ماروك ليلي مراكشي: تقنيات ناجحة، وأداء متميز، ونهاية ساذجة في فيلم مثير للجدل

حجم الخط
0

ماروك ليلي مراكشي: تقنيات ناجحة، وأداء متميز، ونهاية ساذجة في فيلم مثير للجدل

عدنان حسين أحمد ماروك ليلي مراكشي: تقنيات ناجحة، وأداء متميز، ونهاية ساذجة في فيلم مثير للجدلروتردام ـ القدس العربي عُرِض فيلم ماروك للمخرجة المغربية الشابة المقيمة في باريس ليلي مراكشي أول مرة في مهرجان كان في دورته الثامنة والخمسين في أيار (مايو) 2005. ثم توالت عروضه في الدار البيضاء في تموز يوليو 2005، ومهرجان طنجة لاحقاً حيث أثار جدلاً واسعاً، واتهامات خطيرة بلغت حد وصم المخرجة بـ التصهين ومناصبتها العداء للقيم والثوابت الأخلاقية العربية. والغريب أن بعض الصحف العربية كتبت عن الفيلم من دون تمحيص، وأكثر من ذلك فإن بعضاً من محرري الصحفحات الثقافية كتبوا عن الفيلم من دون أن يروه. وما نشرته صحيفة لا في ايكو يؤكد صحة ما نذهب إليه حيث قالت: إن الجدل بين منتقدي فيلم ماروك والمدافعين عنه يتنامي في حين عديدون هم الذين لم يشاهدوا الفيلم بعد . ورغم النقاشات الساخنة التي دارت رحاها علي الصفحات الثقافية والفنية في الصحف العربية أو تلك التي دارت بحضور المخرجة أو في غيابها في ندوات الدار البيضاء و طنجة، فقد اتفق النقاد السينمائيون علي خلو الفيلم من الأخطاء التقنية، بل ان أكثرهم امتدح تصوير الفيلم، ومؤثراته الصوتية والبصرية، وأداء الممثلين، وقدرة المخرجة الشابة علي إدارة هذا الأداء اللامع للممثلين الشباب الذي تقاسموا أدوار البطولة الجماعية. وطالما أن الفيلم ناجح علي صعيد الأداء والتقنيات فهذا يعني أن الخلاف يكاد ينحصر في ثيمة الفيلم وتشظياته الفكرية والدينية والاجتماعية والأخلاقية. وكان علي النقاد والمعنيين بالشأن السينمائي أن يدركوا منذ البدء أن قصة الفيلم تتمحور علي العلاقة المثيرة للجدل بين شابة، مسلمة، متحررة، تنتمي إلي طبقة ثرية أرستقراطية، وبين شاب يهودي، متحرر أيضاً، و ينتمي إلي الطبقة الثرية ذاتها، ولا يجد ضيراً في تكوين علاقة عاطفية مع فتاة مسلمة. غير أن السيناريو يكشف عن بعض الجمل الاستفزازية التي اثارت المشاهدين المسلمين ودفعتهم إلي اتهام المخرجة بـ التصهين .فحينما كانت ريتا تنظر إلي نجمة داوود المعلقة بعنق يوري خاطبته قائلة: هل صحيح أنكم أنتم اليهود تسعون فقط الي انتهاك بكارة المسلمات؟ . فيُحار يوري بماذا يجيبها، لكنه يخلع قلادته، ويضعها حول عنقها ثم يقول: هكذا ستتوقفين عن النظر اليها . كما أشارت صحيفة تل كل في أثناء فاعليات مهرجان طنجة إلي أن هذه المشهد المُستفِز قد أحبط العشرات من النخبة فنانين وباحثين من الذين حضروا فيلم ماروك ، لكن هذا الاحباط لا علاقة له بالسينما، بل إنه اجتماعي وثقافي وجنسي وديني. واعتبر آخرون هذه المشاهد مثيرة وصادمة لمشاعر العرب والمسلمين الدينية والأخلاقية. أما المخرج المغربي المعروف محمد العسلي فقد عد الفيلم برمته انتهاكا في حق المغاربة والمسلمين . وحري بنا أن نتوقف عند هذه الثيمة الصادمة التي أثارت جدلاً لم يهدأ أواره بعد خصوصاً وأن الفيلم قد عُرض قبل أيام في مهرجان الفيلم العربي في روتردام، ومرّ مروراً عابراً لأن هناك مئات الأفلام المثيرة للجدل لم تثر ما أثارته الصحف العربية من جدل ونقاشات حادة بلغت حد توجيه التهم الخطيرة لمخرجة الفيلم ليلي مراكشي كالتصهين، والتقليل من شأن الثقافة الإسلامية، والانتصار لمشروع الحريات الشخصية والعامة في الغرب الأوروبي.التعايش الديني وثقافة التسامحيعد اليهود في المغرب من أكبر الجاليات اليهودية في بلد عربي مسلم. وقد استطاعت هذه الجالية، وبمساعدة المجتمع المغربي الذي يتبني ثقافة التسامح أسلوباً وطريقة حياة، أن تتعايش في المغرب من دون إشكالات تُذكر علي مر السنين، فلا غرابة أن تجد أفراد هذه الجالية الكبيرة موزعة في أغلب المدن المغربية، غير أن المخرجة الشابة ليلي مراكشي قد إختارت يهود الدار البيضاء أنموذجاً للتعاطي معهم في هذا الفيلم المعنون ماروك . تبدأ قصة الفيلم بإشارة زمنية مهمة وحساسة تنطوي علي إحالة واضحة ومقصودة لشهر رمضان في عام 1997. قد لا تكون السنة مهمة كثيراً فيما يتعلق بقصة الفيلم، لكن شهر رمضان هو المقصود هنا، وما يترتب عليه من التزامات معروفة في البلدان الإسلامية كالصيام، وعدم جواز الإفطار العلني، وعدم ارتكاب الموبقات والمحرمات علناً، غير أن الشيء الصادم أولاً نلحظه في المشهد الافتتاحي عند مدخل مرقص في الدار البيضاء، وعلي مقربة منه هناك شاب وشابة يتبادلان قبلاً ساخنة في جوف سيارة وثيرة، ثم يدهمهما شرطي الآداب العامة حيث ينقر علي زجاج نافذة السيارة، ويدخل في مشاجرة لسانية حادة لعل أهم ما فيها آش كا ديرو مالكم في السويد؟ وهذا يعني أن المجتمع المغربي يرفض هذا النمط المتحرر من العلاقات الاجتماعية التي يمكن لها أن تحدث في أي بلد أوروبي، وليس في البلدان الإسلامية. وبعد الشجار الكلامي مع الشرطي تنتهي المشكلة بدفع غرامة مادية. وفي لقطة قصيرة غير بعيدة عن اللقطة الافتتاحية نشاهد حارس كراج السيارات وهو يؤدي صلاة العشاء بينما تتزامن موسيقي غربية مع هذا الفرض الإسلامي، وهذا التزامن مقصود أيضاً لأن الآذان غالباً ما نسمعه في هذا الفيلم كخلفية بعيدة ونائية عن الحدث، وليس جزءاً واقعياً منه. وحينما تغادر ريتا مكان الحادث جسّدت هذا الدور الفنانة العلوي يقع بصرها، في أثناء شجار عنيف بين شابين، علي أحدهما يبدو وسيم الطلعة والملامح ينزرع في ذاكرتها رغم الأجواء الصاخبة التي تعمدت إبرازها المخرجة ليلي مراكشي. ومن هذه النقطة تنطلق قصة الفيلم زمكانياً، فالزمان كما أسلفنا هو 1997، وهو العام الذي تخرجت فيه المخرجة ليلي مراكشي من الثانوية العامة في إشارة إلي أنها تتعاطي مع عالم تعرفه عن كثب، والمكان هو فيلا باذخة في كورنيش عين الذئاب والأحياء الثرية المجاورة له، إضافة إلي ثانوية ليوطي التي