعدم فيها قاسم نخبة من خيرة الضباط الاحرار وقادة 14 تموز (يوليو) علي نواياهم وليس علي افعالهم وبتهمة الاتصال بالجمهوية العربية المتحدة وجمال عبدالناصر. وكان من حيثيات هذه التهمة وجود خط هاتف سري يربط بين رفعت الحاج سري كمدير للاستخبارات العسكرية وبين الملحق العسكري المصري عبد المجيد فريد وهو الخط الذي امر بنصبه عبدالكريم قاسم نفسه. وحوسب قاسم علي تهمة الزور هذه عند مجيئه لدار الاذاعة يوم 9 شباط (فبراير) 1963 ولاذ بالصمت كعادته في ذلك اليوم.

بعد مذبحة ام الطبول اتخذ فؤاد والقيادة القرار بالعودة للاطاحة بهذا الحاكم الجلاد الدموي الذي جلب الكوارث والدماء علي الشعب العراقي وحول ثورة الرابع عشر من تموز (يوليو) المضيئة باهدافها والامال المعقودة عليها الي حكم همجي ديكتاتوري عسكري لا هدف له الا تمجيد زعامته الاوحدية الفارغة وادامة العداء المستحكم في باطنه ضد الجمهورية العربية المتحدة ورئيسها. وكانت محاولة الاغتيال اذا ما نجحت سيعقبها تحرك لقادة الجيش وغالبيتهم من الالالية (المخروعين) لاستلام السلطة الا انهم تراجعوا كالعادة عن تعهداتهم لان الزعيم الاوحد جرح بثلاث طلقات ولم يمت! فقد وجدوا العذر الجاهز للتنصل علما بأن فؤاد لم يعقد اجتماعا واحدا مع هؤلاء وانما كان يتصل بهم بواسطة وسطاء غير محترفين وهذا عيب اساسي في تلك الخطة وأحد اسباب فشلها، واستطيع في هذا المقام ان اوكد ان الاخ فؤاد لم تهتز مكانته في الحزب في تلك الايام بسبب فشل العملية وكنت حينها معه في بغداد وقد اختفي في دار اهلي حوالي اسبوعين ثم في الفلوجة لاسبوعين آخرين، وظل يتمتع بثقة الحزب وعلي علاقة جيدة بقادة الحزب السابقين في سورية بعد لجوئنا اليها وبالاخص الاستاذ ميشيل عفلق، وظل امينا قطريا للحزب وتم تعييني مسؤولا اول عن قيادة العراق بحضــوره وموافقته.

