مصر: الاخوان يسبّونها، والنظام يضرب قضاتها بالأحذية
فرانسوا باسيليمصر: الاخوان يسبّونها، والنظام يضرب قضاتها بالأحذية رغم كتابتي لمئات المقالات عبر أكثر من ربع قرن من الزمان، فانني لم أجد صعوبة في كتابة عنوان لمقالي كالتي عانيتها وأنا أكتب طظ في مصر عنوانا لمقالي هذا، ولم تخفف من هذه المعاناة حقيقة أنني لست صاحب هذه الكلمات، وانما هي للمرشد العام للاخوان المسلمين محمد مهدي عاكف، قالها لصحافي في حديث مسجل نشر بعد ذلك في جريدة روزاليوسف المصرية. وأذيع أيضاً بالصوت بشكل لم يستطع معه مرشد الاخوان التنصل من حقيقة انه قال هذه العبارة التي لا شك ستدخل التاريخ باعتبارها اكثر العبارات اهانة لمصر تجيء علي لسان رجل في موقع قيادي عام، ولم يسجل لنا التاريخ المكتوب ولا التاريخ الشفهي المتناقل عبارة تعادل هذه في مدي بذاءتها واهانتها واستهتارها بمصر يقولها مصري محسوب علي هذا الوطن، والعبارة كاملة هي: طظ في مصر.. وأبو مصر.. واللي في مصر !وتستحق هذه العبارة ـ والحديث الذي جاءت في سياقه ـ التوقف عندها بالتأمل والاستيعاب، أولا: لأن هذه العبارة القصيرة بكلماتها الثلاثة البسيطة السهلة تحمل في طياتها التعبير الأبلغ عن رؤية الاخوان الأساسية لمفهوم الوطن مقابل مفهوم الخلافة. وثانيا: لأن هذه العبارة المهينة للوطن ليست نشاذا ليس له مثيل في فكر ومواقف الاخوان وانما سبقتها مواقف أخري كانت تضر بالوطن وقياداته الوطنية وقضاياه المصيرية، وثالثا: لأن هذه الاهانة لمصر من قبل الاخوان تقع في وقت تشاهد فيه مصر المحروسة عددا من الحوادث المهينة الأخري التي وقعت ضد قُضاتها وضد قوي المعارضة السلمية في الشارع المصري. وكأن الجميع الآن يتكالبون للنيل من سمعة هذا الوطن العريق النبيل بنفس درجة الاستهتار والعبث والاصرار علي الخطأ والاهانة التي جاءت عليها عبارة طظ في مصر .ولكي أكون منصفا، فلنتعرف أولا علي التبريرات التي قدمها مرشد الاخوان لقولته هذه في حديث كتبه مجاهد مليجي نشر في جريدة المنصة العربية بنيويورك. وقد سأله مجاهد: ـ التصريحات المنسوبة اليكم والمنشورة في جريدة روز اليوسف والتي أذاعها التلفزيون المصري صوتيا ألا تعد سقطة لكم؟فكان رد المرشد العام: ما نسب اليّ وعلي لساني جري تحريفه وتلفيقه بشكل غير أخلاقي، وقد تولي الكثيرون الرد عليه .ولما سأله مجاهد بعد ذلك: ألا تري انه يجب عليك الاعتذار للشعب المصري؟ رد مرشد الأخوان: اللي يعتذر هذا الذي خالف الآداب والأخلاق والأمانة الصحافية، هو الذي يجب أن يعتذر، مش أنا، وأنا قلت لك لو عُرض عليّ الحديث قبل النشر ما في ذلك شك لغيرته، ومع ذلك أقول لكل من ضايقته هذه الكلمة: من حقكم ان تعاتبوني وأن أقبل عتابكم. فأنا بشر أخطئ وأصيب . وبناء علي هذا الرد كتبت الجريدة بخط عريض كلام المرشد: أنا بشر أخطئ وأصيب.. ولن أعتذر .وواضح ان العذر المقدم من المرشد هو عذر أقبح من الذنب، فالتسجيل بصوته يقول هذه العبارة ومع ذلك يقول ان ما نسب اليه جري تحريفه!! وأنه لو عُرض عليه الحديث لحذف هذه العبارة منه، ولكن هذا يعني أنه قال هذه العبارة في حديثه للصحافي، ولا معني لمحاولة التنصل من المسؤولية عنها، والمفترض في كل انسان في موقع قيادي عام أن يعرف كيف يتحدث للصحافيين والا فما معني وجوده كقائد وكمرشد وهو غير قادر علي ارشاد نفسه وقيادة عقله ولسانه؟!