محاولة عبثية لفهم تفكير الحكومة السورية بشأن الإعلام

حجم الخط
0

محاولة عبثية لفهم تفكير الحكومة السورية بشأن الإعلام

عدنان عليمحاولة عبثية لفهم تفكير الحكومة السورية بشأن الإعلام أحاديث السادة المسؤولين، وخاصة وزراء الاعلام المتعاقبين، واحيانا رئيس الوزراء حول فهمهم لدور الاعلام المحلي، وملاحظاتهم الايجابية والسلبية بشأنه، تعطي انطباعا واحدا متكررا مفاده ان ليس للحكومة توجه واضح بشأن ماهية الاعلام الذي تريده، وسبل وآليات تجسيد هذا الاعلام علي ارض الواقع، وهو ما يعكس السياسة الضبابية اياها بالنسبة لبقية المجالات حيث لم يحسم التوجه الاقتصادي مثلا الا في مؤتمر الحزب الاخير ولصالح صيغة ملتبسة جديدة وهي ما دعي بـ اقتصاد السوق الاجتماعي . وغياب الرؤيا هنا يفسر هذا الادراك المحدود لوظيفة الاعلام، ولواقعه الراهن في البلاد، ما يبقي ملاحظات السادة المسؤولين حول الاعلام المحلي جزئية وظرفية، واحيانا سطحية دون بذل جهد جدي للولوج الي جوهر المشكلة، والتي باتت مفرداتها واضحة للجميع. واذكر انني قرأت حديثا للسيد رئيس الوزراء قبل حوالي ستة اشهر اعتبر فيه ان الإعلام هم وطني في المرحلة الحالية وأن تطوير العملية الإعلامية المقروءة والمرئية والمسموعة يحتاج إلي إعادة صياغة عصرية. وقال ان هذا الموضوع هو أحد اهتمامات الحكومة السورية. هذا كلام معقول، لكن الي الان لا نعثر علي دليل يشير الي ان السيد رئيس الوزراء كان يعني ما يقول، وأن الحكومة تمتلك رؤية وخطة للتعامل مع الاعلام تتجاوز الكلمات الكبيرة الرنانة. اما السيد وزير الاعلام محسن بلال فقال في مبني جريدة الثورة اشياء يستحق ان يمنح عليها جائزة نوبل لتزيين الواقع اذا وافق منظمو الجائزة علي استحداث مثل هذا الحقل. فقد برع السيد الوزير في اكتشاف ما خفي من جمال في الاشياء القبيحة. ومما قاله ان الصحافيين في سورية ينعمون بحرية يحسدهم عليها زملاؤهم في البلدان الاخري، وأن الصحافي عندنا بطل مغوار لا يكترث بأي مسؤول في الحكومة التي وان كانت تملك وسائل الاعلام، لكنها في الواقع تستجدي رضي الصحافيين! بطبيعة الحال، كلام السيد الوزير يثير الدهشة. دهشة الاعلاميين الذين لم يكتشفوا ما ينعمون به من مزايا.. ودهشة الحكومة ايضا التي ربما ما كانت تعلم انها تدلل الصحافيين الي هذه الدرجة. رسالة السيد الوزير بأن الاعلام السوري بخير، وربما انه يعيش عصره الذهبي هذه الايام، لم تقنع احدا وما زال الرجاء بأن في جعبة الطبيب الجراح ما لم يقله بعد، والاهم ما لم يفعله. بعض المعلومات ذكرت ان وزارة الاعلام تشهد هذه الايام ورشة عمل نشطة بشأن تطوير الاعلام المحلي، مع التركيز بشكل خاص علي قانون الاعلام الجديد الذي سيري النور قريبا، بصيغة معدلة اقرب الي الليبرالية والعصرية. كان الاجدر بالقائمين علي الامر اشراك أصحاب القضية، اي الاعلاميين، بمثل هذه النقاشات، حتي لا تهبط عليهم من علي، ويكون مصير القانون الجديد كمصير سابقه الذي لم يعمر طويلا لهذا السبب بالذات. هذه مشكلة مزمنة.. الاعلاميون هم آخر من يعلم عن الخطط التي يفترض أن السيد الوزير يحملها لتطوير الاعلام السوري المطبوع والمرئي بعد أن أدرك، كما نرجح، أن الاسئلة الرئيسية المطروحة تدور اساسا حول نقاط ثلاث رئيسية : الهامش الذي يتحرك فيه هو نفسه، والفريق الذي سينفذ هذه الخطط، والامكانات المادية المتاحة. طبعا، من غير الحكمة المطالبة بأن يكون الاعلام هو جزيرة الحرية أو رأس حربة الاصلاح، في مجتمع لا تزال خياراته في مجمل القطاعات غير محسومة، أو تتلطي خلف عبارات ملتبسة وحيث لا يزال ممنوعا علي هذا الاعلام الاقتراب، الإ تصفيقا وتمجيدا، من مسألة أساسية هي القوت اليومي لكل اعلام، ونعني السياسة الخارجية. وقبل ذلك، ثمة عشرات القضايا الداخلية التي لم يعد مفهوما ابعادها عن نظر الاعلام بدءا من الاتاوة التي يتقاضاها شرطي المرور من أية سيارة يحلو له توقيفها ربما بلا سبب، الي معني وجود العديد من الهياكل الحزبية والنقابية الحالية مثل القيادة القومية في الحزب واتحادات العمال والفلاحين والشبيبة والطلبة وسواها والتي تستنزف موارد كبيرة من ميزانية الدولة وتتستر علي جيوش من البطالة المقنعة، دون أن تجري دراسات جدية تثبت حاجة المجتمع لهذه الهيئات بالشكل الموجودة عليه حاليا. ولعل من أشهر العبارات المتداولة علي لسان القائمين علي الاعلام في سورية أن هناك خططا منهجية، أو تدرجية لتطوير الاعلام المحلي، لكن احدا لم يتكرم حتي الان بشرح ماهية هذه الخطط علي الاقل للعاملين في حقل الاعلام لكي يتسني لهم تحضير أنفسهم لمواكبتها قبل ان تهبط عليهم فجأة فلا يتسني لهم اللحاق بها، أو لا يتمكنون من التعرف عليها اذا ما تعثروا بها مصادفة في الطريق. ويتساءل الكثير من العاملين في الاعلام عن احجام المعنيين بشأن الاعلام عن اشراكهم في عملية التطوير والتحديث هذه (ان وجدت) وعن ماهية هذه العملية أصلا وأهدافها وسبل تنفيذها. ان التوجهات التي بدا انها جديدة في الاعلام السوري مثل توسيع الهوامش أو علي الاقل بذل محاولات من هذا القبيل، لا يعرف حتي الان مصدرها وحدودها وآفاقها ولا تزال مرهونة بكل مدير او مسؤول يضيقها او يوسعها حسبما يرغب، دون ان يتم تثبيت أي معيار او قانون ملزم يجعل هذه المساحة الجديدة حقا مكتسبا، فلا تزال أقرب الي المنة التي لا تعطي لكل شخص، ويمكن سحبها في أي وقت. والواقع ان مسألة تطوير الاعلام في سورية تشبه حكاية قديمة وطريفة يتداولها الناس في موريتانيا مفادها ان الرئيس الموريتاني الاسبق مختار ولد داده واجه عندما تولي الحكم في السبعينات من القرن الماضي مشكلة عويصة تتمثل في العثور علي اشخاص لديهم بعض التأهيل العلمي لتولي المناصب العامة في الدولة الناشئة، علما ان الرئيس نفسه كان يحمل الشهادة الثانوية فقط هي اعلي تحصيل علمي يصل اليه موريتاني في تلك الحقبة. وبسبب تفشي الامية بهذا الشكل اضطر الرئيس الي الاستعانة بالزعامات التقليدية والعشائرية لشغل الوظائف العامة، فكان أن اختار أحد شيوخ العشائر ويدعي محمد ولد المختار عمدة للعاصمة نواكشوط. وبسبب عدم ادراكه لطبيعة عمله، جلس العمدة العتيد لبعض الوقت بلا أي عمل، فنصحه بعض خاصته بان يفعل شيئا لاعلام الناس بوجوده علي الاقل، فقالوا له ادع الي اجتماع لاهل المدينة وقل انك ستبلغهم بأشياء هامة من شأنها اصلاح المدينة وتطويرها. وبالفعل ذاع خبر الاجتماع وحدد زمانه ومكانه امام دار العمدة، فخرج اليهم ولد المختار وخطب فيهم قائلا: جمعتكم اليوم كي ابلغكم بثلاثة اشياء فيها خير لمدينتنا أولها مسألة أنتم تعرفونها جيدا ولا داعي لاضاعة الوقت في شرحها، والثانية هي سر من اسرار الدولة لا ينبغي لاحد الخوض فيه، اما الثالثة فانني احذركم جميعا من التبول هنا قرب منزلي.. ! وهكذا انفض الاجتماع بنتيجة واحدة وهي تحذير للناس من التبول بجانب دار العمدة. وبغض النظر عما اذا كانت هذه الحادثة حقيقية أم مجرد طرفة، فان ثمة خيطا يجمعها بحكاية تطوير الاعلام السوري في ظل هرج ومرج بشأن دمج صحيفتي تشرين و الثورة بوصف هذه الخطوة هي أهم بند كما يبدو في خطة تطويرهذا الاعلام أو علي الاقل البند المعلن الوحيد، وباقي البنود اما انها معروفة لدرجة لا تستدعي حتي شرحها لاحد أو انها من اسرار الدولة التي لا يجوز الخوض فيها.. المرحلة التي وصلت اليها عملية الدمج تفصح عن الحالة كلها، وعن العقلية التي تدير عملية اصلاح الاعلام المفترضة. وقد بات العاملون في كلا المؤسستين في حيص بيص ادارة وتحريرا، لأن الجهات الوصائية أوصلتهم لنص البير وقطعت الحبل فيهم وباتوا لا هم معلقون ولا مطلقون ، فتعطلت المصالح، وضاعت المسؤوليات. ان العقلية التي تدير عملية الاصلاح والتطوير في هذا الاعلام لا تنفصل بطبيعة الحال عما يجري في القطاعات الاخري في البلاد حيث السرية والضبابية والازدواجية، واحيانا كثيرة عدم العقلانية هي سيدة الموقف. والواقع ان ما يحتاج الي اصلاح عاجل هو اسلوب التفكير واتخاذ القرارات في الاعلام وفي القطاعات الاخري، الذي بات عليه ان يغادر حالا الكواليس المغلقة والحلقات الضيقة حيث لا يصدر عادة سوي الدسائس، وفي أحسن الظنون الاخطاء وربما الحماقات ايضا.كاتب من سورية8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية