محادثات شرق السودان في العاصمة الاريترية
د. يوسف نور عوضمحادثات شرق السودان في العاصمة الاريتريةفي الاسبوع الماضي وزعت وكالات الأنباء صورا لمجموعة جديدة منشقة عن حركة جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة توقع علي اتفاقات ابوجا في العاصمة الإثيوبية اديس ابابا، وهو ما اعطي انطباعا بان المجموعات التي تعارض الإتفاق قد عدلت موقفها ولحقت بالركب كما يريد ذلك الوسطاء من الامم المتحدة، ولكن بعد ايام ظهرت المجموعة نفسها في الخرطوم وهي تقول إنها مرت بالعاصمة السودانية في طريقها إلي اديس ابابا وقد عادت إليها بعد توقيع الإتفاق، وذلك يطرح عدة تساؤلات إذ لم نعهد أن حركات التمرد تمر بالعواصم التي تحاربها قبل التوصل إلي السلام ولنا اسوة في ذلك العقيد جون قرنق الذي لم يعد إلي الخرطوم إلا بعد أن وقع علي اتفاقات نيفاشا وتحقق السلام بينه وبين الحكومة السودانية. وفي الوقت نفسه الذي عادت فيه هذه المجموعة المجهولة إلي الخرطوم قالت مجموعات أخري في دارفور إنها تعارض الإتفاقات لانها لا تلبي مطالب أهل الإقليم وذهب فريق آخر إلي معارضة مجيء قوات دولية إلي دارفور وقال هذا الفريق إذا وصلت هذه القوات فإنهم سيعلنون الجهاد وذلك ما يؤكد أن مشكلة دارفور بعيدة كل البعد عن إمكان حلها بالوسائل التي اختارتهاحكومة السودان.وعلي الرغم من ذلك فإن الحكومة السودانية تجرب الوسائل نفسها في حل مشكلة بدأت تطل برأسها في شرق السودان وهي المشكلة التي ظهرت بظهور جبهة الشرق التي تضم قبائل البجا وجماعة الاسود الحرة التي تنتمي إلي قبائل الرشايدة وقد انضمت إليها فصائل من حركة العدل والمساواة الدارفورية التي تحتفظ بوجود في شرق السودان وتريد أن تؤكد من خلال هذا الوجود أنها ليست حركة إقليمية عنصرية وإنما هي حركة قومية وحدوية وإن ظل الكثيرون ينسبون هذه الحركة إلي نفوذ الشيخ حسن الترابي في غرب السودان وهو أمر انكره زعيم المؤتمر الشعبي. وقد هددت حركة العدل والمساواة بأن عدم انضمامها للمباحثات سيقابل بهجومات تقوم بها قد لا تساعد علي الوصول إلي حل في شرق السودان. والمعروف أن الحركة الشعبية لتحرير السودان التي كان يقودها العقيد جون قرنق احتفظت بجزء من قواتها في شرق السودان ولكن هذه القوات سحبت من جبهة الشرق بعد توقيع اتفاق السلام مع الحكومة السودانية، وكانت الحركة الشعبية وحركات التمرد في شرق البلاد تلقي دعما من الرئيس الإريتري اسياس افورقي الذي استمرت القطيعة بينه وبين الحكومة السودانية زمنا طويلا ولكنه فاجأ الجميع بزيارة إلي الخرطوم قبل مباحثات اسمرا أكد فيها أن حل قضية شرق السودان يجب أن يكون سودانيا وهو قول ثمنه الرئيس السوداني ولكنه في حقيقة الأمر لا ينطوي علي شيء ولا يدل علي تحول حقيقي في العلاقات السودانية الإريترية علي الرغم من أن البلدين قررا استعادة العلاقات الدبلوماسية بينهما، ذلك أن الكثيرين يعتقدون أن السودان يواجه مشكلة حقيقية قد تؤدي إلي تقسيمه، وبالتالي فهو لا يعارض أن يحصل متمردو جبهة الشرق علي حقوقهم خاصة أن قبائل الشرق لها وجود مشترك في داخل أريتريا وربما طمح الرئيس الإريتري في حال حدوث انفصام لعري الوحدة في السودان أن يكون الشرق مهيئا للوحدة مع أريتريا.وإذا نظرنا إلي موقف الحكومة السودانية من قضية شرق السودان وجدنا أنه لا يختلف عن مواقفها من قضيتي دارفور والجنوب فهي تنطلق من كونها نظام حكم يحاول حل القضايا بالطريقة التي يعتقد أنها تخدم مصالحه بصرف النظر عن مصالح السودان بصفة عامة وهذا خطأ استراتيجي في تفكير الحكومة السودانية لأن الآخرين يدركون اسباب ومصادر ضعفها ويتظاهرون بانهم يصلون معها إلي حلول وهم يدركون أن الحكومة لا تملك أقدار السودان وبالتالي هي لا تملك الحل والعقد في أمورها، وبالتالي فإن الإتفاقات التي تبدو في ظاهرها حلا للمشكلات هي في واقعها وصفات لتفكك السودان وتحوله إلي دويلات صغيرة، وبالتالي فإن أمام الحكومة السودانية سؤالا اساسيا ينبغي أن تجيب عليه قبل ان تتوصل إلي حل مع أي إقليم او جهة تعارضها وهو ما الذي تمثله الحكومة؟ هل هي تمثل إرادة شعبية عامة أم تمثل مجموعة ظنت في يوم من الأيام أنها صاحبة مشروع ايديولوجي ثم تبين أنها غير قادرة علي تطبيق هذا المشروع وعلي الرغم من ذلك لم تتنازل عن الحكم لأن أفرادها ارتبطوا بمصالح السلطة وما يترتب عليها، وبالتالي اصبح التخلي عن السلطة هو التخلي عن الإمتيازات التي اكتسبوها؟الإجابة هي ان السلطة في السودان لا تمثل إرادة شعبية لانها لم تأت نتيجة انتخاب او إجماع شعبي وإنما اتت نتيجة عمل انقلابي في فترة كانت ثقافة الإنقلابات هي التي توصل إلي السلطة ولكن انتهت تلك الحقبة واصبح لزاما ان تجيب انظمة الحكم بموضوعية علي اسباب ومبررات استمرارها، وهذا أمر لا يبدو ان نظام الحكم يعطيه كبير اهتمام علي الرغم من الأخطار التي تواجه الوطن، واول هذه الأخطار هي خطر التقسيم، ذلك أن المطالب الجهوية المتمثلة في تقسيم السلطة والثروة إنما هي في نهاية الامر وصفات للتجزئة وقيام دول مستقلة بكون هذه المطالب غير موضوعية في اساسها لأن الحكومة لا تقبض علي مصادر الثروة أو السلطة كما أن جميع أبناء السودان يشاركون اصلا في الثروة والسلطة إلا إذا كان هناك اعتقاد بان السلطة تسيطر عليها فئة لا تمثل شعب السودان، وهذا قول مردود من اساسه لان الحكومة في الخرطوم فيها من كل أقاليم البلاد، من الشمال والجنوب والشرق والغرب ولا يستطيع أحد ان يزعم انها حكومة جهوية كما ان السودان ليس دولة حديثة في تنظيمه بل هو دولة تقليدية وبالتالي لا يستطيع أحد أن يتحدث عن حكومة تسيطر علي مصادر الثروة لان الثروة موزعة في السودان وهي غير متجمعة في مكان واحد بسبب عدم وجود النظام الذي يمكن السلطة المركزية من تجميع السلطة في يدها وبالتالي فإن الحديث عن توزيع السلطة والثروة هو مجرد ذريعة من أجل إيجاد مبررات عند مجموعات ونخب جهوية تريد أن تسيطر علي المصادر المتاحة من أجل تحقيق اهدافها الخاصة، ويبدو ذلك واضحا في المطالبة بالتعويضات في دارفور ذلك أن فتح باب التعويضات يفتح مجالا كبيرا للإمكانات المالية التي تقع تحت أيدي النخب، التي ترفع شعارات تقول إنها تمثل مصالح الشعب وهي في الحقيقة تمثل مصالح جماعات قليلة، وهذه هي الأزمة الحقيقية التي ظل يعاني منها السودان منذ فجر الإستقلال، ذلك أن مشكلة السودان الحقيقية لا تتمثل في التهميش كما تقول الأطراف أو في حرمان الأقاليم من مصادر الثروة بل تتمثل في حقيقة أن النخب سواء كانت أيديولوجية أو دينية أوجهوية ترفع شعارات تخدم مصالحها وتزعم أنها شعارات قومية شاملة، وبالتالي فإن السودان الذي وضع رجليه علي طريق التحديث أيام السلطة البريطانية قد أخطأ طريقه واصبح الآن يعاني من الفقر والتشرذم ويواجه أخطر مرحلة في تاريخه وهي المرحلة التي اصبح فيها الكيان كله مهددا بالتقسيم، وقد رأينا من قبل الصادق المهدي يدعو إلي مؤتمر جامع يجلس فيه أبناء السودان جميعهم من أجل حل المشكلات ولكن هذه الدعوة لا تجد اذنا صاغية من نظام الحكم الذي علي الرغم من انه فشل في تحقيق مشروعه الحضاري الذي لم يتحقق في أي بلد عربي أو اسلامي ولا أمل في تحققه في السودان، فهو يستمر في التأكيد علي خطابه التقليدي ويتوهم ان هذا الخطاب سيجد طريقه إلي قلوب الناس وسيتحقق في عالم الواقع وكل تلك أوهام يصدقها النظام في الخرطوم.ولا أطرح ما ذكرته إلا لأنني اعتقد أن السودان مقبل علي اخطار عظيمة وأن هناك مخططا للقضاء علي وحدة هذا البلد وبالتالي يجب الا يساعد أي نظام علي تحقيق هذا الهدف بذرائع ايديولوجية أو مذهبية لان حقائق العالم الذي نعيش فيه تختلف تماما عن الثقافة النمطية التي نشأ عليها الكثيرون. وبالتالي فإن محاولة حل مشكلة شرق السودان بالاسلوب نفسه الذي حاولته الحكومة السودانية في حل مشكلتي الجنوب ودارفور لا يوصل إلي النتائج التي ترجوها الحكومة لان هذه المحاولة لن تجيب علي الأهداف الاجنبية التي تلاحق الحكومة والتي لن تعجز الأجانب عن استنباط وسائل جديدة للمواجهة بعد أن تكون الحكومة قد فرطت في المصالح الوطنية من أجل المحافظة علي مصالح النخبة الصغيرة الحاكمة.9