ثم أنظر الي موقفه الغريب من رفض الاعتذار عن هذه السقطة الفاضحة، فحتي لو افترضنا أنها لا تعبر عن رؤية الاخوان كما يحاول هو أن يوحي ـ وهي في الحقيقة تعبر عن هذه الرؤية تعبيراً دقيقاً ـ فلماذا لا يجد في نفسه القدرة علي الاعتذار عن كلمة يقول انه لم يقصدها؟ ونجده يتنازل في حديثه ويسمح للآخرين أن يعاتبوه ثم يتنازل بقبول عتابهم نجد هنا آفة الاستعلاء وتضخم الذات التي لا تقبل الاعتذار عن خطأ فاضح، فما بالك عن الأخطاء غير الفاضحة! وربما كان الرجل منطقياً مع رؤيته لنفسه فكيف يعتذر من كان يتحدث باسم السماء وكيف يسمح أن يحاسبه بشر وهو الحامل للرؤية الدينية الأحادية التي لديها وحدها الحقيقة المطلقة والتي لا يخالفها ويختلف معها سوي الكفار والأشرار؟! ألم يؤد هذا الفكر الاستعلائي المنتفخ بذاته الي تفريخ جماعات اسلامية أخري أشد تزمتا وأصولية راحت تكفر المجتمع بأسره لأنه لا يري رؤيتها!الوطن أم الخلافة؟ورغم ان عبارة طظ في مصر تحمل ما يكفي من الاهانة والاستهتار بوطن هو صانع أول حضارة في التاريخ، فان الاهانة الأكبر تتمثل في الفكر الذي دفع بالمرشد الي هذا التقول، اذ ما كان لمرشد الاخوان أن ينطق بهذه العبارة التي يشطب بها وطنا بحجم مصر لولا أن المنظومة الفكرية للاخوان كانت دائما لا تنظر للأوطان بأي اعتبار وتضحي بها علي مذبح الخلافة الاسلامية التي لا تقوم الا بابتلاع هذه الأوطان وتذويبها في بوتقة دولة دينية واحدة، ونحن نعرف أن مؤسس جماعة الاخوان المسلمين نفسه لم يؤسسها سوي كردّ فعل للقرار المصري بانهاء الخلافة الاسلامية المتمثلة في الحكم العثماني وتأكيد استقلالية مصر كوطن قومي لا يتبع الا ذاته وتاريخه الحضاري العريق. وكان ذلك بعد أن عانت مصر تحت الحكم العثماني مرحلة من الركاد التاريخي الهائل في موت حضاري شامل الأبعاد جعل اصداها بعد ذلك مع الغرب لأول مرة مع حملة نابليون يحدث لها صدمة شديدة لهول الفارق الحضاري الذي اكتشفته بينها وبين الغرب. ومع هذا فموقف الاخوان والفكر الديني الذي يمثلونه كان هو موقف المتحسر علي انهيار الخلافة الاسلامية في مصر، وكانوا يقفون بضراوة ضد بقية القوي الوطنية المصرية التي صارعت للتحرر من الخلافة وانهاء تبعية مصر للحكم العثماني، وما قامت جماعة الاخوان المسلمين أساسا الا للعمل علي استعادة الخلافة وضم مصر اليها، ومن هنا يكون مفهوما موقف المرشد الحالي للاخوان من مصر كوطن مستقل ودعوته الصريحة الي عودة تبعيتها لأي خليفة من أي جنسية في أية دولة أجنبية ما دام سيكون حكمه لمصر من بعيد هو علي أساس أنه الخليفة أمير المؤمنين في دولة الاسلام! ولم يكن هذا هو المعني المستنبط من حديث المرشد العام ولكن كان هو بالضبط ما قاله ونادي به علنا وبلا لبس ولا دوران. ولنقرأ ما قاله المرشد في حديثه الذي أشرت اليه مسبقاً مع الصحافي مجاهد مليجي: أنا كنت أتحدث عن الخلافة، حيث كان الصحافي يقول: الخلافة كانت مستعمرة مصر ، فقلت له: لا يا بني، الخلافة لا تستعمر أحداً، كل الأقطار تابعة للخلافة… لأن كان كل العالم العربي والاسلامي أمة واحدة، ولذلك كانت الهوية لما يقولك جنسيته ايه؟ مسلم.. أنا مصري ودا تركي ودا كذا وكذا، انما جنسيته مسلم. قال لي الصحافي الذي اجري الحوار: يعني لو انه ماليزي ومسلم يحكم؟ .. آه.. قلت له أمال مين اللي يحكم؟ ما دام مسلم يحكم.. ولكن يعني مش المسلم أحسن من الملحد؟ قال لي لا أنا مصري.. قلت له: طظ فيك وفي مصر .وهكذا كرر المرشد العام ما قاله مرة أخري في حديثه التبريري اللاحق لحديثه الأول. ونحن نعرف ان الكثيرين من الاخوان المسلمين في مصر كانوا يقولون ان المسلم الباكستاني أقرب اليهم من المصري القبطي!! ولك ان تقارن هذا التدهور الرهيب في مفهوم المواطنة والاخوة الوطنية في الوطن الواحد مع ما كان يقوله جمال عبدالناصر أن المسيحي المصري أقرب الينا من المسلم في أي بلد آخر، وهذا وحده هو منطق الوطن والمواطنة والا فعلي الوطن السلام. ولكن هذا هو الفكر الاخواني الذي يشطر مصر الي شطرين ويطرد المواطن المسيحي من ساحة المواطنة ويعتبره ضيفا علي الخلافة الاسلامية له أن ينعم ـ كذمي ـ بالحماية والأمن ولكن ليس له ان يشارك في جيش بلاده للدفاع عنها أمام أعدائها، كما صرح بذلك علانية المرشد السابق للاخوان حيث طالب بعدم خدمة الأقباط في الجيش المصري! متجاهلا أن الأقباط استشهدوا بجانب شركائهم في الوطن في كل حروب مصر.ان الاخوان يعيشون بفكرهم ووجدانهم في عصر آخر غير العصر الحديث، فأفكارهم ورؤاهم ولغتهم وموقفهم من الحياة تنتمي كلها لعصر الخلافة الاسلامية ويتمثل حلمهم الأول في عودة هذه الخلافة واقامة الدولة الدينية في كل الأقطار العربية والاسلامية كما قال المرشد الحالي بوضوح.ولا يسمح لهم وجدانهم المتشبث بالماضي السحيق ادراك أن الخلافة والدولة الدينية هي مرحلة تاريخية قد انقضت وأن التاريخ لا يكرر نفسه كما لا تمر نفس المياه في نفس الموقع من النهر مرتين. وقد تجاوز التطور السياسي والاجتماعي والثقافي في العالم كله مفهوم الدولة الدينية ولم يعد احد يعيش في ظلال هذا الشبح القادم من أطلال الماضي سوي الاخوان المسلمين والجماعات الدينية التي أفرخها فكرهم الديني المتزمت. ولا عجب ان الجماعات والمجتمعات التي تصر علي العودة الي احضان هذا الفكر القديم هي أشد المجتمعات تخلفا في العالم اليوم. وحالة مصر نفسها تؤكد هذا، فبعد النهضة الحضارية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية الهائلة التي شهدتها مصر في الخمسينات والستينات من القرن الماضي نعيش اليوم ـ مع صعود حالة التشنج الديني التي سادت مصر منذ السبعينات ـ أكثر الفترات تدهوراً وتراجعاً حضاريا وثقافيا وأخلاقيا.لا مكان للأقباط !أمام سؤال: هل يمكن ان تقبلوا بترشيح قبطي لرئاسة الجمهورية؟قال مرشد الاخوان: لنكن واقعيين وجادين ولنتحدث بوضوح ففي ظل تعديلات المادة 67 من الدستور التي حدثت بطريقة غير ديمقراطية.. فان الترشيح للرئاسة أصبح غير متاح سواء للأقباط أو للمسلمين . ونلاحظ ان المرشد لم يرد علي السؤال ولم يوضح أن الجماعات المتزمتة يؤمنون بأنه لا ولاية لغير المسلم علي المسلمين. ومن المفيد الآن ان نعقد مقارنة بين أقوال وأفكار الاخوان والجماعات الدينية بشكل عام، والتي تعبر عنها جميعا عبارة طظ في مصر خير تعبير، وبين أقوال وأفكار قوي المواطنة المخلصة الحقة، وهي نفسها قوي التنوير في مصر اليوم.فاذا قارنا قولة مرشد الاخوان بقولة بابا الأقباط الأنبا شنودة، نجده يقول عن مصر ليست مصر وطناً نعيش فيه انما هي وطن يعيش فينا . والعبارة لا تحتاج الي تعليق كما أن الفرق بين الرؤية القبطية والرؤية الاخوانية هنا واضح للجميع.أما اذا قارنا موقف الاخوان من الحاق مصر بالخلافة الاسلامية والقبول بأن يحكم مصر حاكم ماليزي أو باكستاني أو أفغاني ما دام سيحكم كأمير للمؤمنين بموقف زعماء الأقباط الذين اشتركوا مع الزعيم سعد زغلول في مكافحة الاحتلال الانكليزي لمصر، مثل مكرم عبيد وويصا واصف وسنوت حنا والقمص سرجيوس وغيرهم، فيكفي ان نذكر أنه حينما قام المحتل الانكليزي بنفي سبعة من قادة الحركة الوطنية المصرية الذين كانوا يسببون لهم المتاعب الجمة كان أربعة من هؤلاء من الأقباط وثلاثة من المسلمين! ويكفي ان نذكر ما قاله سعد زغلول يوما: لو لم يكن لي عند ربي الا أنني جمعت بين الأقباط والمسلمين في وحدة وطنية لكفاني هذا ذكراً وفخراً . وفي حي شبرا الذي ولدت وترعرعت به في القاهرة وقف مكرم عبيد يقول في خطبة له قالها حين حاول الانكليز بذر بذور الفتنة بين عنصري الأمة: يقولون أقباط ومسلمون، كلا بل مصريون ومصريون، وآباء وأمهات وبنون، أو قولوا اخوة لأنهم بدين مصر يؤمنون، أو أشقاء لأن أمهم مصر وأباهم سعد زغلول . تأمل في قول الزعيم القبطي عن المصريين انهم بدين مصر يؤمنون وفكرة الاخوان التي تضحي بالانتماء الوطني علي مذبح الانتماء لخلافة اسلامية يحاولون قسرا بعثها من قبور التاريخ.لا عجب اذن ان نري الاخوان يخرجون الي شوارع مصر في مظاهرة رفعت فيها النساء المصاحف! بينما ينخرط عدد من القيادات القبطية النابهة مع اخوتهم المسلمين المستنيرين في أحزاب المعارضة المصرية وفي حركة كفاية، مثبتين بذلك ان رؤية الأقباط كانت وما تزال رؤية مصرية وطنية عصرية تعرف ان ايمانها المسيحي لا يمنعها من الكفاح ضد أي محتل ولو كان يشاركها الدين والايمان. ان اعلاء الحكم الديني بدولة الخلافة فوق الحلم الوطني المشترك ـ كما يفعل مرشد الاخوان ـ في الوقت الذي يدخل فيه الاخوان العمل السياسي بمرشحين لهم في مجلس الشعب، هو أمر جدّ خطير اذ يهدد بتمزيق مصر وتهميش الأقباط ومحو الحرية الفكرية والابداع وتقميط المرأة والقضاء علي الفنون وتحويل مصر الي مجتمع أفغاني أو سعودي بامتياز! في الوقت الذي يبشرنا فيه الاخوان بقادة علي نموذج المرشد العام، لا يعترفون بخطأ ولا يعتذرون لمن أهانوهم ولو كانوا قد أخطاؤا في حق مصر نفسها والمصريين أجمعين! وهم ايضاً قادة لا يتخلون عن مناصبهم كمرشدين للاخوان الا عندما يتوفاهم الله، فالشوري ليست سوي كلمة تقال وليست فعلا يمارس، وهكذا فلن يقدم الاخوان لنا سوي الديكتاتورية الدينية بدلا من الديكتاتورية العسكرية، بالاضافة الي رؤية سلفية عامة تعيد كل شيء في المجتمع الي الوراء مئات السنوات.من المفجع حقاً ألا يكون أمام مصر كبديل عن النظام الحالي سوي الاخوان، فهكذا نكون كمن استجار من النار بالرمضاء، والمؤسف ان فشل النظام الحالي في تقديم رؤية حضارية بديلة للرؤية الاخوانية هو ما جعل تلك الرؤية تسود الشارع المصري المتشنج دينياً اليوم. فسياسة النظام كانت هي سياسة العصا الغليظة مع الاخوان كجماعة وقيادات في سياسة أمنية فقط في الوقت الذي راح يزايد علي الاخوان في الجرعات الدينية المقدمة لفقراء مصر وأمييها بدلا من ان تقدم لهم رؤية حضارية بديلة مضيئة تكشف مدي فقر الفكر الديني الاخواني وضرره للمجتمع، في الوقت الذي كان علي النظام ان يقدم في نفسه نموذجا للعمل الوطني النظيف الجاد المستقل في مشروع وطني واضح كبير يحقق لمصر التقدم والرخاء. وهو ما لم ينجح في انجازه، فترك الشارع المصري ساحة مفتوحة لحفلة الزار الدينية التي يرقص فيها أمراء الفكر الديني المتزمت بسراويلهم الأفغانية وطبولهم البدائية التي أرجعت مصر بضعة قرون الي الوراء.ہ كاتب من مصر يقيم في نيويورك [email protected]