فلسطين: حتي يكون الاستفتاء في مصلحة الشعب والقضية

حجم الخط
0

فلسطين: حتي يكون الاستفتاء في مصلحة الشعب والقضية

أسامة أبو ارشيدفلسطين: حتي يكون الاستفتاء في مصلحة الشعب والقضية تَحَمُسُ رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لوثيقة الأسري، تحمس واه. فلا كل الوثيقة يؤيد مواقفه التي ما فتئ ينظر لها وخصوصا فيما يتعلق ببند المقاومة المسلحة، التي يقف ضدها علي طول الخط، في حين تدعو الوثيقة الي حصرها في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، ولا هو مشهور باحترام ارادة الشعب، ولا أدل علي ذلك من أنه الأب الايديولوجي لاتفاقات أوسلو والتي مررت بليل من وراء ظهور الشعب، وحتي من وراء منظمة التحرير، التي تذكر أبو مازن فجأة أنها موجودة ليضعف بها حكومة حماس المنتخبة. علي الجانب الآخر، معارضة حماس لعرض هذه الوثيقة علي الاستفتاء الشعبي، ليس بالضرورة مقنعا بالكلية، صحيح أن اعتراضات الحركة فيها بعض المنطقية كما يتعلق ببندي الاعتراف بمنظمة التحرير كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني بشكلها الحالي، وقبل اعادة تشكيلها كما اتفق علي ذلك في اتفاقات القاهرة في آذار (مارس) 2005 علي أساس موازين القوي الجديدة علي الأرض، واعتماد قرارات الشرعية الدولية كأساس للحل السياسي، التي لا تعترف بها اسرائيل أصلا، ولكن معارضة الاستفتاء كآلية بذاتها أمر يصعب هضمه، خاصة وأن هذا الاستفتاء لو تم، قد يخرج حماس من ورطة فعلية جراء الحصار الداخلي والخارجي علي حكومتها وشعبها، دون أن ترغم هي علي تقديم تنازلات جوهرية في فكرها. هذا توصيف عام، ولكن في التفاصيل ثمة أمور أخري. وأول الأمور التي ينبغي الاشارة اليها هنا أن غيرة عباس ومن حوله ليست في محلها، وادعاء قدسية ورمزية الأسري التي يتمنطقون بها الآن مردود عليها، خصوصا وأن اتفاقات أوسلو والتي علي أساسها ولدت السلطة الفلسطينية، أهملت قضية الجلَّ الغالب منهم، لصالح بضع مئات من المحسوبين علي تيار أوسلو داخل فتح، فضلا عن أن السلطة برئاسة فتح في مرحلة ما قبل انتخابات 2006 نفسها متورطة في ملف الأسري، والا فمن الذي سلم خلية صوريف للاحتلال الصهيوني عام 1996؟ ومن الذي سلم اللواء فؤاد الشوبكي مستشار الرئيس الراحل ياسر عرفات وأمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أحمد سعادات للاعتقال تحت اشراف دولي في أريحا قبل أن تحول الدولة العبرية ملف أسرهم الي سجونها قبل شهور!؟ أيضا، عباس يعارض أي شكل من أشكال المقاومة المسلحة، سواء في الأراضي المحتلة عام 1948، أم حتي تلك المحتلة عام 1967، في حين أن وثيقة الأسري تدعو الي حصر المقاومة في الضفة الغربية وقطاع غزة، أي أنها تخالف رؤية عباس كليا، وبالتالي فان تبني عباس لها، ليس أمرا عن قناعة وانما وراء الأكمة ما وراءها. ولكن ما هو الهدف الحقيقي لتبني عباس للوثيقة؟ ثمة هدف معلن مدعي، وآخر خفي. الهدف المعلن والمزعوم، هو انقاذ الشعب الفلسطيني من الحصار الخانق الذي يعيشه منذ انتخابه لحركة حماس وتسلمها الحكم نظريا ، وذلك بذريعة أن حماس ترفض التجاوب مع المطالب والشرعيتين العربية والدولية. أما الهدف الخفي فهو نقض انتصار حماس الانتخابي، عبر توظيف الأمعاء الخاوية ضدها. عمليا يقدر عباس علي اسقاط حكومة حماس، ولكنه عاجز عن حل المجلس التشريعي المسيطر عليه من قبل حماس، بمعني أن اسقاط الحكومة سيولد فراغا سلطويا، قد تكون تداعياته كارثية، من طراز حرب أهلية. وبالتالي فليس أذكي من طرح وثيقة الأسري التي وقعها رموز من أسري حركات فتح وحماس والجهاد والشعبية والديمقراطية علي الشعب الفلسطيني. وهنا يكسب عباس في حالتين، الأولي ان أيد الشعب هذه الوثيقة واستمرت حماس علي رفضها، فحينها يمكنه الدعوة الي انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة، والثانية ان وافقت حماس علي نتيجة الاستفتاء وروحيته وأصبحت جزءا من صيرورته، وتخلت بذلك عمليا عن ايديولوجيتها، فعندها يصبح الانشقاق في صفوف حماس مسألة وقت، هذا ان لم يقع مباشرة. طبعا الخطورة هنا أن يخسر عباس الاستفتاء، وهو الأمر غير المتوقع، حيث سيصوت الناس وهم جوعي ومفلسون، ولكنه ان خسر فان ذلك قد يعني استقالته من رئاسة السلطة، وحدوث انتخابات رئاسية جديدة قد تخسرها فتح، وهنا تصبح مخاوف اندلاع حرب أهلية مرجحة أكثر، لأن فتح وقتها لن تقبل بأن ينتهي دورها هنا، في ظل سيطرتها المطلقة علي الأجهزة الأمنية، والدعم الاسرائيلي والأمريكي والعربي المؤثر لها. وحتي وان ربح عباس الاستفتاء ودعا لانتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة ـ مرة أخري علي أساس أنه لا يملك حق حل التشريعي ـ فانه قد يخسر هذه الانتخابات ثانية، خصوصا وأن استطلاعات للرأي تقول بأن شعبية حماس زادت في مرحلة الحصار، في حين تراجعت شعبية فتح، في مقابل استطلاعات أخري تقول بالعكس، أي أن الصورة مبهمة وضبابية، وخسارة فتح لانتخابات أخري ستعني حربا أهلية سيشعلها متنفذو فتح الذين يخشون ضياع امتيازاتهم.علي جانب حماس، تبدو مشكلة هذه الأخيرة أكثر تعقيدا. فأحد رموزها في الحركة الأسيرة، الشيخ عبد الخالق النتشة، مهر الوثيقة بتوقيعه. صحيح أن الحركة الأسيرة في صفوف حماس نفت أن الوثيقة تمثلها، واعتراضها محق علي أنها صدرت من سجن واحد هو سجن هداريم ، الا أن الضرر عمليا قد وقع علي الحركة، وليس من السهولة علي حماس أن تنسل من توقيع واحد من رموزها، حتي ولو سعي لتوضيح موقفه كي يخفف من الاحراج الذي جلبه علي حركته. وفعليا فقد فعل النتشة ذلك، الا أن بيانه التوضيحي الذي أصدره بالاشتراك مع الشيخ بسام السعدي ممثل الجهاد الاسلامي، لم يذهب الي حد شجب الوثيقة وانكارها، وانما الي شجب توظيفها كورقة ابتزاز من قبل البعض (فتح)، والي ادانة اعتبارها وثيقة مطلقة ومشروعا كاملا لا يقبل النقاش. جانب الاحراج الثاني في قضية الوثيقة لحماس، أن فتح وبذكاء يسجل لها لجأت الي توظيف حجة دائما ما وظفتها حماس ضدها. فحماس دائما ما دعت الي عرض اتفاقيات أوسلو وأي اتفاقيات أخري علي استفتاء شعبي، والدكتور موسي أبو مرزوق لمح في مبادرته عام 1994، وذلك عندما كان رئيسا للمكتب السياسي للحركة، الي فكرة اجراء استفتاء شعبي علي طبيعة الحل، دون تحديد النهائي أو المرحلي، وقبل شهور قليلة كان وزير الخارجية الفلسطيني، والقيادي في حماس، الدكتور محمود الزهار يشير الي امكانية اجراء استفتاء شعبي علي أي حل مقترح. صحيح أن حماس كانت تشير في بعض تصريحاتها الي استفتاء الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده، لا في الضفة والقطاع فحسب، الا أنها لم تكن موفقة في تبيان هذا الفارق في الحالتين. أيضا لم تكن حماس واضحة جدا وحاسمة في تبيان أن ما يراد من وراء فكرة الاستفتاء هذه هو الالتفاف علي فوزها الانتخابي، أو احداث انقلاب أبيض ، علي ارادة الشعب في الأراضي المحتلة عام 1967، بعد أن عجزت فتح المتجرعة لمرارة الهزيمة من اسقاط حماس عبر مؤسسة الرئاسة والضغوط العربية والاسرائيلية والدولية، خصوصا منها الأمريكية. فبدل أن تجعل حماس من هذه القضية نقطة ارتكاز لها في دفع محاولات عباس وفتح تجريدها من فوزها، فانها لجأت الي الاشارة اليها علي خجل، في حين بالغت في استجداء عباس علي اعطاء مهلة للحوار الوطني وعدم ربطه بسقف زمني والتخلي عن التهديد بالاستفتاء، مع أنها هي نفسها من يصر علي أنه لا يملك الحق القانوني للدعوة له!فكرة الاستفتاء، وعلي الرغم من أنها آلية حق يراد بها باطل في هذا السياق، الا أنها قد تكون مصلحة للجميع ان أحسن توظيفها واتفق علي ماهيتها وصيغتها وهدفها، كما أنها قد تكون كارثية علي القضية ان استمر منطق الاستفراد والنكاية السياسية الذي يقف وراء طرحها الي الآن. فانكار أن الشعب يعيش حصارا ظالما وقاتلا بعد فوز حماس لا يعدو كونه دسا للرأس في الرمال، والادعاء أن عباس وفتح ينطلقان في حماستهم للاستفتاء من حرصهم علي مصالح الشعب الفلسطيني خداع ونفاق ليس له أي أرضية اسناد. ولجعل الاستفتاء في مصلحة الشعب فعلا فانه ينبغي الاتفاق بين الرئاسة والحكومة، وبين حماس وفتح أولا، وبقية الفصائل الأخري ثانيا، علي آليته ووسيلة اجرائه، والصيغة التي سيطرح بها علي الشارع. فالقانون الأساسي للسلطة لا ينص صراحة علي صلاحية الرئيس للدعوة لاستفتاء عام، بل ان الباحثة الفلسطينية رولا سرحان تذهب أبعد من ذلك في دراسة أعدتها حول قانونية الاستفتاء في الحالة الفلسطينية حيث تري فيها: ان القانون الأساسي الفلسطيني لا يحمل أي نص يتعلق بامكانية اجراء، أو اللجوء لاجراء استفتاء عام من قبل أي سلطة كانت ، وأنه علي هذا الأساس، فان دعوة الرئيس عباس لاجراء استفتاء تُعَدّ دعوة مخالفة للقانون الأساسي (الدستور الفلسطيني المؤقت) وتحديـدًا نص المـادة ((38 والتي تقول: يمارس رئيس السلطة الوطنية مهامه التنفيذية علي الوجه المبين في هذا القانون . وتري سرحان أنه لحل اشكالية عدم دستورية الاستفتاء يقتضي تعديل القانون الأساسي بتضمينه مادة حول الاستفتاء، وتوسيع صلاحيات الرئيس، أو الجهة المخولة بالدعوة لاجراء الاستفتاء، بما يمكنه من اجرائه . وبما أن الأمر كذلك فان حماس والحكومة يملكان الحق بالتشكيك بشرعيته بل وحتي محاولة منعه عبر المجلس التشريعي المسيطر عليه من قبل حماس والمخول بتعديل القانون الأساسي للسلطة، وليس من حل الا بالتوافق بين المؤسستين والحركتين (حماس وفتح) لإنجاحه وجعله شرعيا. وهذا ان تم فان حماس بذلك وحكومتها المنتخبة سيتوفران علي دور فعلي في توجيه دفة هذا الاستفتاء من ألفه الي يائه والحيلولة دون تفرد الرئيس وفتح به. وفي ذلك أيضا مصلحة لفتح وعباس حتي لا يدخلا الساحة الفلسطينية في نفق المجهول الذي قد تكون نهايته حربا أهلية، لن يكونا هما أنفسهما بعيدين عن الاكتواء بنيرانها.الأمر الثاني، فان وثيقة الأسري تنص صراحة علي الالتزام بمقررات اتفاق القاهرة في آذار (مارس) عام 2005، والتي بموجبها تم الاتفاق ضمن أمور أخري علي اعادة تطوير وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية وانضمام حركتي حماس والجهاد الاسلامي اليها بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده، وبما يتلاءم مع المتغيرات علي الساحة الفلسطينية وفق أسس ديمقراطية، ولتكريس حقيقة تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا، وبما يعزز قدرة منظمة التحرير في القيام والنهوض بمسؤولياتها في قيادة شعبنا في الوطن والمنافي وفي تعبئته والدفاع عن حقوقه الوطنية والسياسية والانسانية في مختلف الدوائر والمحافل والمجالات الدولية والاقليمية (وثيقة الأسري). وهو البند الذي عطلته فتح، وأعطت بذلك بالتالي الحجة لحماس والجهاد محقتين، لعدم الاعتراف بهياكل ومضامين للمنظمة بليت وأكل الدهر عليها وشرب. فان صوت الشعب لصالح الوثيقة فانه أيضا يصوت لصالح اعادة تشكيل المنظمة ودخول حماس تحديدا كقوة فعلية كبيرة في مؤسساتها، وهو الأمر الذي سيضعف من سيطرة فتح فيها بعد أن ضعفت سيطرتها في السلطة. ولعل هذا يعطي حجة قوية لحماس في اعادة توجيه دفة الاستفتاء، فعقد الاستفتاء يستوجب اعادة تشكيل المنظمة علي أسس موازين قوي اليوم، فلا يعقل أن يكون شخص مثل ياسر عبد ربه والذي لا يحظي بأي رمزية أو وزن شعبي أو صفة تمثيلية طرفا موجها من داخل أطر المنظمة لهذا الاستفتاء في حين تقبع حركتان بحجم حماس والجهاد بجمهورهما الواسع، الذي يبدو أنه الأغلبية في هذه المرحلة خارجها. ولذلك لا بد من اعادة تشكيل المنظمة أولا، لكي تصبح بحق ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني، كما تقول وثيقة الاستفتاء، ثمّ في مرحلة تالية يعقد الاستفتاء بدعوة من هذا الممثل الشرعي والوحيد الفعلي للشعب الفلسطيني. فلا يعقل أن تؤمن فتح ومؤسسة الرئاسة ببعض الوثيقة وتكفر ببعضها، وحينها سيصبح للاستفتاء معني وصيغة وماهية وأهداف أخر.بكلمات رفض حماس للاستفتاء من حيث المبدأ أمر خاطئ، واصرار فتح عليه دون إعداد الأرضية المناسبة والشروط اللازمة لنجاحه وايتاء أكله أمر مشكوك في دوافعه، ولا حل الا بتوافق الفصيلين الأكبر ومؤسستي الرئاسة والحكومة، والا فاننا نسير باتجاه الهاوية. وأمر أخير، فان أي استفتاء لفلسطينيي الضفة والقطاع، ينبغي أن يكون واضحا بأنه لا يمثل الا أهل الضفة والقطاع، فليس من حقهم اصدار أحكام فيما يتعلق بحق العودة وحقوق فلسطينيي الشتات وبقية الحقوق التاريخية الثابتة لهذا الشعب ككل، وهذا أمر آخر قد تفيد فيه حماس لو لعبت لعبة الاستفتاء بطريقة سليمة وذكية وشاركت في توجيه دفته، وربطته باعادة تشكيل المنظمة أولا، والا فانه من حقها القول انه غير شرعي ولا يلزمها. ولو افترضنا أن نتيجة الاستفتاء قد جاءت فعليا لصالح موقف عباس وفتح، فحينها وحسب وثيقة الأسري فان ذلك ينبغي أن يتبعه تشكيل حكومة وحدة وطنية، بمعني أن فتح ملزمة علي مشاركة حماس في الحكومة، لا الدعوة لانتخابات جديدة، حينها ان رفضت فتح مشاركة حماس الحكومة فالاستفتاء باطل، وان شاركت فان حكومة حماس غير ملزمة بتبني نتائج الاستفتاء، ولكنها تحترم ارادة الأغلبية وتستعفي تنظيميا وايديولوجيا منها، ومع ذلك تسير حكومتها بنير منه. ولكن هل فعلا ستخاطر فتح بمشاركة حماس حكومة وحدة وطنية وتغضب الحليفين الأمريكي والاسرائيلي!؟ بمعني آخر الاستفتاء ليس كله في مصلحة فتح لو لعبت حماس اللعبة بطريقة صحيحة وتخلت عن وهم الأخلاقية السياسية وأعادت الكرة الي منطقة جزاء فتح والرئاسة. فتوريط فتح عبر لعبة محبوكة فيه مصلحة للشعب والقضية، حتي ولو لم تكن فيها مصلحة حماس التنظيم مرحليا، فمصلحة الشعب مقدمة، وفي كل الأحوال فقرار من حكومة حماس المنتخبة ليس قرارا من حماس الحركة. كاتب ومحلل سياسي مقيم في واشنطن8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية