د. جمال المجايدة
لهو طفولي علي شاطئ غزة بعد انتهاء الامتحانات المدرسية، ينتهي بالموت والدم والقنابل الاسرائيلية، هل هي تلك احلام الطفولة، وهل هذا هو التعايش الذي يتحدث عنه الاسرائيليون في حكومة الارهاب والبطش برئاسة اولمرت؟ المجزرة التي روعت قلب من شاهدها علي التلفاز كافية للرد علي اكاذيب حكام اسرائيل، وتؤكد ان مرتكبيها يهدفون لخلط الاوراق لإدامة امد العنف واراقة الدماء، والا ما ذنب تلك العائلة الفقيرة التي راحت الي البحر مع اطفالها لمكافأتهم علي الاجتهاد ايام الامتحانات؟ المجزرة حصدت ارواح ابرياء فقراء مسالمين علي الشاطئ الحزين، راح ضحيتها، كل افراد العائلة المكونة من الأب علي عيسي غالية (47 عاما) والزوجة رئيسة والابناء عالية (25 عاما) والهام (16 عاما) وصابرين (عام ونصف العام) وهنادي (ثلاثة أعوام ونصف) وهيثم (أربعة شهور). كان المشهد أشبه بأفلام الرعب أشلاء في كل مكان وغبار الدم ورائحة الموت يلاطمان موج بحر غزة الباكي في غزة الجريحة الباكية والممنوعة من الحياة ومن البحر والتنزه.
تلك النزهة التي انتهت بالموت هي اكبر رد علي توقعات بوش برؤية السلام واقامة الدولة الفلسطينية وهي ايضا رد علي الداعين الي السلام الذي ترفضه اسرائيل وتدمر اية فرص للوصول اليه، فها هم قتلة اسرائيل حولوا حلم الطفولة التي كانت تتنزه علي شاطيء بحر شمال غزة هربا من حرارة الصيف بعد ظهر يوم الجمعة لتنقلها في لمح بصر دام الي قبر جماعي حدوده البحر والاسلاك الشائكة وسماء غزة.
نعم نحاول ان نري السلام في الافق او الوفاق الفلسطيني علي ارض الواقع ولا نري للاسف الشديد سوي أشلاء وجثث عائلة غالية التي قضي سبعة من أفرادها بشظايا القذائف حيث اخترقت شظاياها أجساد الأطفال والنساء فيما كان المشهد الأكثر مأساوية الطفلة هدي التي انشغلت في التنقل بين جثث أفراد عائلتها قبل أن تتوجه باكية الي جثة والدها الملقاة علي شاطيء البحر.
انتهي الحلم ودمر الامل ولن تكون هناك حياة لسلام بشرونا به او وعد لم يتحقق او رؤية خائبة، فالموت هو حل الاسرائيليين للتعايش مع الفلسطينيين، واذا كان هو الموت من نصيب الفلسطينيين فقط اعتقد ان الجميع في اسرائيل من ذات الكأس.
كشف الجريمة!
المصور التلفزيوني الفلسطيني زكريا أبو هربيد، بطل، مناضل، يجب ان يفخر به الاعلام الفلسطيني والعربي والعالمي، فعدسته وثقت للمجزرة الاسرائيلية الوحشية علي شاطئ بحر غزة الجمعة الماضي، ولولاها لما تمكن العالم من متابعة جريمة اولمرت وبيرتس وحالوتس (ثلاثي القتل والاجرام في اسرائيل) ولولا ابو هربيد لما تمكنت مئات القنوات الفضائية العربية والأجنبية من بث الصور التي التقطها المصور البطل والتي أثارت مشاعر من شاهدوها لتعيد الي الأذهان حادثة مقـــتل الطفل محمد الدرة الذي قضي بجوار والده مطلع الانتفاضة برصاص الجيش الاسرائيلي.
ولم تكن هذه هي الحادثة الاولي التي يقوم بتغطيتها المصور أبو هربيد حيث رصدت كاميراته مأساة عائلتي قحمان وغبن واللتين فقدتا عددا كبيرا من أطفالهما وأفرادهما في قصف اسرائيلي علي منازلهما شمال بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة.
كما سبق لزكريا البالغ من العمر 35 عاما ـ هو اب لتسعة اطفال ـ أن أصيب ثلاث مرات خلال الانتفاضة كان أخطرها في الخامس عشر من نيسان (أبريل) 2001 عندما أصيب بجراح في يده بعد أن تعرض لاطلاق نار كثيف من قبل القوات الاسرائيلية بينما كان يغطي مظاهرة فلسطينية مطلع الانتفاضة في الحي النمساوي غرب مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة. هذا المصور الذي يعمل لاحدي وكالات التصوير الفلسطينية هو دائما أول الواصلين الي مسرح المجازر والجرائم التي ترتكبها القوات الاسرائيلية لقناعته بان كل ما يقوم به عمل بطولي يفضح جرائم الاحتلال ويظهر عداله قضية شعبه امام الرأي العام العالمي وامام كل الصامتين والمتعاطفين مع اسرائيل.
ويروي تفاصيل مجزرة بحر غزة بالقول في البداية تلقيت اتصالا هاتفيا من أحد الزملاء العاملين في طواقم الاسعاف بأن هناك استهدافا لمجموعة من المقاومين في بلدة بيت حانون فاستقليت سيارتي وأخذت معي الكاميرا وتوجهت بسرعة الي مكان الاستهداف فذهلت مما رأيت حتي أن طواقم الاسعاف أصيبوا بالصدمة من هول المجزرة وأخذوا يبكون دون توقف.
وأضاف للوهلة الأولي عندما شاهدت المكان مسرح الجريمة وتفاصيل القتل المرعب الذي يملأ المكان.. جثث ملقاة علي الأرض واطفال استشهدوا وبقايا بشر انغرسوا في رمال البحر الهائج، وفجأة لفت انتباهي فتاة تخرج من البحر وثيابها مبتلة كانت تلعب في البحر داعبها الموت دقائق لتكون شاهدة علي الموت الكبير والحياة القادمة.. تلك هي ذكريات الموت التي توزعها اسرائيل وترصدها عدسات اعلاميين مناضلين لا يخشون الرصاص او القنابل والصواريخ.
ہ صحافي من فلسطين يقيم في الامارات[email protected]