الولع بالتفاصيل سببه الزهد بالوطن والتاريخ والتقوقع في الظرف الوجودي المنحط!

حجم الخط
0

الولع بالتفاصيل سببه الزهد بالوطن والتاريخ والتقوقع في الظرف الوجودي المنحط!

حوار مع الكاتب والسيناريست مصطفي ذكري:أجري الحوار: محمد هاشمالولع بالتفاصيل سببه الزهد بالوطن والتاريخ والتقوقع في الظرف الوجودي المنحط!مصطفي ذكري كاتب روائي مصري وسيناريست مصري تميز باعماله في الرواية وكتابة السيناريو السينمائي صدرت له في الرواية: تدريبات علي الجملة الاعتراضية قصص، المجلس الأعلي للثقافة 1995. هراء متاهة قوطية رواية، دار شرقيات 1997 . الخوف يأكل الروح ، رواية، دار شرقيات 1998. لمسة من عالم غريب ، رواية، دار شرقيات 2000. مرآة 202 ، دار ميريت 2003. الرسائل ، رواية، دار ميريت 2006.وله في السينما: سيناريو فيلم عفاريت الإسفلت 1996. سيناريو فيلم جنة الشياطين 1999. كيف كانت البدايات؟ كانت البداية مع القراءة الحرة، وعلي وجه الخصوص القراءة في السِيَر الذاتية للكتَّاب. كان الخمول والفشل وعدم الانسجام مع الواقع هي الصفات التي وجدتها عند أغلب الكتَّاب. انهم غريبو الأطوار حالمون تلمس أصابعهم أطراف الماء دون الخوض في الحياة الحقيقية، فقلتُ بأسًي انهم مثلي، أنا من تلك السلالة العاجيَّة المُسالمة. بعد ذلك كان تأثير الأعمال الفنيَّة. وكان ديستوفسكي له التأثير العاصف علي ذوقي الجمالي. كان اضطرابه وتعثر شخصياته ومرضها واللا شكل المُهيمن علي رواياته من الأمور التي وضعتُ عليها نظرة جمالية في الفن مفادها التطرف والحدة والنزاهة. ومن الطريف هنا طالما جاء ذكر ديستوفسكي هو الاشارة الي ما توصف به أعماله الروائية بأنها أعمال غارقة في نزعتها الشكلية كما توصف أعمال جويس. الحقيقة أن المعسكر الآخر هو الذي ينتمي الي النزعة الشكلية الجامدة، علي سبيل المثال كونديرا في النكتة ونجيب محفوظ في ميرامار أما عوليس أو الأبله فهي خالية تماماً من النزعة الشكلية. أتصور أن الفرق بين كتاب كلاسيكيين مثل نجيب محفوظ وتولستوي وكونديرا من جهة وبين كتَّاب طليعيين مثل ديستوفسكي وجويس وهرمان هيسة من جهة أخري هو أن الكاتب الكلاسيكي يملك تصميماً مسبقاً لشكل روايته، وعندما ينطلق في تنفيذ الشكل لا يعوقه شيء عن الانجاز، في ميرامار نستطيع منذ البداية الحدس بالبناء علي مدي الرواية، خمس شخصيات روائية ببطاقات درامية صارمة، وخمس وجهات نظر بتتابع لا يختل، هكذا النكتة لدي كونديرا، أيّ أن الكاتب هنا يملك زمام كتابته، بعكس ديستوفسكي الذي تملكه الكتابة نفسها، فيصبح عرضة للأهواء الفنيَّة والمفاجآت التي مهما كانت خبرة القارئ لا يستطيع الحدس بها. عند جويس وديستوفسكي وبو وكافكا هناك خيانة دائمة للشكل الفنيّ. مَنْ كان يستطيع في القراءة الأولي لـ عوليس الحدس بخيانة جويس لبطله ستيفن ديدالوس ـ وهو بطله الأثير ـ لحساب بلوم الذي يظهر فجأة بعد الثمانين صفحة الأولي. أتذكر هنا عبارة كونديرا، وهو الكلاسيكي العائد، بأن العقد المُبرم بين الكاتب والقارئ يجب أن يكون واضحاً منذ البداية، أيّ علي الكاتب أن يكون مُخلصاً لشكله البنائي، لا سماح بالأهواء بالاضطرابات بالخيانات. انني أنتمي الي معسكر الكتَّاب الذين يُبرمون العقود وينقضونها وعلي المُتضرر اللجوء الي القضاء الأدبي. أمّا عن القناعات الجمالية، فهي تهتز من حين لآخر، الا أنني أفضِّل الآن أن أكون علي هامش تلك القناعات. أن تكون علي هامش ما تنتمي اليه كما يقول بيسوا. يلاحظ ابتعادك عن الشكل الروائي المعتاد في كتابة الرواية، وميلك الي كتابة الرواية القصيرة، ما سبب ذلك في رأيك؟ لا أعرف لماذا يناسبني شكل الرواية القصيرة، ربما لجمعها بين خصائص القصة والرواية. فهذا الشكل يتطلب الكثافة التعبيرية من جهة، وهناك فرصة أيضاً للتدفق الموجز ان صح التعبير. الي جانب أن هناك نماذج عديدة في الرواية القصيرة أثرَّت في عقلي بقوة، أذكر منها اخطيَّة لاميل حبيبي، و مخلوقات الأشواق الطائرة لادوار الخراط، و يوميات كتابة قصة لخوليو كورتاثار. شكل الرواية القصيرة شديد الاحكام، ويتطلب ـ وهذا أحبه كثيرا ـ مهارات كتابية يسميها البعض بالألعاب الشكلية، وأنا لا أعترض علي التسميَّة طالما لا يُقصد بها أحكام قيمة. من ضمن المهارات الكتابية مثلاً المزج بين هموم القصة الدرامية كما يحكيها الكاتب وبين هموم الكتابة المهنية البحتة التي من المُفترض ألا يعرضها الكاتب داخل حكايته. لكنني لن أنفي التفضيل العاطفي المحض الذي يتمثل في كوني أحب هذا الشكل القصير حتي اذا لم تتوفر لديّ الحجج الجمالية، ففي النهاية الحجج الجمالية لاحقة علي التفضيل العاطفي، اننا نختار بالقلب والعاطفة والانفعال، ثم نجد المبرر العقلي بعد ذلك. شيء أخير دفعني الي الرواية القصيرة، وهو شيء هام. أخوف ما أخافه هو الاطالة علي القارئ، انني أذكِّر نفسي دائماً بهذا الرهاب، كُنْ غامضاً ولا تكنْ مملاً. الشيء الوحيد الذي أخافه في الكتابة هو أن تكون مملة، ولهذا أعتمد المُفاجأة الدرامية في الكتابة، وهي للحق أضعف من المُفارَقَة الدرامية. أنتَ مع المُفاجأة أمام موهبة الكاتب العارية من أيّة تحصينات، المُفاجأة في الدراما هي من جنس المُقامَرة، يا صابتْ يا اتنين عُور كما يقول المثل العاميّ. كافكا كان يعتمد المُفاجأة الدرامية، كذلك ديستوفسكي، والعظيم ادغار بو. القارئ مع المُفاجأة لا يستطيع التنبؤ بشيء، فقط يتلقّي الضربات من الكاتب، لا يملك سوي الانفعال. لاحظ الكثير من النقاد علي كتابتك وكتابة جيلك الولع بالتفاصيل الدقيقة، ما سبب ذلك في رأيك؟ عندما تزهد الذات في الوطن والتاريخ والجماعة والسياسة والقضايا الكبري لا يبقي أمامها سوي الانحطاط في ظرف وجودها الفردي وزمنها الخاص. من هنا تأتي وحشيَّة التفاصيل الصغيرة التي تلتهم السرد. ففي كتابي الأول تدريبات علي الجملة الاعتراضية اعتمدتُ تفصيلة جد تافهة بشكل استراتيجي علي مدي الكتاب كله، وهي الجملة الاعتراضية بكل تداخلها وانعكاسها علي نفسها، وكأنها مرآة تُضاعِف وجودها، أو هي جملة تشبه صندوق الهدايا الشهير الذي يحتوي صندوقاً أصغر، والأصغر يحتوي الأصغر منه، هكذا الي ما لا نهاية. الغريب أن الجملة الاعتراضية ضعيفة بلاغياً في اللغة العربية، وكان استخدامها عند القدماء والمحدثين محدوداً، علي اعتبار أنها جملة فرعية، لا يصح للبليغ أن يعترضه شيء وهو يقيم أود الجملة الأساسية. كان هذا الاختيار الاستراتيجي ـ وهو اختيار استراتيجي لكنه قابل للخرق والانتهاك والخيانة ويخضع في النهاية للحظة الكتابة الفعليَّة، وهذه اللحظة غير مشروطة بشيء، بل قد تُعَمَّد بين يديها أكثر الأساليب تقليدية، وقد نغفرُ تحت هيبة صدقها سولافيَّة ديستوفسكي وشوفينيته وعنصرية نيتشه ورومانيته ـ نفياً للبلاغة والفصاحة. كان انحيازاً للجملة المُترجَمة الهجين التي قرأنا بها بروست وجويس وإدغار بو. كنتُ علي اعتقاد وما زلت أن الأساليب الأدبية غريبة داخل قواعد وأصول اللغة. ان الأساليب الأدبية بمثابة فيروسات تضرب أساس اللغة. ما سبب لجوئك الي اللعب علي تيمة التكرار في كتابك مرآة 202 ؟ أطلق برودون الفيلسوف الفوْضوي في القرن التاسع عشر صيحة العدالة الاجتماعية الامتلاك سرقة . كانت الصيحة هي الوقود العاطفي لكل الماركسيات العلمية. أستطيع بالمثل اطلاق مُصادرة شاعرية فيما يخص الكتابة بقولي الكتابة مرض . التكرار في كتابي مرآة 202 تلفحه تيارات العصاب، لكنَّ هذا التكرار من جانب آخر ينفتحُ علي ألعاب درامية وأسلوبية. البطل عماد نراه بضمائر مختلفة، ضمير الغائب وضمير المُخَاطَب وضمير المُتكلم. كان حرصي علي ثبات الحدث الدرامي، أو اذا شئتَ القول: حرصي علي شحوب الحدث الدرامي الي أقصي درجة ممكنة في مقابل الثراء والتنوع لصوت الراوي. هناك في الكتاب مقاطع نثرية تبدو غامضة في سياق ضمير الغائب، ثم تُستعاد مرة أخري في سياق آخر بضمير المُتكلم، فيزول غموضها، وتلقي ضوءاً بأثر رجعي علي مكانها الأول، بحيثُ يشعر القارئ برغبة في الرجوع الي سياقها في ضمير الغائب، وكأنه لم يقرأها كما ينبغي، وكأنّ رجوعه سيُضاعف في المعني. هذه هي شفرة التكرار التي تدور في كتاب مرآة 202 . هناك علي طول الكتاب مونولوجات داخلية وأفكار باطنية، عابثة وعدمية ومُدققة في أشد التفاصيل تفاهة، تصير هذه الأشياء واقع شخصية عماد الذي يولع بتوليد أفكار من أخري، وتحويلها الي طريقة تفكير ورؤية للعالم. ما يبدو للجميع علي أنه مُصادفَات قدرية وتناظرات وتماثلات لا تعني شيئاً سوي أنها تحققتْ، ينظر عماد اليه نظرة أخري. في كل النصوص سنجد طرفين يُؤسَس لهما، طرف جاذب للانتباه بطبيعته، في كونه يحصد فكرةً جادة ومثيرة وهامة، وطرف آخر هامشي وبعيد وتافه، في كونه محض تفصيلة ما تلبث حتي يزداد حضورها وتتضخم لتصير هي الأصل كاسرة توقع القارئ الذي ظل طوال الوقت مع الطرف الأول الجاذب للانتباه والجدير بالحضور والتضخم. فبينما نُهيئ أنفسنا في قصة سنوات لحدثٍ مثير يتذكر فيه عماد صديقة ميتة زارته في حلمٍ بعيد، وهو يمسكُ بيديه صورة فوتوغرافية تضم الصديقة مع زوجته، ها نحن نواجه فكرة الشيخوخة والموت والزمن، ونُهيئ أنفسنا للدخول في مجموعة من العلاقات، فاذا بعماد يدير ظهره لذلك كله لينصب تفكيره علي التراتبية الرقمية الخاضعة للمصادَفَة فقط التي تتمثل في عدد السنوات الفاصلة حلمه بها عن تاريخ موتها، والسنوات التي تفصل عمره عن عمرها، ثم السنوات التي تفصل عمره عن عمر زوجته، ثم السنوات التي تفصل عمر زوجته عن عمر صديقته. ونتيجة هذا التأمل هو صعود الثغرات والفجوات الزمنية المخيفة لمن يتملاها والحافلة بشفرة معقدة، علي حساب الطرف الكلاسيكي المُعتاد في الأدب. ألا ينتابك السأم من سيطرة الأحلام والرؤي الكابوسية وكذلك العنف علي أعمالك؟ في الحقيقة لا ينتابني السأم والملل من طغيان الرؤي الكابوسية والعنف والأحلام علي أعمالي. أجدُ نفسي دائماً أثناء الكتابة علي مسافة من الكوابيس والأحلام والعنف، لكنني لا أحقق ذلك في كل مرة، ويبقي وعد التحقيق في مرة لاحقة، لهذا فأنا أشعرُ بالاطراء من وصفكَ لتلك الأعمال بالكابوسية. هذه ليست مُصادرة تصديق علي سؤالكَ ـ وربما اتهامكَ ـ الغرض منها قلب العيوب مزايا بل هي مُصادرة فرحة عميقة مفادها أنني اقتربتُ خطوة من سلب الحياة عبر الكابوس والعنف والأحلام. سيبدو مؤلماً لي فقط أن نفي الحياة في كتاباتي يخلو من السعادة والتواطؤ وشرف وضع مسمار صغير في نعش ما اصطُلِحَ علي تسميته بالانسانية، اذ يتوق الكاتب أحياناً الي شرف وضع المسمار الصغير، ومع هذا يبقي بعيداً، وتبقي مُحاولاته شيئاً مُنفِّراً ساقطاً لا يرقي الي الوصف، والي أن تأتي تأكيدات أخري من غيركَ، فأنا هذا الكاتب المُنفِّر الساقط الذي لا يرقي الي الوصف. ليس لديك اعتراض علي كلمة كتابة ذهنية، ألا تري أن الكلمة هي مرادف للافتعال؟ تمثل لي الذهنية الرافد المُجاور المُطمئن لما أغرق فيه أحياناً من العاطفية الشديدة التي يحكمها الشطط. لن أنفي الذهنية عن أعمالي، لكنني أضعها في سياقها الاستراتيجي بجوار العاطفية، وهما رافدان ليسا في حالة صراع بل في حالة تجاور، في حالة فُصام بالمعني السيكولوجي للكلمة. انني أُفضِّل نزاهة وحدَّة التجاور في العمل الفني علي خداع وزيف الصراع. ان مَنْ يكتب في وصف انْفلات القمر من السُحب المتراكمة والقمر المُقاتل بضوءٍ مسلولٍ جحافلَ براثنها دُفِنَ في أبد الساعات المُتبقية من الليل يكتب أيضاً بنوع من الفُصام عبارة طويلة مُتكلفة تأتي علي لسان بطله بضمير الغائب مفادها التعبير عن فشل في الحب التغيير الذي تمناه ولم ينطق به هو أخذ الأمر هذه المرة بصفات مناقضة للصفات التي تم عليها في المرات السابقة دون الايحاء بأن الصفات الجديدة تتمتع بوجاهةٍ تفتقدها الصفات القديمة الا اذا خرجتْ منه ايماءة التفضيل خفيَّة مموَّهة تماماً علي وعود التغيير . عبارة غارقة في العاطفية وأخري مُجاورة غارقة في الذهنية. ما هو ردك علي الاتهام الموجه الي جيلك بأن كتاباتكم متشابهة وفي رأيك ما هو سبب ذلك؟ أقر بالاتهام وأعترف بالتشابه بين أبناء جيلي. بالفعل نحن نقرأ نفس الكتب ولنا نفس الذوق الفني. ان الاختلاف يُنتزَع فقط بالقطيعة، أقصد بالقطيعة عدم رؤية الآخر فنياً، فمن ضمن التقاليد العريقة المهنية بيننا، هي عدم قراءة عمل الكاتب والصديق المُجاور لي في المهنة أكثر من مرة واحدة، وهذه المرة اليتيمة تتم بصريف أسنان وتحت ضغط من اللياقة. ما هو تفسيرك لاهمال البنية الدرامية أو الحكاية التقليدية وأنت سيناريست وهذا قوام بنية السيناريو، بمعني آخر هل تعوض ما ينقصك كتابتك الأدبية سينمائيا وما ينقصك سينمائيا بطريقة أدبية؟ يبدو أن الاجابة علي هذا السؤال لن يكفيها ما أعلنته مراراً بكوني ممارساً لنوعين فنيين، هما الأدب والسينما، وأن هذه الممارسة تجد معناها الجمالي في الازاحة الدائمة، وأنا في نوع فنيّ، علي النوع الآخر، بحيثُ تبقي القيمة في استدعائها لكل حيل وألعاب النوع الغائب. قد يكون حقيقياً أن ما ينقصني أدبياً أقوم بتعويضه سينمائياً وأن ما ينقصني سينمائياً أقوم بتعويضه أدبياً. لكنْ دعني أدافع عن موت المشهد الدرامي العظيم في السينما والأدب علي حد سواء. ان موت الدراما لا يتطلب منّا كصُنَّاع مهنة سوي بعث شبحها الذاوي. ان الشظايا والنتف والمِزَق الدرامية ليستْ رفاهية اختيار وطموحاً مُتعجرفاً لبلوغ تجارب قصوي في السينما والأدب بل هي انسجام مع تاريخ الدراما الطويل. مَنْ يستطيع الآن أن يطمح في خلق المشهد المجتمعي المُعقد الذي خلقه بروست في البحث عن الزمن الضائع ومَنْ يستطيع التراجع عن موت المشهد الدرامي الذي صنعه أنطونيوني في بلو أب . اننا محكومون بالتجارب القصوي. لك تجربة متميزة في السينما أشاد بها الجميع فلماذا ابتعادك طوال هذه الفترة منذ فيلمك الأخير؟ تجربتي مع السينما تنحصر في الفيلمين عفاريت الإسفلت و جنة الشياطين كان الفيلمان غريبين علي السينما المصرية. كتبتُ عفاريت الإسفلت بعد التخرج مباشرة من معهد السينما 1992. ظل أسامة فوزي مخرج الفيلم يبحث عن جهة انتاج للفيلم أكثر من سنتين. كان الفيلم يدور بين قطبي الموت والجنس خلال مجموعة من سائقي الميكروباص مع قتل الرؤية الاجتماعية والاستغناء عنها بفضاء تعبيريّ شعوريّ. ظهر الفيلم في 1995. وفي 1996 كتبتُ جنة الشياطين بتشجيع من الممثل محمود حميدة والمخرج الوحيد الذي عملتُ معه أسامة فوزي. كنتُ أعرف وأنا أكتب الفيلم الثاني المأخوذ عن رواية لجورج أمادو أنني أقطع الحبل السريَّ الواصل بيني وبين السينما. كان الفيلم عنيفاً شديد التطرف في نزعته الجمالية. ظهر الفيلم في 1999. كانت عوالم الفيلمين قريبة جداً من روايتي هراء متاهة قوطية . الشخصيات الانسانية في أدني حالات وجودها، قريبة بعض الشيء من أنذال وأوباش فوكنر مع لمسة العنف من ترنتينو ومايك لي في فيلمه العاري . أنا راض لحد ما عن الفيلمين، وعندي رغبة في خوض تجربة ثالثة، اذا كانت هناك فرصة دون أي تنازل فنيّ، وهذا بالطبع يخضع لمنطق الصدفة والاستثناء، والي أن تأتي هذه اللحظة، فأنا كاتبٌ أديبٌ مُتأدبٌ دانت لي دولة الأدب والقطوف في يدي وبضاعتي كلمة وكلام وكَلِم. لك موقف صارم فيما يقدم علي شاشة السينما المصرية الآن نحب أن نعرفه. ورأيك في مساهمة الأدب والأدباء وعلي رأسهم نجيب محفوظ في هذا المجال. لا شيء يُقدَّم الآن علي شاشة السينما، وهذه طبيعة الأشياء، فليس صحيحاً أن السينما المصرية كانت أفضل في زمن سابق، والآن هي أسوأ، فصرعة الكوميديا التي هي هاجس السينما المصرية منذ أن بدأت لم تنجب سوي فطين عبد الوهاب واحد، وكان هناك طوال الوقت نسخ سخيفة منه، عيسي كرامة، نجدي حافظ، حسن الصيفي، وهؤلاء لا يختلفون عن علي رجب، وسندرا نشأت، وكاملة أبو ذكري. الأفلام بطبيعتها سيئة، والجيد هو دائماً الاستثناء، بصرف النظر عن الأزمة التي يتشدق بها البعض. في السنوات الأخيرة هناك أفلام جيدة، سهر الليالي لهاني خليفة، و أحلي الأوقات لهالة خليل و بحب السيما لأسامة فوزي. أمّا عن نجيب محفوظ، فهو لا يختلف كثيراً عن يوسف السباعي وجودة السحَّار ويحيي حقي ويوسف غراب فيما قدمه من مادة درامية للسينما، ولأن المعيار النهائي في قيمة الفيلم يقع علي عاتق المخرج، فنجيب محفوظ في السينما مثل غيره. ويبدو أنه أدرك بشكل لا شعوري الاختلاف الشديد بين الأدب والسينما. ان أسوأ الأفلام المصرية خرجتْ من أجمل أعمال نجيب محفوظ، أتحدث هنا عن رائعته الحرافيش . لم تكسب السينما المصرية كثيراً من دراما نجيب محفوظ، والهيبة من تلك الدراما ترجع فقط لمكانته الكلاسيكية في الأدب.ہ روائي ومترجم مصري0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية