في كتاب شيخوخة الخليل : الشاعر محمد الصالحي يقارب اشكالات قصيدة النثر العربية

حجم الخط
0

الطاهر الطويل

كيف نحدد قصيدة نثر من قصيدة غير نثرية؟ يري الشاعر والباحث المغربي محمد الصالحي أن الدراسات الشعرية العربية تغافلت عن هذا السؤال، الذي يردف اليه سؤالا آخر: ما الجامع بين الأشكال التي ندرجها جميعا تحت اليافطة نفسها: قصيدة النثر؟ ويلاحظ أن النقد غالبا ما يبرر نوايا الشاعر، ويسكت عن نوايا النص.

في الكتاب الصادر ضمن منشورات اتحاد كتاب المغرب تحت عنوان: شيخوخة الخليل: بحثا عن شكل لقصيدة النثر العربية، يثير المؤلف محمد الصالحي مسألة التباس المصطلح وضبابية حدود الجنس ولا محدودية السمات الشكلية والايقاعية التي تكتنف التعامل مع قصيدة النثر. ويعتبر أن الدراسات التي تناولت هذه الأخيرة تنتهي الي مجرد تأملات خارجية ترصد التيمات علي حدة، أو الخصائص اللغوية علي حدة، مغفلة معني الشكل وشكل المعني. ويلاحظ أن الثنائية الملتبسة (شعر/ نثر) التي أَخضع البحث الأدبي نفسه لها، ساعدت علي جعل مفهوم القصيدة واسعا، حتي كادت قصيدة النثر تعني الأدب اطلاقا. مما أدي ـ باعتقاده ـ الي غياب المقاربة الشعرية للنصوص، وطغيان هاجس المقارنة بين الشعر والنثر وتحديد علائقهما أو ما يختلفان فيه وتمييز الواحد منهما في ضوء الآخر/ النقيض. فقُرئ الشعر في ضوء النثر، والنثر في ضوء الشعر، واتسع مفهوم الشعر بشكل غير مسبوق، وأُتيح لكل كلام يجافي الشعر قليلا أو كثيرا أن ينتمي الي الشعر، بتعبير الكاتب.

ويذهب، أيضا، الي القول: اذا كان ممكــنا مقارنة أنواع النثر في ما بينــها، وأنواع الشـــعر في ما بينها، فان مقارنة النثـر بالشعــر ـ هكذا اطــــلاقا ـ لا تفضي الي نتيجة، لأن المعني، المعني نفسـه، يتـــــجلي هنا شعرا، ويتجلي هناك نثرا، تجليات يتحكم فيها ايقاع النثر.

ويؤكد أن الخلط بين النثر والكلام العادي، واعتبارهما نقيض الشعر، جعل هذا الأخير ـ تاريخيا ـ يأخذ معناه من شكله الخارجي أكثر من دلالته وايقاعه، فضاعت الحدود بين ما هو شعري وما هو غير شعري. ولأن الشعر يُطلق علي الشعر والنثر علي ما ليس شعرا، فان النثر ظل مجهولا كبنية وكايقاع. ومن هنا ذلك الكم الهائل من أحكام القيمة التي ترمي النثر باللاايقاعية، فيوضع كل ما يُشتبه في شعريته ـ باطمئنان ـ في خانة النثر.

كما ينبه الصالحي الي صعوبة تحديد المعيار الذي، قياسا اليه، نحدد الشعر والنثر. وبناء علي تحليل المؤلف، يتضح أن هناك أنواعا كثيرا من الشعر، وأنواعا كثيرا من النثر. ثم ان ما يصير شعرا أو نثرا، في زمن ما، انما صار كذلك بالتواضع والاتفاق، لا بسبب خاصيات بنيوية واضحة يتم الاحتكام اليها، مما يعني أن في كل نثر شعرا، وأن في كل شعر نثرا.

ولذلك، يتقدم باقتراح معرفي أساسي، يتمثل في أن قصيدة النثر العربية مطالبة بتأسيس قوانينها الخاصة؛ داعيا النقد الي استنباط هذه القوانين من بنية النص، لا البحث عن قوانين لاسقاطها عليها. ويستطرد قائلا: ان الشروط التي استلهمها النقد العربي ـ بهذا الخصوص ـ من كتاب قصيدة النثر من بودلير حتي أيامنا لسوزان برنار، هي شروط قابلة لكثير من الأخذ والرد. فقد حددت تلك الناقدة الفرنسية شروطا ثلاثة، بدون أحدها يستحيل الحديث عن قصيدة نثر، وكل شرط من هذه الشروط يستدعي مُلازما له علي النحو التالي:1 ـ الايجاز: الكثافة.2 ـ التوهج: الاشراق.3 ـ المجانية: اللازمنية.

قصيدة النثر ليست هي الأرقيثمة ـ باعتقادنا ـ أطروحتان مركزيتان تقوم عليهما دراسة محمد الصالحي، أولاهما تتجلي في تأكيده علي كون قصيدة النثر لا تبتعد كثيرا عن الروح الايقاعية للشعر العربي في عمومه، وان كانت الزمنية الكبري ـ كما يسميها باختين ـ قد فرضت اختلافا شكليا خارجيا عن الشكل الشعري التقليدي الموروث. وبالتالي، فان قصيدة النثر ـ يضيف المؤلف ـ ليست أرقي ما وصل اليه الشعر العربي، كما يحلو لكثير من الشعراء والنقاد القول، بل هي امكانية ايقاعية ضمن امكانيات أخري تمنحها اللغة العربية للشاعر. في حين تبقي النواة الايقاعية هي ذاتها، رغم أن استراتيجيات القراءة والتلقي والتناول سيلحقها تغيُـر.

أما الأطروحة الثانية، فهي نقده للتراكم النقدي والشعري العربي الذي يُكتب تحت يافطة قصيدة النثر، معتبرا أن هناك مجموعة من الأوهام رسخت هذه التسمية في الحركة الشعرية العربية الحديثة، بعيدا عن أي اجتهاد نقدي علمي، قد يُقارِب ـ قليلا أو كثيرا ـ هذه القصــيدة محاولا القبض علي قوانينها الايقــــاعية الظاهرة والخفية. ان اجتهاد الشعراء أنفسهم كان ـ بــــرأيه ـ عاطفيا لا علميا، ويستدل علي ذلك بدراسة أدونيس الشهيرة حول قصيدة النثر وكذا بكتاب أنسي الحاج لن الذي اتُخذت مقدمته، لزمن غير يسير، انجيلا لدي الكثير من المريدين، خاصة وأنها ساهمت في تقوية فكرة امكانية تحوُل النثر شعرا.

ومثلما جاء في مقدمة كتاب شيخوخة الخليل التي تحمل توقيع الباحــــث العربي الذهبي، فان المؤلف محمد الصالحي يدعـــــونا لمشاركته مسعاه الـــدؤوب الي تحويل اشكالية قصــــيدة النثر من قضية نزاع بين طرفين يحاكــــم أحدهما الآخر، بـلُغــــــة قضائية دفاعية أو هجوميـــة ـ دون أن يتكـــلما معا لغة مشـتركة تُمكنهما من التواصل أصلا ـ الي واقعة عملية، يتطلب بناؤها المعرفي جهدا مضنيا ومكثفا، وهو ما ساهم المؤلف نفسه فيه ـ بقسط هام ـ من خلال هذه الدراسة القيمة.

كاتب من المغرب[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية