دخل الصومال مرحلة جديدة من تاريخه امس بسقوط مدينة جوهر، آخر معاقل لوردات الحرب، في ايدي الميليشيات الاسلامية التابعة للمحاكم الشرعية، واصبحت البلاد علي ابواب اول حكومة اسلامية، تطبق الشريعة الاسلامية كمنهج للحكم علي غرار حركة طالبان الافغانية.
فبعد عشرين عاماً من عدم الاستقرار والحروب القبلية والتدخلات الخارجية، بات الشعب الصومالي يتطلع الي الامان، ووقف دوامة العنف والنزيف الدموي، وبدء مرحلة اعادة بناء ما دمرته هذه الحروب، وتوفير العيش الكريم لابنائه واجياله المقبلة.
ويعيد انتصار ميليشيات المحاكم الشرعية في السيطرة علي العاصمة مقديشو ومدينة جوهر، وطرد لوردات الحرب قصة وصول حركة طالبان الي الحكم في افغانستان. فتجاوزات زعماء الحرب وسلبهم للمواطنين، والتناحر فيما بينهم علي مناطق الثروة والنفوذ، وفرضهم الخوات والاتاوات علي التجار، كلها عوامل ادت الي سقوط كانتوناتهم علي ايدي القوات الاسلامية التي حظيت بالتفاف معظم ابناء البلاد حولها، ليس تأييدا لها ولنهجها الاسلامي فقط، وانما قرفا من حال التدهور الامني التي عاشتها البلاد منذ انهيار نظام سياد بري الماركسي، من خلال مؤامرة امريكية.
هزيمة لوردات الحرب، الذين اطلقوا علي تجمعهم اسم تحالف زعماء الحرب من اجل السلام وضد الارهاب هي هزيمة للادارة الامريكية التي ساندتهم، وقدمت لهم المال والسلاح، ومارست ضغوطاً علي دول الجوار لتسهيل الامدادات العسكرية والغذائية اليهم.
الادارة الامريكية دعمت زعماء الحرب كرهاً بالمحاكم الشرعية وقواتها، وخشية من تكرار تجربة طالبـــــان. ولكن جميع مخططاتها فشلت في وقـــف تقـــــدم الميليشيات الاسلامية، ومنع سيطرتها علي العاصمة مقديشو ثم مدينة جوهر.
الميليشيات الاسلامية ما كانت تحقق كل هذه الانتصارات، وباقل قدر ممكن من الخسائر لولا الدعم الشعبي لها، وتقبل نهجها الاسلامي، وحرصها علي توفير الامان والاستقرار في البلاد. فقد ضاق الشعب الصومالي ذرعاً بالفوضي الدموية، وشاهد بلده ينشطر بسبب التناحر القبلي، وجشع لوردات الحرب، واهمال المجتمع الدولي له.
الغالبية العظمي من المصائب الكبري التي حلت بالصومال في السنوات الماضية جاءت بسبب التدخل الامريكي في منطقة القرن الافريقي، ولاسباب لها علاقة بسياسات الهيمنة التي تتبعها الادارة الامريكية الحالية في مختلف بقاع العالم الاسلامي.
فالادارة الامريكية دعمت دائماً الانظمة الديكتاتورية القمعية الفاسدة، وميليشيات قطاع الطرق الخارجة علي القانون، مثلما فعلت في الصومال. فكيف تساند ادارة امريكية من المفترض انها تقود العالم الحر، وتسعي من اجل الحريات والديمقراطية وحقوق الانسان، ميليشيات خارجة علي القانون، وتمارس عمليات القتل والترويع للسكان في وضح النهار؟
حتي اسم هذا التحالف مضلل، فكيف يطلق علي نفسه تحالف زعماء الحرب من اجل السلام ومقاومة الارهاب والمنخرطون فيه هم الذين مزقوا البلاد ونسفوا استقرارها، واباحوا ازهاق ارواح اهلها، ومارسوا الارهاب في اسوأ صوره في ظل صراعهم علي مناطق النفوذ، ولاشباع نهمهم لجمع الاموال الحرام؟
انتصار قوات المحاكم الشرعية في الصومال سيخلط كل الاوراق في القرن الافريقي، وسيمثل اول اختراق للسياسة الامريكية القائمة علي منع الاسلاميين من الوصول الي السلطة في البلدان الاسلامية.