تتبع النظام الفرنسي في التدريس. يمتلك والد ريتا أو غيثة كما تلفظ بالفرنسية، معملاً للنسيج، وتعيش الأسرة المترفة حياة باذخة ميسورة لا يؤرقها سوي مشكلات الأبناء الدراسية والعاطفية. يركز الفيلم علي الحياة الشخصية لريتا قبل بدء امتحانات البكالوريا، ويرصد يومياتها وعلاقاتها مع أصدقاء الدراسة بنيناً وبنات. ولعل الحدث الأبرز في هذه اليوميات هو وقوعها في حب يوري بنشتريت ماثيو بوجناح ، الشاب المغربي اليهودي الوسيم الذي لا يعير الفروقات الدينية شأناً يُذكر، بينما تولي عائلة ريتا هذا الفرق الديني اهتماماً كبيراً، وخاصة أباها، رجل الأعمال، وأخاها ماو أسعد بوعب العائد من بريطانيا، واللذين يرفضان هذه العلاقة بين ابنتهما ريتا ويوري اليهودي رغم تسامحهما الكبير في التقاليد الدينية الإسلامية مثل الإفطار في شهر رمضان، والذهاب شبه اليومي إلي الحفلات الليلية الصاخبة التي ركزت عليها المخرجة كثيراً لتشير إلي أن هذا المجتمع المخملي المترف في المغرب يتناقض تناقضاً كبيراً مع الشرائح الاجتماعية المغربية الأخري التي تعيش حياة إسلامية نمطية لا تخرج فيها علي الثوابت والتقاليد المعروفة. ولا بد من الإشارة إلي أن حضور بقية بطلات الفيلم كان باهتاً وضعيفاً، مثل دور صوفيا الذي جسدته فاتن العياشي ودور أسماء الذي لعبته رزيقة سيموزراك، أما دور العائلة فقد انحسر في فرض زوج محدد علي صوفيا من أجل تأمين دراستها في كندا. وللمناسبة فإن عائلة يوري بنشتريت كانت تفكر بالهجرة إلي كندا والإقامة فيها غب الأحداث التي وقعت بعد حرب الخليج الأولي.يعتقد العديد من النقاد المغاربة أن ليلي مراكشي لها قصب السبق في اقتحام حياة هذه الشريحة المترفة من المجتمع المغربي ولهذا كثرت اللقطات والمشاهد التي صُورت في المقاصف والعلب الليلية الصاخبة، وحفلات الرقص والعبث والمجون، وسباق السيارات الفخمة وما إلي ذلك من مظاهر الترف والحياة الباذخة التي تنطوي علي نوع من التعالي علي الجانب الآخر من حياة الفقراء والمعدمين الذين يسكنون في أحياء الصفيح والبيوت العشوائية. لم تستمر هذه العلاقة المرتبكة بين يوري وريتا طويلاً، فكلا العائلتين تخشيان علي مصالحهما ولذلك يتعرض العشيقان إلي ضغوط قوية من قبل أسرتيهما لفسخ أواصر هذه العلاقة الوجدانية. وربما يكون ماو، شقيق ريتا هو العنصر الأكثر ضغطاً في العائلة، فلقد سبق له أن سافر إلي لندن لغرض الدراسة، لكنه دهس أحد المواطنين الفقراء، واضطر والده إلي دفع مبلغ كبير مقابل التنازل عن هذه القضية لكي لا يدخل ابنه السجن، فعاد ماو إلي المغرب متديناً، ثم انطوي علي نفسه، وانعزل عن مباهج الحياة الباذخة. وذات يوم يدعو يوري بعض أصدقائه الذين لا يجدون ضيراً في ممارسة الحب في منزله، ويصادف أن تتصل به ريتا في نفس اللحظة التي ينهمك فيها أحد أصدقائه بممارسة الجنس مع عشيقته فيسقط الهاتف من حافة السرير فتسمع ريتا تأوهات العشيقين، فتقطع شكها باليقين بأن يوري يخونها مع إحدي النساء. وحينما يدافع عن نفسه بقوة مدعياً بأن صديقه هو الذي كان يمارس الجنس تطلب منه أن يُقسم بالتوراة بأنه لم يخنها، ولم ينم مع امرأة سواها فتعود المياه إلي مجاريها. ثم تطلب منه أن يغيّر ديانته إن كان يحبها، وعلي الرغم من أنه ليس متديناً، ولا يؤدي شعائر وفروض الديانة اليهودية إلا أنه يخشي أن يجرح مشاعر والديه، الأمر الذي يفضي إلي تمزقه نفسياً، كما تتمزق الفتاة أيضاً بين قناعاتها الخاصة وبين قناعات الأسرة الثابتة، وتطلب منه أن يسافر معها إلي أي مكان في العالم ليتزوجا ويضعا أسرتيهما أمام الأمر الواقع. وعندما تبلغ الأزمة ذروتها ترتكب المخرجة خطأً جسيماً، إذ تختار أبسط الحلول وأكثرها سذاجة علي صعيد القصة السينمائية حيث تترك يوري يقود سيارته بسرعة جنونية وهو ثمل إلي حد ما فيتعرض إلي حادث اصطدام مروّع يموت من جرائه، بينما تسقط ريتا في حالة محزنة يرثي لها الأمر الذي يدفع بشقيقها لمصالحتها بعد جهد كبير فتقبل ريتا بهذه المصالحة لتعود إلي حياتها الطبيعية، ثم تسافر علي متن طائرة إلي إنكلترا أو إلي بلد أوروبي آخر لمواصلة دراستها وحياتها الشخصية معاً بعد هذا الحادث المؤسف. لقد أربكت هذه النهاية النمطية وغير المدروسة فيلماً كان بالإمكان أن يكون علامة فارقة في السينما المغربية التي تتعاطي مع موضوعة التسامح الديني بين المسلمين واليهود المغاربة.وعوداً علي بدء فإن هذا الفيلم قد تعرض لانتقادات كثيرة أغلبها سلبية، وقد حاكمت مخرجة الفيلم لأنها إصطفت إلي جانب الأجواء الغربية التي تؤكد علي الانفتاح الاجتماعي والأخلاقي، ويتبين ذلك من خلال تصديها لبعض التصريحات التي صدرت عن حزب العدالة والتنمية الذي اعتبر طلاب المدارس الفرنسية في المغرب غير كاملي الانتماء المغربي كما أنها وقفت إزاء تناقضات الشباب المغربي الذي يظل متشبثاً بانتمائه . والفيلم ليس سيرة ذاتية علي الرغم من وجود أوجه للتشابه بين شخصية ريتا ومخرجة الفيلم ليلي مراكشي. وفي الختام يمكن القول إن الفيلم جريء وليس فيه ما يسيء إلي العروبة أو الإسلام. أما إذا كانت ريتا تحلّف يوري بالتوراة مشكلة بالنسبة إلي المسلمين، فبماذا تحلّفه إذن؟ هل تحلّفه بالقرآن أو بالإنجيل؟ وأليست هذه الكتب الثلاثة هي كتب سماوية مقدسة لا تختلف بعضها عن بعض؟ ولا بد من الإشادة بالممثلين الذين أدوا أدواراً متقنة وبالذات مرجانة العلوي وماثيو بوجناح وأسعد بوعب وفاتن العياشي. وجدير ذكره أن ليلي مراكشي من مواليد الدار البيضاء عام 1975. حصلت علي وسام شرف عالمي عن أفلامها القصيرة التي تركّز علي جوانب واسعة ومتنوعة من حياة المجتمع المغربي. و ماروك هو أول أفلامها الروائية الطويلة والذي جسّدت فيه ذكرياتها أيام الدراسة في نهاية التسعينات من القرن الماضي. وقبل ذلك كانت قد أنجزت عدداً من الأفلام من بينها: L’Horizon perdu, 2000, Deux cents dirhams, 2002.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية