كارثة دارفور: الوجه الاخر
د. عبدالوهاب الافنديكارثة دارفور: الوجه الاخر(1)لم تكن هناك اي مفاجأة لا في توقيت ولا محتوي تقرير المدعي العام في محكمة الجنايات الدولية لويس مورينو اوكامبو حول دارفور الذي تقدم به الي مجلس الامن يوم الاربعاء الماضي. فقد كان التقرير متوقعا في هذا الشهر وكان من المنتظر ان يؤكد وقوع انتهاكات جسيمة لحقوق المدنيين في دارفور اثناء الحرب. ولكن هذا لا يمنع ان صدور التقرير بهذه الطريقة يمثل كارثة جديدة تهدد مستقبل الاستقرار السياسي في السودان.(2)التقرير تحدث عن وقوع آلاف جرائم القتل ضد المدنيين، وعدد من المذابح اضافة الي وقوع مئات حالات الاغتصاب ضد النساء. وقد اكد المدعي العام اوكامبو ان الحكمة السودانية لا تبذل حاليا جهدا يذكر للتحقيق في هذه الجرائم، ناهيك عن ملاحقة ومعاقبة مرتكبيها. ويثبت وقوع الجرائم، وتأكيد عجز الحكومة او عدم رغبتها في معاقبة مرتكبيها بكون المدعي العام مهد الطريق لتولي محكمة الجنايات الدولية لملف جرائم الحرب في دارفور بحسب قوانينها وطبقا لقرارات مجلس الامن، حيث يشترط عجز النظام القضائي في البلد المعني عن تحقيق العدالة لضحايا جرائم الحرب حتي يحق لمحكمة الجنايات الدولي تولي القضية.(3)الموقف الرسمي السوداني ظل يؤكد علي عدم صحة الاتهامات اصلا، مع التأكيد علي ان الحكومة تبذل اقصي الجهد للتحقيق فيها ومعاقبة مرتكبيها، وبحسب وزير الخارجية السابق فان عدد قتلي الحرب من الطرفين، بمن فيهم الجنود ورجال الشرطة، لم يتجاوز الخمسة الاف وتري الحكومة ان الارقام التي تذكرها الجهات الدولية (وهي تصل الي مئتي الف قتيل بحسب الاحصاءات) مبالغ فيها كثيرا، كما ان حالات الاغتصاب نادرة جداً.(4)الاشكال الاكبر الذي يواجهه الموقف الحكومي هو تناقضه ليس فقط مع مزاعم حركات التمرد والقوي السياسية المناوئة في دارفور، وكذلك المنظمات الدولية من حقوقية وغيرها ومعظم الدول الغربية، بل كذلك مع تقارير منظمات الاغاثة والمراقبين الموجودين في دارفور نفسها ومعظم التقارير الاخبارية الاعلامية الواردة من الاقليم، وعليه فان فشل الحكومة في اقناع المنظمات الموجودة علي الارض بموقفها يمثل المشكلة الاكبر.(5)في الاسبوع الماضي ولدي زيارة وفد مجلس الامن الي اقليم دارفور ووجه بما يشبه الاجماع من قبل منظمات الاغاثة والمنظمات الدولية العاملة هناك بالشكوي من استمرار تدهور الاوضاع، واستمرار عمليات القتل والنهب والاغتصاب. وقد سبب هذا التقويم السلبي للاوضاع بالغ الضرر لقضية الحكومة من ناحيتين، الاولي انه اثبت لاعضاء مجلس الامن ان الانتهاكات التي تنفي الحكومة وقوعها في الاساس ما تزال مستمرة. والثانية انها اضعفت حجة الحكومة في رفض القوات الدولية التي يسعي مجلس الامن لفرضها في دارفور.(6)الحكومة اضعفت موقفها اكثر حين سمحت لبعض الممارسات بالاستمرار بدون اي مبرر، كما حدث حين قام بعض رجال الامن بالاعتداء علي اطباء في مستشفي بولاية شمال دارفور، مما دفع بطاقم المستشفي للاضراب حتي حسم النزاع بتدخل حكومي عالي المستوي.(7)مهما يكن فان تداعيات تقرير المدعي العام الاممي وزيارة مجلس الامن ستكون لها عواقب خطيرة علي الاستقرار السياسي، حيث تهدد بفرض الوصاية القانونية علي البلاد، وما يتبع ذلك من تدخلات وتهديدات وعقوبات.(8)كان قصورا كبيرا في اتفاقية ابوجا حول دارفور انها لم تشتمل علي توافق حول معالجات سودانية خالصة لمسألة الانتهاكات. وهذا القصور لابد من تداركه سريعا بتدابير متفق عليها لحسم هذا الامر، لانه من غير المقبول ان يترك مستقبل البلاد السياسي رهنا بتدابير واجراءات يتم التحكم فيها من خارج البلاد ولا يعرف الا الله تعالي متي وكيف والي شيء ستنتهي.9