عودة فؤاد الركابي للعراق بعد 8 شباط (فبراير) 1963 وإبعاده مجددا متي عاد فؤاد الي العراق وما هي قصة ابعاده ولماذا لم تتدخل؟ انا سأنقل هنا ما جري موثقا: عندما قامت حركة 8 شباط (فبراير) 1963 وكان الهدف الرئيس الذي حدده الحزب والمعسكر القومي معه هو اقامة الوحدة او تجديدها بين مصر وسورية والعراق بأسس وقواعد جديدة، وقد بحث مبكرا في مجلس قيادة الثورة امر تعيين سفير عراقي للنظام الجديد ولو بشكل مؤقت في القاهرة فاقترح الرئيس المرحوم عبدالسلام عارف فورا ودون تردد اسم الرفيق فؤاد الركابي، فاعترض السيد طالب شبيب وزير الخارجية لا نقدا او انتقاصا من الاستاذ فؤاد وانما كانت وجهة نظره ان هناك امورا عالقة وشائكة تفاقمت في العامين او الثلاثة اعوام السابقة بين البعث خاصة في سورية والرئيس ناصر ويحتاج الحزب الي تصفيتها والخروج منها وعودة العلاقة مع عبدالناصر الي سابق عهدها، وهو لا يظن ان الاستاذ فؤاد قادر علي القيام بمثل هذه المهمة لانه انحاز مع الرئيس عبد الناصر في خلافه مع الحزب، وان مواصفات السفير في القاهرة هو ان يكون من الحزب او شخصية قومية محايدة فأيد الجميع صواب هذا المقترح، فرشح الاستاذ عبدالرحمن البزاز وهو شخصية قانونية وقومية معروفة، واظن ان الرئيس عبد السلام كان وراء هذا الترشيح لعلاقته واعجابه بالمرحوم عبدالرحمن البزاز. الاستاذ فؤاد الركابي، وللأسف الشديد لم يبعث ببرقية تهنئة الي قيادة ثورة 14 رمضان للتهنئة علي الاقل، وجميع من قام بها كانوا رفاقا وزملاء له ابتداء من الرئيس عبدالسلام عارف وحازم وعماش والسعدي وهذه نقطة تسجل عليه في تلك الايام واذكرها الان وغيرها من النقاط السلبية من باب النقد الذاتي الذي تعلمنا ممارسته داخل الحزب والشهيد فؤاد كان في قمة القيادة. في احد الايام وكنت في الخارجية زارني الاستاذ القومي شكري صالح زكي وزير التجارة في حكومة 8 شباط (فبراير) وهو صديق شخصي وسياسي للاستاذ فؤاد، لأمور تتعلق بوزارته ثم طرح علي ان المرحوم فؤاد بعث رسالة خطية له يعبر فيها عن رغبته في العودة الي العراق وسألني الاستاذ شكري ان كان هنالك ما يمنع من تحقيق هذه الرغبة، فنفيت علي الاطلاق وجود ما يمنع من قدوم الاخ فؤاد وان له حق القدوم لبغداد قبل غيره لان النظام السابق حكم عليه بالاعدام وهو قاد محاولات للاطاحة به، فانبسطت اسارير الاستاذ شكري لهذا الجواب وسألني عندهاـ هل هناك من مانع ان يكون في استقبال الاستاذ فؤاد في مطار بغداد، واجبته علي الفور انه ربما سيجدني هناك ايضا في استقبال الاخ فؤاد. وقد ارتاح لهذه الاجوبة وافترض انه نقلها للاخ فؤاد. كان الجو السياسي في سورية متوترا تلك الايام بعد ان قامت حركة الثامن من اذار (مارس) وكانت المظاهرات تطوف في الشوارع ليلا ونهارا تطالب باعادة الوحدة فورا بين سورية ومصر. وكانت قيادة 8 آذار (مارس) اشبه بالقيادة المحاصرة والمحاطة بهذا الجو الذي تعتبره معاديا او استفزاريا علي الاقل ولا سند لها الا ضباط اللجنة العسكرية في القطعات والحزب في العراق.

في ظل تلك الحرب (الساخنة) بين النظام الجديد في سورية واجهزة الرئيس عبدالناصر التي كانت تفضل والرئيس معها عودة الوحدة الثنائية قبل انضمام العراق، قامت الاجهزة العربية بدفع وزراء الوحدة السوريين الذين بقوا في القاهرة بعد الانفصال للعودة الي دمشق دون موافقة القيادة السورية كنوع من التحدي ولصب الزيت علي النار في الموقف الملتهب آنذاك وللضغط علي قادة النظام الجديد او ربما لكشف نوايا القادة الجدد في سورية.

فتم اعتقال العائدين في المطار وتسفيرهم في نفس اليوم او اليوم التالي الي القاهرة من حيث اتوا، وعلت صرخات بعض اقطاب النظام السوري الجديد اننا اردنا الوحدة مع عبدالناصر فبعث لنا باخطائها.

في هذه الظروف المعقدة والانفعالية وصل الاستاذ فؤاد الي دمشق ايضا مما اعطي انطباعا انه ساهم في هذه المظاهرة او المناورة المقصودة. وتصادف وجود الاخ علي صالح السعدي آنذاك في دمشق ايضا الذي تواجه مع فؤاد والمعروف عن الرفيق علي اندفاعه وتهوره فدخل في صدام كلامي مع الاستاذ فؤاد وتحداه ان يعود الي بغداد، وبالمقابل تحدي الاستاذ فؤاد السيد السعدي بانه سيعود الي العراق كحق له ورغم انفه. كنت في احدي الليالي مع المرحوم طالب شبيب في فندق الامبسادور ببغداد ننتظر مقابلة الاستاذ ميشيل عفلق الذي كان يستضيف عددا من السياسيين العراقيين في تلك الليلة عندما حضر المقدم محمود الحلو مدير امن بغداد، وهو بعثي واخبرني ان الاستاذ فؤاد الركابي قد وصل الي مطار بغداد وانه اتصل بالاستاذ علي السعدي الذي كان حينها وزيرا للداخلية فامر باعادته الي القاهرة علي نفس الطائرة. كنت امام امرين، اما اصدار امر بالسماح للاخ فؤاد بالعودة الي داره وهو حق له وواجب علينا، ويعني ذلك كسر او تحدي اوامر وزير الداخلية والدخول في صدام مبكر لا داعي له معه، او استحصال موافقة من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وبقية القادة المدنيين والعسكريين. فاشار علي الاستاذ طالب الشبيب عدم القيام بأي منهما وترك الموضوع للمستقبل فهو سيحل نفسه بنفسه بعد اعلان الوحدة الثلاثية، واعترف الان انني ارتكبت خطأ كبيرا بذلك القرار اللاقرار وكنت اخشي ان يفسر تدخلي بانه نوع من المحاباة للاستاذ فؤاد بسبب القرابة والمحبة بيني وبينه علي حساب مواقف الحزب وسياساته. وعلي اي حال فكل ما جري بين فؤاد والاستاذ السعدي في دمشق او مطار بغداد كان موقفا فرديا لا علاقة لقيادة الحزب والنطام به علي الاطلاق وسمعنا به بعد حدوثه وبعد عودة السعدي الي العراق عام 1967 عاد فورا الي علاقته القديمة الودية مع المرحوم فؤاد وكان زائرا معتادا له في مقر عمله في بغداد الذي كان يشرف علي اعمال البناء فيه كمهندس مقيم.

ولم اسمع ما نقل او ما ذكر من ان السيد السعدي ومنذر الونداوي الضابط البعثي المعروف ذهبا الي مطار بغداد لتهديد فؤاد والمسدسات مصوبة علي رأسه وانه صعد الي الطائرة وشتائم المتواجدين تلاحقه. فلا يجرؤ أي شخص، كائنا من كان، علي القيام بمثل هذا العمل في تلك الايام المبكرة من حكم 8 شباط (فبراير) خاصة ان السيد الونداوي تربطه صداقة وعمل ومحبة مع المرحوم فؤاد وهو الذي قام باخراجه وكنت معه من بغداد في شهر تشرين الاول (اكتوبر) 1959 بعد فشل محاولة اغتيال قاسم. كيف كانت علاقتك بفؤاد بعد انفصاله عن البعث؟ للحقيقة الاستاذ فؤاد لم يدخل لا في معركة ولا حتي في نقاش بعد وصوله الي سورية علي العكس كان يلتقي بقادة البعث السابقين السوريين واجري حوارا معهم عن العلاقة بين البعث وناصر. وقد تفاجأ الاستاذ فؤاد، كما فوجئت وكنت متواجدا معه في القاهرة في كانون الاول (ديسمبر) 1959 كما فوجئ البعثيون العراقيون واللبنانيون والاردنيون باستقالة وزراء البعث السابقين، وكانت صدمة حتي للاوساط القومية العربية واعتبرت بمثابة نكسة وهي بالفعل كانت نكسة عند حساب ما حدث بعدها من تراجع للحركة القومية العربية في المشرق العربي ولا اظن ان لفؤاد دخلا في ذلك، بل اذكر وللتاريخ انه قال لي تعليقا علي الاستقالة ربما تكون الاستقالة بداية لطي صفحة كان طابعها الحماس والعجلة وعدم فهم نظام عبدالناصر وفتح صفحة جديدة معه تقوم علي اساس الفهم والمنهج المشتركين دون الاستعجال والركض كما حدث قبل عام اثناء قيام الوحدة السورية ـ المصرية.

وقد زار الاستاذ ميشيل عفلق القاهرة قبيل الاستقالة وحل في فندق الكوزبوليتين واذكر ان الاخ فؤاد انتقد المرحوم عفلق علي اختياره هذا الفندق ومعني اسمه العالمي المناقض لـ القومي واظن ان ميشيل لم يقصد شيئا من ذلك. لكن هناك نقطة كبري تسجل علي الذين استقالوا وعلي امين عام الحزب وهي انهم كما فعلوا عام 1958 عندما حلوا حزب البعث في سورية دون استشارة اي قيادة قطرية في اي قطر عربي ودون دعوة مؤتمر او مجلس قومي لاهل الحل والعقد في الحزب فانهم انتهجوا نفس السلوك الانفرادي والقطري مرة اخري فاستقالوا من الوحدة دون ان يكلفوا انفسهم عناء استشارة ولو بعثي واحد من خارج سورية، وهذا يثبت مع الاسف الشديد اقليمية وقطرية الاخوة السوريين في تعاملهم مع فروع الحزب الاخري، كما لم يراعوا محاكمة اكثر من 70 مناضلا بعثيا امام محكمة المهداوي اثناء استقالتهم وكانوا يعذبون ليلا ونهارا وسط هتافات وشتائم المهداوي وجوقة المحكمة بسقوط القومية العربية و المتحدة وجمال ـ عفلق ـ الحوراني. بل انهم علي العكس ربما استغلوا تلك المحاكمات لمحاولة تجنب التشهير بهم ومهاجمتهم من قبل اجهزة الاعلام في المتحدة وصحف لبنان علي الاقل، كذلك غضب الرئيس عبدالناصر عليهم، ورغم وجود 10 قادة من العراق، علي الاقل من الصف الاول وعشرات من الصف الثاني فلم يتحمل احد منهم مشقة اخبارنا بهذه القنبلة التي يبدو انها كانت موقوتة لتفجيرها في وجه عبدالناصر الذي كان يستضيفهم في بورسعيد احتفالا بعيد النصر، وكان غافلا عما يبيتون له رغم ما كانوا يشيعونه عن دولة المباحث والمخابرات والمراقبة لكل شاردة او واردة!

استمر فؤاد باقامته في القاهرة الا ان العلاقات بدأت تتدهور بين الرئيس عبد الناصر والبعث السوري السابق، والي حد ما مع البعث القومي وتطورت العلاقة نحو الاسوأ بمرور الايام. في عام 1961 حيث بدأت بذور الانقسام او التكتلات بالاحري في العراق وفي لبنان وداخل سورية نفسها تحتج علي سلوك بعض القادة السابقين. كان هناك خطان داخل الحزب:

الاول: الموقف المتمسك باستقلالية الحزب والثاني: الذي ينتهي بتبعية الحزب للجمهورية المتحدة والرئيس عبدالناصر. وكان علي القيادات البعثية والقومية التمييز بين هذين الخطين المتداخلين لكي لا تتحول الاستقلالية الي شكل من اشكال القطرية والعداء للرئيس عبد الناصر. كما كان علي الخط الثاني العمل والوعي ان لا تتحول المحبة والتحالف مع عبد الناصر الي نوع من العمالة او الاستزلام للرئيس ناصر واجهزة الجمهورية العربية المتحدة. يبدو ان ضغوطا قد مورست علي فؤاد في تلك الظروف لكي يساهم بالحملة ضد البعث السوري السابق ومحاولة شق الحزب ان امكن وفي العراق خاصة. ان البعض يري في موقف فؤاد هذا او يضع اللوم فيه علي عاتق الرئيس جمال عبد الناصر كما اخبرني احدهم في لندن مؤخرا لكنني اشك في ذلك، فهي من باب القاء الملامة علي الاخرين فالاحري كان علي فؤاد ان يشير علي الرئيس فيما يتعلق بالحزب وليس العكس.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية